يقوم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، حفظه الله، بزيارة إلى المملكة المغربية، استقبل خلالها بمقر إقامته جلالة الملك محمد السادس، حيث مثل اللقاء فرصة للتباحث بشأن عدد من القضايا والملفات الإقليمية والدولية، ومناسبة لتمتين الروابط التاريخية التي تجمع البلدين، والسعي لتطويرها بما يخدم المصالح المشتركة. وتحيل الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين أيضاً إلى أهمية التحالف الاستراتيجي، وعمق الشراكة بين الجانبين.
تعود العلاقات المغربية – الإماراتية إلى أكثر من نصف قرن من التواصل المتجدد، وقد حرص الراحلان الملك الحسن الثاني والشيخ زايد، رحمة الله عليهما، على تمتينها وتعميقها، من خلال اعتماد مجموعة من المبادرات التي طالت عدداً من القطاعات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية والثقافية، حيث تم إحداث اللجنة المشتركة بين البلدين في عام 1985، والتي تمكنت من عقد مجموعة من الدورات وأثمرت مجموعة من الاتفاقيات المهمة.
ولم تتوقف هذه العلاقات عن التطور المستمر، فبفضل الجهود التي ما فتئ يبذلها الملك محمد السادس وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، تمكّن البلدان معاً، وبإرادة قوية عليا، من إرساء علاقات نموذجية مبنية على تبادل المصالح وتناغم المواقف إزاء عدد من القضايا الإقليمية والدولية، ما جعلها تشهد نمواً مطّرداً في عدد من الميادين المختلفة، وهو ما يمثل تجربة إقليمية نموذجية وواعدة.
وفي الوقت الذي دأبت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة على دعم قضية الوحدة الترابية للمغرب، في ارتباط ذلك بقضية الصحراء المغربية، واستثمار مختلف اللقاءات والمناسبات الثنائية والإقليمية والدولية لتجديد موقفها الراسخ في هذا الخصوص، وحرصها أيضاً على فتح قنصلية لها بمدينة العيون المغربية في عام 2020، ومبادرتها التضامنية بإرسال فريق إنقاذ للمشاركة في عمليات إغاثة ضحايا الزلزال الذي أصاب المغرب بتاريخ 8 سبتمبر/ أيلول من عام 2023، استمر المغرب من جانبه في دعم وحدة دولة الإمارات وسيادتها على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التي تحتلها إيران، كما عبّر عن إدانته للهجمات التي قامت بها جماعة الحوثيين، على منطقة «المصفح» ومطار أبوظبي، وثمّن ودعّم جهود الإمارات في مجال مكافحة «الإرهاب»، كما دان الاعتداءات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت دولة الإمارات، واعتبرها انتهاكاً سافراً للسيادة الوطنية، وتهديداً للأمن القومي العربي، مع التأكيد على ربط أمنه الاستراتيجي بأمن منطقة الخليج.
وقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين الجانبين تطوراً كبيراً، وطالت المبادلات التجارية عدداً من المواد والسلع المصنعة والمعدنية والطاقية والزراعية، وبفضل هذه الدينامية أضحت دولة الإمارات العربية المتحدة بمثابة المستثمر العربي الأول، والثاني على الصعيد الدولي بالمغرب، بعدما انخرطت في عدد من المشاريع التنموية التي تهم قطاعات الطاقة والسياحة والاتصالات والعقار والبنى التحتية، وقد اتفق البلدان في أعقاب اجتماعات الدورة الأولى للجنة الاقتصادية المشتركة لعام 2023 على مضاعفة العلاقات التجارية والاستثمارية بينهما.
وقد شكلت الزيارة الرسمية التي قام بها الملك محمد السادس إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2023، بدعوة من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، فرصة لتبادل الآراء حول عدد من الملفات الإقليمية والدولية وعلى رأسها التطورات التي شهدتها الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تم التأكيد على أهمية تكثيف الجهود لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتوفير الحماية للمدنيين وضمان وصول المساعدات إليهم، بالإضافة إلى بلورة «أفق واضح للسلام الدائم والشامل» يتأسس على «حل الدولتين»، بما يضمن الاستقرار والأمن لشعوب المنطقة. كما توجت الزيارة بالإعلان عن شراكة «مبتكرة وراسخة»، قادرة على إعطاء دفعة قوية للعلاقات، بما يستجيب لتطلعات وطموحات البلدين وشعبيهما.
إن تناسق مواقف البلدين إزاء عدد من الملفات والإشكالات الإقليمية والدولية، وتزايد مستوى الاستثمارات الإماراتية بالمغرب في عدد من القطاعات المهمة في مجال البنى التحتية والطاقات المتجددة، ودعم المشاريع الاستراتيجية الكبرى للمغرب كما هو الشأن بالنسبة لأنبوب الغاز – المغرب – نيجيريا يمثل أساساً لتعميق الشراكة القائمة بين الجانبين.
كما يوفّر التراكم التاريخي للعلاقات المغربية – الإماراتية على امتداد عدة عقود من التعاون، وواقعها المتصل بتشبيك المصالح ومجالات التنسيق، فرصاً عديدة لتطوير هذه العلاقات وإعطائها طابعاً من الاستدامة التي تتجاوز منطق البعد الجغرافي.
لا تخفى أهمية تطوير هذه العلاقات في توسيع دائرة الاستثمارات المشتركة داخل إفريقيا، وفي تعزيز الروابط بين البلدان العربية، وإعطاء دفعة للعمل العربي المشترك، بما يمكن أن يسهم في إعادة الاعتبار للنظام الإقليمي الذي تضرر بشكل كبير خلال العقود الأخيرة، خصوصاً أن البلدين يجمعهما الكثير من القواسم المشتركة، فعلاوة على علاقة المغرب الجيدة مع الدول الخليجية بشكل عام، وعضوية البلدين (المغرب والإمارات) داخل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، فهما بلدان منفتحان، يتبنيان سياسة خارجية معتدلة، تقوم على الدفاع المشترك عن السيادة، وعلى الواقعية السياسية وتنويع الشراكات، واحترام مبادئ القانون الدولي.
[email protected]
تمتد الإرهاصات الأولى لمراكز الفكر إلى القرن الثامن عشر، حيث برزت في أوروبا على شكل كراسٍ علميةٍ مختصةٍ في الدراسات الشرقية وغيرها، فيما يرجعها آخرون إلى الحلقيات العلمية والوقفيات التي شهدها عدد من البلدان الإسلامية (المسجد النبوي، والجامع الأزهر بمصر، وبيت الحكمة بالعراق، وجامع القرويين بالمغرب وجامع القيروان بتونس..) قبل ذلك بزمن بعيد.
وقد برزت هذه المراكز بشكل متطور ومستقل عن المؤسسات الجامعية في بريطانيا خلال سنوات القرن التاسع عشر، وبخاصة مع إحداث المعهد الملكي للدراسات الدفاعية في عام 1831، قبل أن تتمدد هذه المراكز وتتزايد أدوارها وتأثيراتها في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين، ونشير في هذا السياق إلى معهد كارنيغي للسلام الدولي (عام 1910)، ومعهد بروكينغز (عام 1916) ومعهد هوفر (عام 1918).
وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من صراعات أيديولوجية بسبب ظروف الحرب الباردة، برزت الحاجة إلى هذه المراكز كإطار لتحليل الأحداث والتنبؤ بمآلاتها، ولمساعدة الدول على التخطيط في مختلف المجالات الاقتصادية والإدارية والعسكرية.
ومع انهيار المعسكر الشرقي ونهاية الصراع بين الشرق والغرب، وتنامي البعد الاقتصادي للعلاقات الدولية وتوسع دائرة العولمة، وتصاعد المخاطر العابرة للحدود، أخذت هذه المراكز في التمدد لتظهر في عدد من بلدان العالم، وانصبّت اهتماماتها على عدد من المجالات كقضايا الطاقات المتجددة والتغير المناخي، والتنمية المستدامة، وتطوير الاقتصاد، وتوطين التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب المجالات التقليدية المتصلة بالسياسات الخارجية والشؤون العسكرية، في سياق إرساء علاقات تواصل بين البحث العلمي من جهة وصناع القرار من جهة أخرى، لترشيد السياسات وبلورة رؤى استشرافية في هذا الصدد.
وهكذا، أضحت مراكز البحث والفكر من ضمن أهم المقومات التي تعتمد عليها الدول الكبرى في عقلنة وتوجيه قراراتها من جهة، ورسم سياساتها وتعزيز حضورها الدوليين من جهة أخرى، عبر ترسيخ التواصل العلمي والثقافي.
علاوة على مساهماتها المتزايدة في تعزيز السياسات العمومية، أضحت هذه المراكز تمثل واجهة ثقافية وفكرية تعزز سمعة الدول في محيطها الخارجي، وتسهم في بلورة رؤى استراتيجية لها تأثيرات دولية، ونشير في هذا السياق إلى مؤسستي بروكينغز وكارنيغي الأمريكيتين، والأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية التي تعد من أقوى المراكز الفكرية بالبلاد.
وبذلك أضحت مقوماً وازناً ضمن مقومات القوة الناعمة التي تعتمد عليها الدول في ترويج القيم والمعارف والأفكار السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونموذجها الثقافي على المستويين الوطني والدولي، علاوة على دورها في دعم الدبلوماسية الموازية للدول من خلال فتح نقاشات فكرية بين مختلف النخب السياسية والأكاديمية والدينية بما يدعم تدبير الأزمات.
وفي هذا السياق، يندرج كتاب «مراكز الفكر في عالم متغير: التحولات والأدوار والتحديات»، للدكتور محمد العلي، الصادر عن مركز تريندز للبحوث والاستشارات (2024) الذي رصد فيه تطور مراكز الفكر والبحوث، وبخاصة في ما يتعلق بمقارباتها الفكرية، وأدوارها المتعددة، والتحديات التي تواجهها.
ففي معرض حديثه عن نشأة وتطور هذه المراكز يشير المؤلف إلى أنه ومنذ تسعينيات القرن الماضي، انتشرت هذه المراكز خارج القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية إلى عدد من بلدان العالم، مبرزاً أنها تتفوق بانفتاحها ومرونتها، على المؤسسات الرسمية في الاقتراب من دوائر الأعمال والتقنية وأصحاب المصلحة وجماعات الضغط.
يرى الكاتب أن هذه المراكز أصبحت تلعب أدواراً أساسية على مستوى تعميق مفاهيم التضامن الإنساني وترسيخها كإطار للتنمية المستدامة وتحصين التماسك المجتمعي، واستشراف المستقبل وتقديم ابتكارات تدعم حوكمة السياسات.
وفي هذا الصدد يشير إلى عدد من التجارب الدولية الرائدة، ففي الولايات المتحدة تستأثر هذه الهيئات بأدوار حاسمة على مستوى صناعة القرارات السياسية والدبلوماسية، أما في فرنسا فتستأثر هذه المراكز بما يعرف ب»الاستيراد/ التصدير الفكري»، وفي روسيا فقد سمحت هذه المراكز بانخراط الخبراء والأكاديميين في جهود الدبلوماسية العامة للبلاد، أما في الصين فيتطرق الكاتب إلى الطفرة التي شهدتها مراكز الفكر والبحوث خلال السنوات الأخيرة، حيث تم استحداث أكثر من 200 مركز في غضون ثلاث سنوات (2013-2016) في سياق السعي لتعزيز المكانة الدولية للصين.
[email protected]
شكّل المرور بلحظات الأزمات والحروب على امتداد التاريخ البشري، محطات للتأمل والاستفادة من الأخطاء والهفوات، بل تم تحويل هذه المحطات القاسية إلى فرص حقيقية للإبداع والاجتهاد، ولإرساء حلول ناجعة لمعضلات اجتماعية، واقتصادية، وأمنية.
إن الأخطاء، ومختلف الكوارث والحروب والأزمات التي يصعب، أحياناً، تلافي حدوثها، تمثل بتحدياتها فرصة حقيقية لاكتشاف مكامن الضعف والخلل، وتطوير وتحصين الذات، وتقوية المؤسسات، وإبداع الحلول، التكنولوجية والسياسية والمؤسساتية، بشكل غير مسبوق. كما تدفع أيضاً إلى تعبئة الإمكانات المتاحة وإلى مراجعة الحسابات، وإعادة النظر في السياسات والاستراتيجيات، وتجاوز الآليات المتجاوزة.
وتشير المعطيات التاريخ إلى مجموعة من الأحداث المرعبة التي تحولت تحت ضغط الإصرار والعزم على الاستفادة من الأخطاء واستلهام العبر، إلى فرص حقيقية للتطور، وكسب رهانات تحصين المستقبل.
فبعد قرون متتالية من الحروب والصراعات الطاحنة في أوروبا، التي كانت آخرها الحرب العالمية الثانية، والتي خلفت كلفة خطرة بكل المقاييس، تزايدت القناعة في الأوساط الأكاديمية، والسياسية، والاقتصادية، وفي عمق المجتمع، بضرورة تجاوز متاهات الحروب التي تنتهي، والانكباب على إرساء مرتكزات تحصّن دول القارة من الانزلاق نحو حروب جديدة، وأكثر تدميراً مع تطور الأسلحة، من خلال تأسيس المجموعة الأوروبية للفحم والصلب في عام 1951 التي ستتحول إلى الاتحاد الأوروبي لاحقاً، ما أسهم في تشبيك العلاقات والمصالح التي أصبح معها الاتحاد نموذجاً إقليمياً رائداً في التكتل الاقتصادي، ما يُعد عاملاً حاسماً في منع تكرار الحروب.
وقد ربط عدد من الباحثين والفلاسفة في القارة العجوز بين الدكتاتوريات والحروب، وأكدوا أن الديمقراطية هي المدخل الرئيسي لتحقيق السلام، فقد تبيّن أن الفاشية والنازية، بتوجهاتهما الاستبدادية والتوسعية، قادتا العالم نحو حروب طاحنة.
أما اليابان، وبعد خروجها من الحرب العالمية الثانية منهكة ومدمرة، عقب استهدافها بالسلاح النووي، فاستطاعت أن تقوم من الرماد كطائر الفينيق، لتراهن على بناء الإنسان، وتحقيق التنمية، وتملك التكنولوجيا الجديدة بالصورة التي أصبحت معها قطباً اقتصادياً عالمياً وازناً.
ومن جانبها، تمكّنت الصين الشعبية أن تتجاوز تبعات المجاعة التي لحقت بها ما بين عامي 1959 و1961، وما رافقها من أزمات اقتصادية صعبة، بفعل سياساتها البراغماتية، وانفتاحها على الاقتصاد العالمي، لتحقّق منجزات اقتصادية وتنموية مذهلة.
وعلى الرغم من مرور المنطقة العربية بعدد كبير من الأزمات والحروب والصراعات (حروب أهلية، تدخلات أجنبية، مشكلات اقتصادية واجتماعية، حصار دولي -العراق، السودان وليبيا) على امتداد عدة عقود مضت، إلا أن الملاحظ أنها لم تستفد بشكل ملحوظ، من هذه المحطات، فلا هي اعتمدت التخطيط الاستراتيجي لتجاوز أزماتها، الاجتماعية والاقتصادية، ولا تبنّت تنويع مصادر دخلها القومي، ولا هي دبّرت تنوعها المجتمعي بصورة بنّاءة في مواجهة الطائفية والحروب الأهلية، ولا هي اعتمدت إصلاحات سياسية تدعم الممارسات الديمقراطية، ومواجهة الصراعات الدامية على السلطة.
إن عدم استفادة عدد من دول المنطقة من عثراتها، يعود في جزء كبير منه إلى مجموعة من العوامل والأسباب التي يمكن إجمالها في اعتماد المركزية في اتخاذ القرارات بصدد عدد من الأزمات، في سياق الاكتفاء برد الفعل، بعيداً عن المقاربات الاستباقية والشمولية، وعدم الانفتاح على مراكز الأبحاث ومخرجات الجامعات لعقلنة وتعميق هذه القرارات.
ثم هناك أيضاً تفشي الانتماءات الضيقة على حساب ترسيخ قيم المواطنة في عدد من الدول كلبنان، والعراق، واليمن، والسودان، وليبيا..، بما يكرس الصراع والاستقطاب داخل المجتمع، وهشاشة المؤسسات السياسية والدستورية، ويعرّض هذه الدول لصراعات دامية متجدّدة.
كما لا تخفى الآثار السلبية الناجمة عن الاختلالات التي تعتري المنظومة التعليمية في عدد من هذه الأقطار، والتي تعتمد في مجملها على مناهج تقليدية متجاوزة، لا تحرّض على النقد وطرح الأسئلة الحقيقية وإنتاج المعرفة والحلول المبتكرة للمشكلات القائمة، بقدر ما تدفع إلى إعادة تكرار نفس الخطابات والأفكار السائدة.
إن استفادة الدول العربية من زلّاتها وتحويل أزماتها إلى فرص، يتطلب الاستثمار في المكون البشري، من خلال تعزيز منظومتي التعليم والبحث العلمي، وتبنّي الحوكمة المؤسساتية، وتفعيل آليات التعاون البيني وإحداث تكتل اقتصادي قوي، وإحداث سبل، استراتيجية ومستدامة، لتدبير الأزمات.
[email protected]
ظلت العلاقات الصينية – الأمريكية تتأرجح بين التعايش الحذر، والصراع الاقتصادي والاستراتيجي الهادئ، وعلى الرغم من مرور هذه العلاقات بمحطات صعبة، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، إلا أن الطرفين حرصا باستمرار على تطويق الكثير من الأزمات (اقتصادية وتجارية وسياسية وأمنية واستراتيجية ورقمية..)، ومنعها من الخروج عن نطاق السيطرة والتحكم.
ففي خضم الهيمنة الأمريكية التي برزت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، حاولت الصين أن تواكب التحولات الدولية المتسارعة بشكل هادئ، توازن بين تحقيق مصالحها الاقتصادية، وتلك المرتبطة باستكمال وحدتها الترابية من جهة، ثم الحرص على عدم الاصطدام مع القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، والانفتاح على المحيط الدولي بصورة تدعم حضورها، حيث انضمت إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، من جهة أخرى.
فقد سعت إلى تطوير علاقاتها الخارجية مع الدول الكبرى، ومع عدد من دول الجنوب، وانخرطت في مكافحة الإرهاب الدولي، وأسهمت في تعزيز الجهود الرامية إلى حفظ السلم والأمن الدوليين، سواء عبر توظيف عضويتها داخل مجلس الأمن، أو من خلال جهود انفرادية قادتها في هذا الخصوص. من جانب آخر، استطاعت الصين توظيف عناصر القوة الناعمة في ترسيخ تمدّدها وحضورها الدوليين، من خلال إحياء مشروعها الاقتصادي المرتبط بمبادرة الحزام والطريق، وتحريك دبلوماسية المساعدات الإنسانية. وأمام هذه المعطيات لم تعد بكين تخفي طموحاتها المتزايدة بالاستئثار بأدوار وازنة في إطار نظام دولي تعدّدي.
وتشكل الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، ضمن وفد اقتصادي مهم يتكون من رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى، محطة مفصلية في سياق العلاقات الأمريكية الصينية، التي ظلت تتأرجح بين التعاون والصراع، منذ نهاية الحرب الباردة.
وتأتي الزيارة في ظل ظرفية إقليمية ودولية يطبعها التوتر، بخاصة مع الانعكاسات التي أحدثتها الحرب الإيرانية على الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة، والتجارة الدولية بشكل عام، بفعل الارتباك الحاصل في مضيق هرمز.
تنطوي الزيارة في هذه الظرفية الدقيقة، على قدر كبير من الأهمية الاستراتيجية، وهي تظهر بشكل واضح تعامل الطرفين بمنطق براغماتي وواقعي، في إطار التفاعل مع المتغيرات الدولية، وتوظيفها بشكل إيجابي. خصوصاً على مستوى السعي لإرساء الاستقرار، ولو بشكل غير حذر، ومستدام.
ومع ذلك، يشكل اللقاء مناسبة لتوضيح الخطوط الحمراء التي يرفعها كل منهما تجاه الآخر، فالصين ستحرص من جديد على تنبيه الولايات المتحدة من خطر تجاوز الحدود المسموح بها في ما يتعلق بملف تايوان، فيما ترفض واشنطن أيّ توجهات صينية لعسكرة بحر الصين الجنوبي. إضافة إلى تشبيك المصالح الاقتصادية والتجارية كإطار لتحصين العلاقات الثنائية، ومنعها من التدهور، أو التحول إلى احتكاك مباشر.
وفي هذا الصدد، سعى الجانبان إلى إرساء اتفاقات تكفل تعزيز الأمن الرقمي، وبلورة تنافسية رقمية متوازنة، وضمن حدود معقولة تحول دون تمدّد الفجوة بين الجانبين في هذا الشأن. إضافة إلى تخفيف حدة الرسوم الجمركية المتبادلة، مع الحرص على دفع الصين نحو القيام بوساطات على طريق الحد من الانعكاسات الخطرة للحرب على إيران، بخاصة على مستوى تخفيف حدة التوتر القائم في مضيق هرمز، والسعي لدفع إيران للتخلي عن طموحاتها النووية (العسكرية).
علاوة على وقف التصعيد بخصوص عدد من الملفات، كما هو الشأن بالنسبة للوضع في تايوان وبحر الصين الجنوبي، والحيلولة دون تطورها إلى مواجهات عسكرية غير محسوبة. وكذا التخفيف من حدة الاستقطاب والتنافس على بعض المناطق الجاذبة بإمكاناتها، الاقتصادية، والطاقية، والمعدنية.
إن التقارب الصيني الأمريكي الذي ستعززه هذه الزيارة، لا يعني البتة نهاية حتمية للخلافات القائمة بين الجانبين بصدد عدد من الملفات البينية والقضايا الدولية، لكنها ستتيح لهما تدبير هذه الخلافات بسبل دبلوماسية تعززها المصالح المشتركة، والإقرار الأمريكي بوزن الصين الذي يسمح لها بالاستئثار بأدوار طلائعية على الصعيد الدولي.
ومن جهة أخرى، يبدو أن هذا التقارب سيعمق أكثر، أزمة الثقة القائمة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي تجد نفسها خارج العديد من المبادرات والترتيبات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب.
[email protected]
لم تتوقف تأثيرات الذكاء الاصطناعي فقط على مجموعة من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والعلمية، بل تجاوزت ذلك لتطال العلاقات الدولية كحقل معرفي، وكتفاعلات اجتماعية.
فقد ألحقت الثورة التي أحدثها هذا الذكاء في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية تغيرات جذرية طالت علم العلاقات الدولية الذي ينحو إلى تفسير الظواهر الدولية (حرب، وسلام، وردع، وقوة، وتحالفات..) وبناء نظريات بصددها، ثم التنبؤ بمآلاتها. حيث تسبب في إعادة صياغة مفهوم القوة، وفتح المجال لعدد من دارسي هذا الحقل من العلوم الاجتماعية بتطوير نظرياتهم ومقولاتهم على ضوء هذه المتغيرات المتسارعة.
وهكذا وفر هذا الذكاء تقنيات ومعطيات جديدة، أسهمت بشكل كبير في بلورة مفاهيم حديثة أثرت بصورة واضحة في المقتربات التقليدية للعلاقات الدولية، كما هو الأمر في توسع مفاهيم الأمن والردع والقوة. فالمدرسة الواقعية أصبحت تستحضر فرص الذكاء الاصطناعي كمقوم أساسي ضمن منظورها لقوة الدول، فيما أصبحت المدرسة البنائية تنظر إلى هذا الذكاء لا باعتباره وسيلة تقنية فقط أو محدداً من محددات القوة، بل كعنصر مساهم في إعادة تشكيل الهويات والمناهج والأفكار التي تؤطر العلاقات بين الدول.
ومن جهتها باتت المدرسة الليبرالية تولي اهتماماً كبيراً للتكنولوجيا الحديثة، وتنظر إليها كمقوم أساسي لإرساء التعاون الدولي، وتعزيز الجودة في أداء المؤسسات الدولية، مع دعوتها إلى بلورة ضوابط قانونية وأخلاقية تؤطر استخدام التكنولوجيا بشكل عام.
أما نظرية ما بعد الاستعمارية التي ترى في النظام الدولي القائم، امتداداً لعلاقات الهيمنة التي ظلّت سائدة في فترات الاحتلال الأجنبي، فقد ركزت ضمن مقارباتها على ما يسميه روادها ب«الاستعمار الرقمي» الذي يكرّس للتبعية واتساع الفجوة في هذا المجال.
وارتباطاً بالعلاقات الدولية، كتفاعلات اجتماعية، أسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة بشكل عام في تشبيك العلاقات الدولية أكثر، بعدما أحدث قفزة كبيرة على مستوى التواصل الدبلوماسي، ونقله من الأساليب التقليدية المألوفة إلى أساليب متطورة منحتها شبكات التواصل الاجتماعي زخماً كبيراً.
وقد أضحى امتلاك ناصية هذه التقنيات عاملاً داعماً لمكانة ووزن الدولة في محيطها الخارجي، بل عنصراً فاعلاً ضمن عناصر القوة الناعمة الكفيلة بتحقيق مصالح الدول بسبل أكثر فاعلية واستدامة. كما أن امتلاك بنيات أساسية رقمية أضحى عاملاً مهماً لتعزيز الأمن والنفوذ على المستويين الإقليمي والدولي.
وقد أضحت الشركات الضخمة المتخصصة في التكنولوجيا الحديثة، فاعلاً مؤثراً في العلاقات الدولية، بالنظر إلى تأثيراتها وحجم معاملاتها على الصعيد الدولي.
ومع ذلك، يطرح الذكاء الاصطناعي تحديات كبرى، تفرض تعزيز الأمن الرقمي الذي أضحى جزءاً لا محيد عنه ضمن عناصر الأمن بمفهومه الإنساني الشامل، وأبرز أهمية تطوير قواعد القانون الدولي حتى تواكب التطورات الحاصلة في العمليات العسكرية الجديدة التي أصبحت تستخدم فيها التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي بشكل مكثف (اتخاذ القرارات المستقلة، الطائرات المسيّرة، والحروب الإلكترونية).
وعلى مستوى آخر، يمكن للذكاء الاصطناعي، وانطلاقاً من المحتويات الرقمية المتاحة بشبكات الإنترنت، أن يكرّس الهيمنة الثقافية والقيمية التي تدعم التوجهات الغربية.
حقيقة أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً حقيقية فيما يتعلق بالحد من المخاطر والتهديدات العابرة للحدود، والمساهمة في حوكمة تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية على المستويات الوطنية والدولية، لكنه في المقابل يطرح مخاوف حقيقية من أن تهيمن الخوارزميات على اتخاذ القرارات الدولية، مما يفقدها حسّها الإنساني. فيما تتزايد هذه المخاوف مع توجه الدول الكبرى نحو إدماج الذكاء الاصطناعي في الأسلحة الذاتية التشغيل، أو اندلاع سباق دولي محموم نحو توظيف هذا الذكاء في المجال العسكري، إضافة إلى تزايد إمكانية استغلاله في عمليات الاحتيال ونشر الإشاعات والأخبار المضللة، وهو سيسهم في تعميق الأزمات الدولية وتهديد سيادة الدول.
وبين دول كبرى (كالولايات المتحدة والصين وروسيا) تتنافس بشأن تطوير التكنولوجيا الحديثة وامتلاك عناصر التحكم في مآلاتها المدنية والعسكرية، يبدو أن الفجوة الرقمية ستزداد عمقاً في عدد من دول العالم التي لم تعِ بعد أهمية وحيوية التحول الرقمي وبالفرص الواعدة التي يختزنها الذكاء الاصطناعي.
اعتُبر البحث العلمي من أهم الأنشطة الإنسانية التي تقوم على اعتماد مناهج وضوابط محددة بهدف التوصل إلى نتائج دقيقة، تسهم في حل مشكلات وقضايا المجتمعات. وتمثل الجامعات والمؤسسات البحثية فضاءات لتسليح الطلاب والباحثين بالمنهجية العلمية، وبأصول البحث وأخلاقياته، والتي تكفل ركوب غمار الكتابة والبحث بقدر من الموضوعية، والكفاءة، والثقة.
وفي هذا الإطار، تستأثر أخلاقيات البحث العلمي بقدر كبير من الأهمية، وهي تقوم على مجموعة من القيم والمبادئ الإنسانية التي ينبغي على الباحث التحلي بها، بما يعزز مصداقية وموضوعية البحث العلمي ويدعم جودته.
ويُعد احترام ضوابط الأمانة العلمية من ضمن أهم المظاهر المجسّدة لأخلاقيات البحث العلمي، وتحيل إلى الإشارة إلى مصدر المفاهيم، والإحصاءات، والمعطيات المعتمدة، ثم الالتزام بطرح النتائج والخلاصات المتوصل إليها، من دون زيادة أو نقصان.
وتمثل طفرة الذكاء الاصطناعي محطة مفصلية في مسارات البحث العلمي، ففي الوقت الذي توفر فيه إمكانات وفرصاً واعدة لتطوير العلوم وتسريع عمليات البحث، فإنها تضعه أيضاً أمام محك يهدّد مقومات الأمانة العلمية.
فمن جهة أولى، يتيح الذكاء الاصطناعي الاستفادة من التطورات التقنية الكفيلة بتسهيل عمليات البحث، خصوصاً في ما يتعلق بتطوير مناهج البحث، وتسريع عمليات جمع وتصنيف المعلومات والإحصاءات، وتحويلهما إلى رسوم بيانية وخرائط وجداول، إضافة إلى المساعدة في تعزيز البحوث الاستشرافية من خلال تحليل هذه المعطيات، والتنبؤ بمآلات الأوضاع والظواهر المختلفة، علاوة على توفير محركات ذكية للترجمة تتيح وصول الباحثين من مختلف الجنسيات إلى المعلومات، بغضّ الظر عن إتقانهم للغات أخرى.
كما يتيح تدقيق المعلومات وكشف التناقضات الواردة بشأنها، كما يمكن لتوظيفه بشكل دقيق ومحسوب أن يحدّ من الهفوات المنهجية والموضوعية التي يمكن للباحث أن يسقط فيها.
وتشير الكثير من الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم من خلال عدد من التطبيقات الإلكترونية في كشف السرقات العلمية، إلا أن النتائج المحصلة في هذا الصدد تظل نسبية، إلى حد ما، ما يجعل باب لجوء البعض إلى ارتكاب هذه السرقات متاحاً.
أما من جهة أخرى، فقد فتح الذكاء الاصطناعي الباب مشرعاً أمام تهديد أخلاقيات البحث العلمي، بخاصة في ما يتعلق بالمسّ بمتطلبات الأمانة العلمية، فقد شجع البعض على اقتراف السرقات والاحتيال العلميين، عبر انتحال الأفكار التي يولدها هذا الذكاء، الاستناد إلى مراجع وهمية، كما أسهم في تسطيح البحث العلمي، وإفراغه من بُعده الإنساني والاجتماعي وما يتصل بهما من نقد وإبداع، بناء على الاعتماد المبالغ فيه على التكنولوجيا الحديثة، كما أن النتائج العلمية المبنية على الذكاء الاصطناعي ومعطياته غالباً ما تتأثر بطبيعة المحتويات الرقمية التي تجسد رؤى محددة تجاه مختلف القضايا، الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، بما يفقدها قدراً من الموضوعية التي تمثل الزاوية الأساسية للبحث العلمي.
إن الثقة العمياء بالبينات والمعطيات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي تضع الباحث أمام مسؤوليات أخلاقية وقانونية في حال ثبوت عدم صحة هذه المعطيات، كما يحول دون الاطلاع على المضامين العميقة للمراجع التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم تقارير ملخصة بشأنها، إضافة إلى قتل المهارات الفردية المرتبطة بالنقد والتحليل والتوقّع.
إن توجيه الذكاء الاصطناعي بما يخدم البحث العلمي ويدعم مصداقيته ويحدّ من سبل توظيفه بصور احتيالية، هي مسؤولية جماعية، تتوقف في جزء كبير منها على اتخاذ مجموعة من التدابير الي تتمحور حول توخي الباحث واستحضاره لشروط أخلاقيات البحث العلمي، في علاقة ذلك، باحترام الضوابط العلمية، عبر الحرص على توخي الدقة، والإشارة إلى مصادر المعلومات والمفاهيم المعتمدة، ثم الإشارة، بدقة، إلى كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في عملية البحث، واحترام الخصوصية، وتوخي الموضوعية في مقاربة مختلف الإشكالات والمواضيع، إضافة إلى الالتزام بالمسؤولية إزاء الأخطاء المحتمل ارتكابها، وعدم إلصاقها بالتكنولوجيا.
لا شك في أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً مهمة في مختلف المجالات، ومن ضمنها البحث العلمي، غير أن استعماله بلا رقيب، أو وازع أخلاقي، أو ضوابط قانونية، أو بشكل مبالغ فيه، يمكن أن يلغي عقل الإنسان، ويتحول بذلك من وسيلة إلى بديل، ويفضي إلى كوارث حقيقية.
[email protected]