عبدالحميد التندي *

كشف حكم قضائي من أحد محاكم الدولة استخدام إحدى الوزارات مادة قانونية في غير موضعها، الأمر الذي يؤدي إلى تغيير النظام الاقتصادي للدولة.
والمادة 60 من أول قانون خدمة مدنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، تحظر على المواطنين موظفي الحكومة الأعمال ذات الطابع الوظيفي إلا بإذن الوزير. وتم تطبيق المادة المذكورة على الأعمال الاقتصادية (التجارية /الصناعية /المهنية) التي يمتلكها المواطنون موظفو الحكومة، الأمر الذي يؤدي إلى وضع اقتصاد الدولة تحت سلطة الجهات التنفيذية المتمثلة في الوزير في وزارته، أو رئيس الدائرة في دائرته، ما يشكل تعدياً على سلطة الجهات السيادية (مجلس الوزراء) ومخالفة للنظام العام للدولة.
وقد اطلعت المحكمة على مذكرة مرفوعة بالوزارة تشرح المادة 60 بأنها تعطي للوزير السلطة على الأعمال الاقتصادية المملوكة لموظفي الوزارة، واتضح أن المذكرة معدة من قبل إداريين حديثي التخرج والتعيين، وبعضهم لم يمض على تخرجه وتعيينه سوى 3 سنوات. ونالت موافقة ثلاثة مستويات من المسؤولين (مدير الموارد البشرية - المدير التنفيذي - المدير العام)، ومن ثم نالت موافقة الوزير، وتوقيعه، رغم اعتراض بعض الجهات. وعليه، أصدرت المحكمة حكمها بأن سلطة الوزير المنصوص عليها في المادة 60 تتعلق بالأعمال ذات الطابع الوظيفي فقط، من دون أية سلطة على الأعمال الاقتصادية.
وأكد الحكم عدم وجود نص قانوني يمنع المواطنين موظفي الحكومة من ملكية أي عمل اقتصادي، أو يلزمهم بموافقة الوزير، وأن المنع يكون بموجب قانون أسوة بالقضاة والمحامين، وأشارت المحكمة إلى أن نص المادة 60 وهو («تأدية أعمال لدى الغير») إلا بإذن الوزير يقصد به الأعمال ذات الطابع الوظيفي لدى الغير، أما الأعمال الاقتصادية المرخصة من دوائر التنمية الاقتصادية فلا تندرج تحت «تأدية أعمال لدى الغير»، لأنها ليست أعمالاً وظيفية، وإنما أعمال مملوكة للموظف، وهناك فارق أن تكون مالكاً لعمل، أو موظفاً فيه.
وفي إمارة أبوظبي، أثار رئيس إحدى الجهات الحكومية موضوع ملكية بعض المواطنين موظفي دائرته أعداداً كبيرة من التراخيص الاقتصادية، فهناك موظف يمتلك 30 ترخيصاً تجارياً، وآخر 25 ترخيصاً، وثالث 20 ترخيصاً، وهكذا.
ويعلم رئيس الجهة الحكومية أن القانون لا يعطيه الحق كسلطة مباشرة في منع المواطنين موظفي دائرته من ملكية أي نشاط اقتصادي، أو إلزامهم بالاختيار بين الوظيفة الحكومية والأعمال الاقتصادية، إلا بإذن من الجهات السيادية (المجلس التنفيذي).
ومن أهم الدروس المستفادة أن دولة الإمارات ذات كثافة سكانية محدودة، والأغلبية العظمى من هذه الكثافة تعمل في الوظيفة الحكومية، فإذا منع المواطنون من ملكية الأعمال الاقتصادية بسبب الوظيفة الحكومية، فإن هذا يؤدي إلى تسليم اقتصاد الدولة إلى العنصر غير المواطن. كذلك لو وضعت الأعمال الاقتصادية تحت سلطة الوزير فقد يمتنع الوزير عن منح موافقته، أو يتأخر، بل قد نجد وزيراً يمنح الموافقة لموظفيه، وآخر يمتنع، وهنا تفقد القوانين هيبتها.

* خبير ومحكّم إماراتي