الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
إدريس لكريني
​باحث أكاديمي
أحدث مقالات إدريس لكريني
19 أبريل 2026
الرياضة بين التسامح والكراهية

تقترن الرياضة عادة بالأخلاق والحوار والتواصل بين الشعوب، فقد شكلت المناسبات الرياضية فرصة لإبراvز التنوع الحضاري والثقافي العالميين، والتحسيس بقضايا إنسانية وحقوقية وبيئية عبر العالم.

كما لعبت أدوراً طلائعية على مستوى التقريب بين الأمم وتوفير المناخ الديبلوماسي السليم للحد من الأزمات والصراعات، فقد برزت خلال السنوات الأخيرة مجموعات منظمة ضمن ما يعرف «بالألتراس» تعطي لهذه التظاهرات زخماً وتأثيراً كبيرين.

وفي الوقت الذي أضحت فيه الملاعب خصوصاً تلك الخاصة بكرة القدم تحظى بمتابعات ومشاهدات واسعة عبر العالم في أوساط عدد من الفئات الاجتماعية، بفعل النقل المباشر للمقابلات الذي تقوده مجموعة من القنوات الفضائية الدولية المتخصصة، أضحت الرياضة مقوماً مهماً ضمن مقومات القوة الناعمة التي تسهم في تعزيز السلام العالمي وتذليل الخلافات السياسية، وتعزيز التقارب بين الشعوب، ودعم مشاريع التنمية.

وفي هذا السياق، أصبحت الكثير من الملاعب تعج بالشعارات واللافتات التي لا تخلو من حمولات إنسانية وسياسية وثقافية، كثيراً ما أسهمت في تحويل هذه اللحظات الرياضية إلى قنوات للترافع بشأن عدد من القضايا الإنسانية والاجتماعية والبيئية والسياسية التي لا تحظى باهتمام الإعلام التقليدي..ومع ذلك، لم تخل هذه الفعاليات في كثير من الأحيان من انحرافات ومظاهر من العنف والشغب، جعلها تتحول إلى ما يشبه منصات لتصريف سلوكات مشينة وإلى لحظات لتصريف مواقف عنصرية ومتطرفة، بفعل الشحن الإعلامي الذي تقع فيه مجموعة من وسائل الإعلام التي تتبنى مصطلحات وتعابير عسكرية كالهجوم والمعسكر التدريبي، والانتقام، والإصابة، والخطط الاستراتيجية، والمواجهة المصيرية..، ما يوحي للمتلقي وكأن الأمر يتعلق بمواجهة عسكرية.

ففي كثير من اللقاءات الرياضية، تتعالى بعض الهتافات التي تشكل إهانة للاعبين من جنسيات وأقليات معينة، وهو ما يؤثر بشكل سلبي على نفسية اللاعبين، وعلى مردودهم داخل الميادين، كما لا تخفى التأثيرات النفسية والاجتماعية التي تتمخض عن هذه السلوكات، بالنسبة للجماهير.

إن تصاعد هذه الخطابات ونسفها لملتقيات رياضية وتحويلها إلى فضاءات لتكريس العداء والأحقاد والكراهية، يجد أساسه في التجييش الإعلامي خاصة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي الذي يرافق هذه التظاهرات، وضمن عدد من البرامج الإعلامية.

كما أن انتشار هذه السلوكات في عدد من الميادين الرياضية، هو تعبير عن تصاعد العداء ضد الأجانب خاصة داخل أوروبا بفعل الخطابات التي تعتمدها الكثير من الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة إزاء الأجانب والهجرة بشكل عام، وهو ما يمثل خطراً على القيم النبيلة التي ترسخها الرياضة بشكل عام.

هناك توجهات جدّية وطنياً وإقليمياً ودولياً للحد من هذه الممارسات، التي أصبحت تواجه بعقوبات جنائية، وأحياناً بوقف المقابلات الرياضية، بعدما كان الأمر يقتصر في السابق على الغرامات المالية فقط. ونشير في هذا الصدد إلى أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، اتخذ تدابير زجرية في مواجهة هذه السلوكات داخل الملاعب، حيث فرض غرامات مالية ضد عدد من الاتحادات الوطنية بسبب ممارسات عنصرية لبعض الجماهير داخل الملاعب، إضافة إلى إيقاف بعض اللاعبين بسبب تورطهم في هذه السلوكات.

إن مواجهة هذه المظاهر المسيئة، يسائل مختلف قنوات التنشئة الاجتماعية من إعلام ومؤسسات تعليمية ومجتمع مدني وأحزاب سياسية، كما يفرض سن تشريعات صارمة لأجل مناهضة هذه الممارسات المقيتة، علاوة على تفعيل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة (الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز العنصري التي اعتمدت في عام 1965 ودخلت حيز التنفيذ عام 1969).

كما يمكن للأندية الرياضية بدورها أن تتخذ تدابير صارمة في مواجهة المتورطين في مثل هذه السلوكات، من خلال فرض غرامات على المعنيين بها من لاعبين وفرق، وتنظيم مباريات من دون جمهور، علاوة على إطلاق برامج للتوعية في هذا الشأن. وهو ما سيسمح حتماً بجعل الرياضة وسيلة أساسية لبناء شخصية متوازنة للشباب، كفيلة بمواجهة التطرف والعنف والكراهية، وترسيخ قيم الحوار والتسامح والتواصل والاحترام المتبادل بين الشعوب.

12 أبريل 2026
هل انتهى زمن القانون والمؤسسات الدوليين؟

د. إدريس لكريني

تزايدت الخطابات والمواقف التي أصبحت لا تتوانى في التقليل من أهمية القانون والمؤسسات الدوليين في ظل الخروقات التي ترتكب من قبل عدد من الدول الكبرى.
يحرّم القانون الدولي اللجوء إلى استخدام القوة أو مجرد التهديد باستعمالها في العلاقات الدولية، ويؤكد ضرورة الاستناد إلى الآليات السلمية في معالجة الأزمات وتسوية النزاعات عبر مختلف السبل الدبلوماسية والقضائية، فيما تتيح المادة ال 51 من ميثاق الأمم المتحدة للدول ممارسة حقها في الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن نفسها، في حال تعرضها لهجوم عسكري، ويسمح من جهة أخرى لمجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة باتخاذ الإجراءات الزجرية اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. فيما تسعى قواعد القانون الدولي الإنساني إلى الموازنة بين الضرورة العسكرية والحماية الإنسانية.
وارتباطاً بمختلف التهديدات العابرة للحدود من إرهاب وجريمة منظمة، هناك الكثير من الاتفاقيات الدولية التي تضع إطاراً للحد من هذه المخاطر (مكافحة الإرهاب، والجرائم المنظمة العابرة للحدود)، كما لا تخفى أهمية التعاون القضائي الدولي، وبخاصة فيما يتعلق بتسليم المجرمين وتبادل المعلومات المرتبطة بهذا الشأن، بالإضافة إلى مختلف الاتفاقيات التي تدعم الأمن الرقمي.
وقد شكل إحداث المحكمة الجنائية الدولية حدثاً عالمياً مهماً على طريق تعزيز العدالة الجنائية الدولية والحد من الإفلات من العقاب، وبخاصة فيما يتعلق بمتابعة المتورطين في ارتكاب جرائم خطِرة كجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب وجريمة العدوان.
يبدو أن القانون الدولي يمرّ بمرحلة مفصلية في ظل الواقع العالمي الراهن، بالنظر إلى توالي الخروقات التي تطول بنوده، وبخاصة على مستوى فرض منطق قانون القوة على حساب قوة القانون، وعجز هذا القانون عن مواكبة الكثير من التطورات التي أحدثها بروز مما يسمى ب«الحروب الهجينة»، وتزايد التهديدات غير الدولاتية، أي تلك المخاطر التي تسببها أطراف من غير الدول، كما هو الشأن بالنسبة للجيوش الخاصة أو الجماعات الإرهابية، أو تلك الناجمة عن تلوث البيئة والجرائم الرقمية..
ومع تصاعد حدة الانتهاكات التي أصبحت تلحق بقواعد القانون الدولي خلال العقود الأخيرة، وبخاصة بعد اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، وتوالي الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، والحرب على إيران، وقيام هذه الأخيرة باستهداف عدد من دول الجوار، مما تسبب في عدد من الخسائر البشرية، واستهداف عدد من البنى التحتية المدنية، بدأت الكثير من الأسئلة تثار بشأن مستقبل القانون الدولي، وحول مدى قدرت على كسب رهانات السلم والأمن في واقع دولي سمته الصراع والأزمات والحروب، بل هناك من الباحثين والمختصين من ذهب إلى حد اعتبار هذه المحطات هي بمثابة منعطف حقيقي يعكس بداية انهيار القانون الدولي والأمم المتحدة. خصوصاً وأن هذه الأحداث مجتمعة كشفت هوة عميقة بين مقتضيات القانون الدولي ومبادئ وأهداف وقرارات الأمم المتحدة من جهة، وتطبيقاتها الميدانية إقليمياً ودولياً من جهة أخرى.
إن استمرار الكثير من الانتهاكات دون ردّ، يعطي الانطباع وكأن هناك نوعاً من التطبيع مع استخدام القوة في العلاقات الدولية، وتهميش الآليات الدولية لتسوية النزاعات وتدبير الأزمات، ذلك أن الكثير من التدخلات العسكرية أصبحت تتم خارج نطاق تفويض مجلس الأمن بفعل استخدام حق الفيتو أو التهديد باستعماله، وبعيد عن مقتضيات قراراته ذات الصلة، أو تبرر بممارسة حق الدفاع الشرعي ضمن تفسير ضيق لا يخلو من انحرافات للمادة ال 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
تتزايد المخاوف أمام هذا الواقع الدولي المرتبك، الذي يحيل إلى شلل المؤسسات الدولية في مواجهة هذه المخاطر والتحديات، وعدم قدرة القانون الدولي على مواكبة التحولات الدولية المتسارعة بإشكالاتها العسكرية والرقمية والبيئية والإنسانية، وتنامي صور الكيل بمكيالين التي تعكس تطبيقات انتقائية للقانون الدولي، بما يكرس تخوفات جدية لدى دول الجنوب في مقابل استهتار عدد من دول الشمال بعمل المؤسسات الدولية وبمقتضيات القانون الدولي العام.
من الصعب جداً أن نحسم الجدل بالقول ببساطة: إن القانون الدولي أو المؤسسات الدولية قد انهارا أو في طور الانهيار، رغم أزمة الشرعية التي يمران بها، فلا تخفى أهمية القانون الدولي في تنظيم عدد من القطاعات والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والتجارية.. في عالم متطور سمته التشابك والاعتماد المتبادل، كما لا يمكن غضّ النظر عن الجهود التي تبذلها المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية العاملة في مجالات الأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان والتنمية في هذا الصدد، ونستحضر من جانب آخر جهود المحاكم الدولية، كما هو الشأن بالنسبة لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في مجال تطبيق القانون الدولي.
إن العجز عن تطبيق القانون الدولي الإنساني يكرس الإفلات من العقاب، بما يفرض إصلاح الأمم المتحدة و«دمقرطتها»، وكذا تطوير مقتضيات القانون الدولي.
[email protected]

27 مارس 2026
الحرب والشّرخ الاستراتيجي الأمريكي - الأوروبي

د. إدريس لكريني

أصبحت تداعيات الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على العالم، بعدما أصرت طهران على استهداف جيرانها وتهديد أمن الملاحة الدولية، كمدخل لخلط الأوراق، حيث بدأت الحرب تأخذ منحنيات أكثر خطورة.
وتأتي الدول الأوروبية على رأس قائمة الدول الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار الطاقة بفعل إغلاق مضيق هرمز، بينما الولايات المتحدة فتتوفر على احتياطات هائلة في هذا الخصوص.
وسط كل هذه التطورات المتسارعة، وأمام توجه الولايات المتحدة لإشراك عدد من حلفائها التقليديين في هذه المعركة، بدواعي الدفاع عن مصالح مشتركة، وبخاصة فيما يتعلق بتأمين الملاحة في مضيق هرمز، تباينت ردود الفعل الأوروبية إزاء هذه الدعوة، بين من عبر عن استعداده لتأمين الملاحة الدولية عبر المضيق هرمز سلمياً من دون إقحام حلف شمال الأطلسي في الموضوع، وبين من عبّر عن تحفظه في هذا الخصوص مثل إسبانيا وفرنسا وكندا باعتبار الحرب لا تمثل مصالحها، علاوة على التخوف من «الانعكاسات الخطِرة» للحرب.
وعموماً، يبدو أن بعض الدول الأوروبية استفادت بشكل كبير من تجربة الحرب الروسية في أوكرانيا، بعدما وجدت نفسها الضحية الأولى لعقوبات فرضتها على موسكو بإيعاز من واشنطن. فقد وجدت نفسها - كما هي حال عدد من دول العالم - متأثرة بشكل سلبي، وبخاصة على المستوى الاقتصادي، بسبب هذه الحرب التي تجري من دون أن يؤخذ رأيها مسبقاً حول دوافع وأهداف هذه الحرب، واعتباراً لتأثيراتها في أسعار سوق الطاقة (الغاز والنفط).
ولذلك امتنعت الدول الأوروبية عن المشاركة العسكرية المباشرة في هذه المواجهة التي اتخذت أبعاداً غير محسوبة. وهو ما اعتبره ترامب جحوداً وتنكراً لأفضال الولايات المتحدة على أوروبا بحمايتها من الفاشية والنازية خلال الحرب العالمية الثانية، ومن التمدد الشيوعي في فترة الحرب الباردة، مشيراً إلى أن موقفها الرافض ستكون له آثار كبيرة على مستقبل حلف شمال الأطلسي وعلى الأمن الأوروبي بشكل عام.
وأمام هذه التطورات وما يرافقها من تباين في المواقف، يطرح السؤال حول مستقبل العلاقات الأمريكية – الأوروبية، وما إذا كانت هذه الأخيرة ستستقل بمواقفها وتوجهاتها الاستراتيجية، وتبني علاقة شراكة متوازنة مع واشنطن، أم ستخضع مرة أخرى للتبعية الأمريكية سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
إن الهوة الاستراتيجية مرشحة لكي تزداد اتساعاً بين عدد من البلدان الأوروبية من ناحية والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى. فالحرب الراهنة ستؤثر بشكل كبير في مسار مثيلتها في أوكرانيا، وخصوصاً مع انشغال الولايات المتحدة بتبعات المواجهة مع إيران، واستفادة روسيا من نقص الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا لتعزز ضغطها على هذه الأخيرة، علاوة على استفادتها الكبيرة من ارتفاع أسعار النفط الناجم عن إغلاق مضيق هرمز. وإضافة إلى قيام الولايات المتحدة على تعليق العقوبات المفروضة على النفط الروسي لفترة تمتد لشهر كامل، كمحاولة منها لسد النقص القائم على مستوى الإمدادات النفطية تحت ضغط التطورات العسكرية الأخيرة.
ففي الوقت الذي بدأ يقتنع فيه الكثير من الدول الأوروبية الكبرى كألمانيا وفرنسا بضرورة إرساء استراتيجية أمنية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة في ظل هذه الظروف التي تعكس تقلباً في المواقف الأمريكية، بما قد يؤثر في أمنها ومصالحها بفعل التمدد الروسي، تزايدت المخاوف الأمنية في أوساط دول أوروبا الشرقية (سابقاً) بفعل الانشغال الأمريكي بهذه الحرب، ما قد يعزز الطموحات الروسية لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي.
وتحيل هذه التطورات مجتمعة إلى إمكانية تراجع أهمية حلف شمال الأطلسي لصالح بناء تحالف يعكس الدفاع عن الأمن الأوروبي خارج المظلة الأمريكية، ويدعم تعزيز الإنفاق العسكري والسباق نحو التسلح في أوروبا، كسبيل لإرساء قدر من التوازن والردع في مواجهة روسيا.
لقد شكل الكثير من الأزمات والحروب الدولية محطات لإعادة رسم الخريطة الدولية، وإعادة صياغة التحالفات، وإحداث مؤسسات دولية جديدة، كما مثلت مناسبات لإرساء نظام دولي جديد.
إن انشغال الولايات المتحدة بالحرب مع إيران بتداعياتها الإقليمية والدولية، وتصاعد أزمة الثقة بين أوروبا وأمريكا، سيفرز حتماً تحالفات وتموقعات جديدة تعمق الشرخ الاستراتيجي- الأمريكي.

[email protected]

3 مارس 2026
الإقليم العربي وتحديات الداخل والمحيط

د.إدريس لكريني

يشهد العالم تبدلات عالمية متسارعة في الوقت الراهن، تقترن بتصاعد الأزمات السياسية، والمعضلات الاقتصادية والأمنية، إضافة إلى توالي المخاطر الناشئة العابرة للحدود والمتصلة بالتكنولوجيا الحديثة وتغير المناخ وتمدد الإرهاب، زيادة على تبدلات النظام الدولي الراهن.
ويبدو أن نظريات العلاقات الدولية التقليدية والسبل الكلاسيكية لتدبير الأزمات والنزاعات (نظام الأمم المتحدة) لم تعد قادرة على مواكبة هذه المتغيرات المعقدة، التي تغير فيها مفهوما القوة والأمن.. وفي خضم هذا المناخ الدولي المعقد بتحولاته الجيوسياسية العميقة، يتجدد طرح مجموعة من الأسئلة حول طبيعة المخاطر التي تواجه المنطقة العربية، وكذا السبل الاستراتيجية الكفيلة بمواجهتها.
فأمام التحولات البنيوية التي يشهدها العالم ارتباطاً بتغير موازين القوى، في ظل الطموحات الروسية والصينية لإرساء نظام دولي تعددي، وبروز تحالفات وتموقعات دولية وإقليمية جديدة، (تنافس اقتصادي واستراتيجي واستقطاب عالمي) بعد الحرب في أوكرانيا، وتصاعد الخلافات الأوروبية – الأمريكية بصدد عدد من الملفات الإقليمية والدولية، كالحرب في أوكرانيا، وتطورات القضية الفلسطينية، والأمن الأوروبي..، علاوة على تراجع الخطابات القومية على حساب الأولويات الاقتصادية والأمنية، وتأثر الاقتصاد العالمي (أسعار الطاقة والمواد الأولية) بالنزاعات العسكرية الجارية (الحرب في أوكرانيا والنزاع في اليمن..)، بالإضافة إلى تصاعد حدّة التنافس على الممرات البحرية والثروات الباطنية.
رغم كل هذه التطورات، لم تستوعب مجمل دول المنطقة ما يجري، فما زال النظام الإقليمي العربي متردياً، رغم تغير مركز الثقل العربي من دول تقليدية تحت ضغط الأزمات السياسية والأمنية المتلاحقة، إلى دول أخرى تحظى بإمكانيات مالية واقتصادية وطاقية وباستقرار سياسي وتحرك دبلوماسية مكثف وفاعل.
وأمام تدهور أداء جامعة الدول العربية، واستثمار الوضع من قبل قوى إقليمية أخرى كتركيا وإيران وإسرائيل، أضحى الإقليم العربي من ضمن أكثر المناطق المعنية بارتفاع نسبة المخاطر بكل أصنافها.
فعلى مستوى التهديدات الأمنية والجيوسياسية، وزيادة على النزاعات الحدودية القائمة بين عدد من الدول العربية، تفاقم الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني بصورة أثّرت بشكل كبير في أمن واستقرار المنطقة، حيث طالت الحرب على غزة دولاً عربية كلبنان وسوريا واليمن والعراق، فيما يضع التوتر القائم حالياً بشأن الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران والهجمات الإيرانية على دول الخليج المنطقة أمام وضع صعب.
أما فيما يتصل بالمخاطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، فهناك تهديدات تواجه أمن الممرات البحرية ك«باب المندب» و«مضيق هرمز»، فيما تعاني دول عربية إشكالات تتهدد أمنها الغذائي والطاقي، ومن تفاقم المديونية والفقر.. وعلاقة بالكوارث والمخاطر العابرة للحدود، والتغيرات المناخية، تعتبر المنطقة معنية بتلوث البيئة وتصاعد الكوارث الطبيعية كالجفاف والفيضانات والزلازل والتصحر، كما تشهد بعض البلدان كاليمن وسوريا والسودان والصومال وليبيا انتشاراً للجماعات المسلحة، وللهجرة القسرية نتيجة لعوامل طاردة مرتبطة بالحروب الأهلية وتفشي المعضلات الاجتماعية والاقتصادية.. إن تعقد المخاطر التي تواجه المنطقة، يفرض إرساء سبل متطورة واستراتيجية، في إطار من التعاون والتنسيق، مع تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقي. فارتباطاً بتدبير الأزمات وتعزيز الأمن الإقليمي، يتوقف الأمر على الموازنة بين الأمن القومي والأمن الإقليمي، وتوظيف الآليات السلمية التقليدية والبديلة لحلّ النزاعات.
أما فيما يتعلق بالمخاطر العابرة للحدود، فالأمر يتطلب اعتماد سبل شاملة ومستدامة لمكافحة الإرهاب وحماية البيئة، وإعطاء أولوية قصوى لتدبير المخاطر عبر اعتماد خطط استراتيجية مشتركة، وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، وتوظيفهما في مجال تدبير المخاطر، واستحضار البعدين الاجتماعي والاقتصادي ضمن الاستراتيجيات الأمنية (مدخل التنمية)، واستثمار الآليات المستدامة لمواجهة المخاطر كتقوية المؤسسات وتعزيز التنمية.

[email protected]

21 فبراير 2026
أفكار على هامش المنتدى العربي للحرية

د. إدريس لكريني

في عالم سمته التحول المتسارع على المستويات الاقتصادية والجيوسياسية، وتعدّد التهديدات، ومحاولة بناء توازنات وتحالفات جديدة، تعيش المنطقة العربية على إيقاع مخاطر معقدة ومتعددة، ترتبط في مجملها بندرة المياه، بما يهدد الأمن الغذائي، إضافة إلى توالي آثار الكوارث الطبيعية كالجفاف والفيضانات الناجمة عن التغيرات المناخية في ظل ضعف الجاهزية والصمود، ناهيك عن تفشي النزاعات المسلحة، وتفاقم الصراع على السلطة، وانتشار الجماعات المتطرفة.
وتضاف هذه العوامل إلى الاختلالات الاقتصادية المقترنة بضعف البنى التحتية، وبسوء تدبير الموارد البشرية والطبيعية، وضعف الحوكمة السياسية، وتفشي المعضلات الاجتماعية من فقر وبطالة وهجرة قسرية، إلى جانب تردي منظومتي التعليم والبحث العلمي. وأمام هذه التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، تدهور النظام الإقليمي العربي بكل عناصره، وتصاعدت حدّة التدخلات الخارجية في المنطقة.
وفي سياق طرح مجموعة من الأفكار التي ترسم ملامح مستقبل المنطقة، ارتباطاً بقضاياً الديمقراطية والحكامة والابتكار والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، التأمت بمدينة مراكش، أشغال المنتدى العربي للحرية بمبادرة من المركز العربي للدراسات، وبمشاركة عدد من الخبراء والباحثين وصناع القرار من مختلف الدول.
فارتباطاً بالحالة السورية، تم التأكيد على أن إرساء مرحلة جديدة، ينبغي أن تكون مختلفة عن التجربة السابقة، حتى لا يتم الاصطدام بالوصول إلى النتائج نفسها (صراعات دامية ونزوحات..)، فالمجتمع الموحد هو الحصن المنيع ضد كل التدخلات الأجنبية، الأمر الذي يفرض بناء مزيد من المؤسسات، بتحويل كل مظاهر التوتر والصراع إلى أحزاب سياسية تتنافس سلمياً عبر برامج مختلفة، إلى جانب ترسيخ ثقافة الديمقراطية وقيم المواطنة.
وعلاقة بالتمكين السياسي للنساء، تم التطرق للتجربة الأردنية التي تطور فيها حضور المرأة إلى نسبة 17 بالمئة داخل البرلمان، وحوالي 25 بالمئة في المجالس المحلية، وتم التنويه إلى أهمية التدابير المتخذة، مع الإشارة إلى أن تعزيز هذه الجهود يمر أيضاً عبر ترسيخ ثقافة تؤمن بمكانة المرأة وبدورها داخل المجتمع، بما يعزز مكانتها في صناعة القرار.
وفي الحالة المصرية، تم التوقّف عند الإصلاحات الاقتصادية التي تمت مباشرتها في سياق التغلب على التحديات المتصلة بالاندماج في الاقتصاد العالمي، وفتح آفاق النمو، مع الإشارة إلى أن الطريق يظل طويلاً ويتطلب سياسات مبنية على خطوات استراتيجية، مع الاستفادة من التجارب الدولية الفضلى.
وارتباطاً بفرص وتحديات الذكاء الاصطناعي في المنطقة، تم التأكيد على أن هذا الأخير ليس مسألة تقنية بل مسألة حكامة، ومع وجود اقتصادات دولية منافسة، يظل الاهتمام بالذكاء الاصطناعي وتطويره أمراً ضرورياً، وإلا فستكون البلدان العربية ضحية له.
تم الوقف أيضاً على العلاقة القائمة بين الحرية والاقتصاد، وإبراز أهمية الابتكار في خلق الثروة والحد من الفقر، وكذا إرساء إصلاحات اقتصادية وسياسية متدرجة بدل المراهنة على مجرد ردود أفعال في هذا الصدد.
وارتباطاً بأهمية المجتمع المدني كإطار يعكس التحضر والممارسات الديمقراطية في إطار من التنوع والاختلاف والحرية وترسيخ الوعي، تم التأكيد على أدواره المهمة في سياق دعم الانتقالات السياسية والاقتصادية، وهو ما تبرزه التجربة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية.
وأبرزت عدد من الأوراق، الصعوبات التي تكتنف أداء المجتمع المدني في المنطقة العربية، ففي الحالة التونسية، التي ظل فيها هذا الأخير شكلياً لسنوات، شهد قدراً مهماً من التطور بعد الثورة، ووعياً بأن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق دون تفعيل أدوارها أفقياً وعمودياً.
أما في ما يتعلق بالحالة المغربية، فقد شهد مهام وحضور المجتمع المدني تطوراً مهماً عكسته مقتضيات دستور 2011 وإقبال عدد من الأفراد عليه في مقابل العزوف عن الانضمام للأحزاب السياسية، غير أن فاعليته ما زالت بحاجة إلى توخي الاحترافية في الأداء وتعزيز إطاره القانوني.
وعلاقة بالحالة اللبنانية، تم طرح سؤال حول مدى قدرة المجتمع المدني على الاستئثار بأدواره البنّاءة في ظل واقع سمته النزاعات والحروب، وهو ما ينطبق على مجموعة من دول المنطقة حيث يصبح من اللازم على المجتمع المدني أن يندمج بشكل أو بآخر في إطار موازين قوة يفرضها فاعلون ميدانياً، ممّا يحوّل رهاناته إلى العمل على الحد من العنف داخل المجتمع.

[email protected]

30 يناير 2026
«مجلس السلام» في عالم مرتبك

د.إدريس لكريني

ضمن مبادرة لا تخلو من إثارة للجدل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته في إحداث «مجلس السلام» كإطار دولي يعمل على حلّ الأزمات والنزاعات، انطلاقاً من قطاع غزة.
وقد تم التوقيع على الميثاق التأسيسي للمجلس ضمن منتدى «دافوس» الاقتصادي العالمي في سويسرا، بحضور ممثلين عن 21 دولة من أصل 35 وافقت على الانضمام إلى هذا الإطار الذي يترأسه ترامب.
وتتركز أهداف هذا المجلس في العمل على إرساء «إدارة انتقالية» لقطاع غزة، وإطلاق مبادرات لإعادة إعمارها تبعاً لخطة ترامب المتضمنة عشرين نقطة. إضافة إلى تعزيز الاستقرار العالمي وفق مقاربة شمولية، ونزع السلاح من مناطق التوتر، ودعم الحكم الرشيد، وترسيخ السلام انسجاماً مع مقتضيات القانون الدولي.
ويمنح الميثاق صلاحيات وازنة لرئيس المجلس على مستوى إحداث أو حل أو تعديل الأجهزة التابعة للمجلس، وكذا اختيار أعضاء هيئته التنفيذية، والاستمرارية في ترؤس المجلس إلا في حال العجز أو الاستقالة، بينما تمتد عضوية المجلس لثلاث سنوات للدول التي تؤدي أقساطها المالية المحددة بمليار دولار أمريكي.
أثارت المبادرة نقاشات سياسية وأكاديمية دولية مكثفة بين من اعتبرها إضافة وإغناء للمنظومة الدولية لتدبير الأزمات التي تعاني أصلاً مجموعة من الاختلالات، وبين من رأى فيها إجراء يعكس إصرار الولايات المتحدة على تكريس منطقها ورؤيتها في التعامل مع النزاعات والأزمات الدولية بما يضمن ريادتها ومصالحها المختلفة.
وفي الوقت الذي رحبت فيه بعض الدول بهذه المبادرة كإطار لإنهاء الحرب في غزة، ورغبة في تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة، أبدت دول أخرى، مثل فرنسا والنرويج والسويد وبريطانيا وسلوفينيا اعتراضها على هذه الخطوة لانعكاساتها السلبية المحتملة على مستقبل الأمم المتحدة، ومخاوفها من تهميش القانون الدولي وتكريس الهيمنة الأمريكية.
إن المواقف المتضاربة حول مبادرة ترامب تجد أساسها في الظرفية الدولية التي طرحت خلالها هذه الأخيرة، والتي يشهد فيها العالم تبدلات وتحالفات جديدة تحيل إلى رغبة عدد من القوى الدولية الكبرى كالصين وروسيا في بناء نظام دولي تعددي. إضافة إلى عودة القوة الخشنة بشكل مثير إلى الواجهة الدولية مع تصاعد حدة النزاعات العسكرية، وتنامي مخاطر الأزمات العابرة للحدود، في مقابل عجز الأمم المتحدة وعدد من الهيئات الدولية عن كسب رهانات السلام العالمي.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، هناك من يرى في المجلس مجرد أداة لتكريس رؤية ترامب في التعامل مع الأزمات وبؤر التوتر، بما يدعم المكانة الدولية للولايات المتحدة في عالم متغير بالنظر إلى السلطات التقديرية التي يحظى بها رئيسه والتي تجسد الانفرادية في اتخاذ القرار، وهيئة ستعمق أزمة الأمم المتحدة التي لم تستطع مواكبة التحولات الدولية المتسارعة بمخاطرها ونزاعاتها المعقدة وتزيد من عزلتها. كما أن اشتراط دفع «مليار دولار» للدول المنضمة هو عامل مجحف في حق بعض الدول النامية.
أما المؤيدون للمبادرة، فيعتقدون أنها ستشكل إضافة نوعية لأساليب تدبير الأزمات بشكل أكثر مرونة وسرعة ونجاعة وواقعية، مقارنة مع هيئة الأمم المتحدة وعدد من المؤسسات الدولية ذات الصلة، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية. وبغض النظر عن هذه المواقف المتضاربة، يمكن القول: إن المبادرة تنسجم إلى حد كبير مع مضامين المادة الثالثة والثلاثين من ميثاق الأمم المتحدة التي تفتح المجال أمام الدول لاعتماد آليات سلمية مختلفة لتسوية المنازعات والأزمات.
كما أنه وفي الوقت الذي حدث فيه تحول كبير حول مفهوم القوة، وتعقّدت معه المخاطر الدولية بشكل ملحوظ، من حيث أسبابها وحدودها والعوامل التي تغذيها، بدت الأمم المتحدة باعتبارها المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين عاجزة عن مواكبة هذه التغيرات، وعن إدارة مختلف الأزمات بشكل فعال.
وفي هذا السياق، يمكن لهذه المبادرة أن تشكل عاملاً محفزاً لإعمال إصلاحات جذرية لهيكل الأمم المتحدة التي مر على تأسيسها أكثر من ثمانين عاماً، بما يدعم دمقرطتها ويعزز كفاءتها في كسب رهانات السلم والأمن في عالم يرزح تحت وطأة التحديات والمخاطر.

[email protected]