تؤمن دولة الإمارات العربية المتحدة بضرورة مواكبتها لعصر التكنولوجيا الحديثة، بعد أن أصبحت تتغلغل بصورة متزايدة في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والأمنية، والعسكرية، وباتت تؤثر، بصورة أو بأخرى، في حياة البشر، بل إن امتلاك أدوات التكنولوجيا والقدرة على توطينها أصبحا من المعايير المهمة في قياس مستوى تطور الدول، فالدول التي تكتفي بشراء الآلات والمعدات الحديثة لا تمتلك القدرة على تطوير ما تستورده من تكنولوجيا، أو حتى معرفة أسرارها، لأن السيطرة على التكنولوجيا تتم من خلال المعرفة، ومن خلال نظم البحث والتطوير، وليس بالامتلاك الشكلي للتكنولوجيا، ولهذا، تحركت الإمارات بثبات، وعزم، وتصميم لا يلين، على مواكبة عصر التكنولوجيا الحديثة، وامتلاك أدواتها، والاستثمار في المعارف والعلوم التي تعزز من مواكبة الدولة لتكنولوجيا العصر. ولذا، تحضر الريادة الإماراتية في مواكبة تكنولوجيا العصر، واستيعاب أدواتها وعلومها، كنموذج من نماذج التجارب الرائدة عالمياً، لأن نجاح ذلك النموذج في التعامل مع التقنيات الحديثة، في الحاضر والمستقبل، يستند إلى مقومات عدّة، سواء في ما يتعلق بالاهتمام بالابتكار والإبداع، أو الاستثمار في التعليم، وجعله يواكب عصر العلوم والتكنولوجيا الحديثة، أو في إعداد أبناء الوطن للتعامل مع متطلبات تكنولوجيا المستقبل، فضلاً عن امتلاك الإمارات بنية أساسية ومعرفية تعزز من مساهمتها في مسيرة التقدم الحضاري العالمي، خاصة في مجال التكنولوجيا، إذ إنها وضعت سياسة عليا في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، واستحدثت مجموعة من الوزارات التي تعزز من دورها في هذا المجال، كما تمتلك استراتيجية واضحة تستهدف إدماج التقنيات الحديثة في كل مجالات الحياة، ولهذا، فإن هذه التجربة تمثل مصدر إلهام للدول العربية جميعاً في اللحاق بعصر التكنولوجيا.
وقطعت الإمارات مرحلة متقدمة على طريق توطين التكنولوجيا المتقدمة، فاستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي، التي أطلقتها الحكومة الإماراتية، في أكتوبر عام 2017 تعتبر الأولى من نوعها، في المنطقة والعالم، للارتقاء بالأداء الحكومي، وتسريع الإنجاز، وخلق بيئات عمل مبدعة ومبتكرة، ذات إنتاجية عالية، من خلال استثمار أحدث تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي، وتطبيقها فــي شتى ميادين العمل بكفاءة رفيعة المستوى، واستثمار كل الطاقات على النحو الأمثل، واستغــلال الموارد، والإمكانات، البشرية والمادية المتوافرة، بطريقة خلاقــة تعجّــِل تنفيـــذ البرامج والمشاريع التنموية لبلوغ المستقبل. وحتى تتمكن الإمارات العربية المتحدة من تعزيز دورها كعنصر مؤثر في مجال الذكاء الصناعي، قامت بالمشاركة النشطة والاستثمارات السخية، مع تسريع وتيرة حركة البحث العلمي والتعاون بين القطاعين، العام والخاص، والتشجيع والتحفيز الحكومي، إضافة إلى وضع اللوائح والقوانين والنّظم الضرورية.
كما أنجزت الدولة عدة شراكات في هذا المجال؛ فعند زيارة الرئيس الكوري الجنوبي للدولة، في شهر نوفمبر 2025، دخلت العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وكوريا الجنوبية مرحلة جديدة بعد قمة أبوظبي التي عقدها الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، التي أسفرت عن توقيع سبع مذكرات تفاهم عبّرت عن شراكة جديدة بين البلدين، وتصدّر الذكاء الاصطناعي أجندة تلك الشراكة الجديدة؛ إذ اتفق الجانبان على إطار عمل استراتيجي للتعاون في الذكاء الاصطناعي، يتضمن الاستثمار في البنية التحتية، وسلاسل الإمداد، والبحث والتطوير، مع تمكين الشركات الكورية من دخول مرحلة مبكّرة في مشروع ستارغيت للذكاء الاصطناعي في الإمارات. ويهدف مشروع «ستارغيت» إلى بناء حرم ضخم لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، يُعد الأكبر خارج الولايات المتحدة، وتقدر المرحلة الأولى منه في الإمارات بطاقة واحد غيغاواط، تقودها شركة «جي42» الإماراتية، بالشراكة مع شركات، مثل أوبن إيه آي، وأوراكل، وإنفيديا، وسيسكو سيستمز، وسوفت بنك غروب. ولا يقتصر هذا التعاون على مراكز البيانات؛ فالتفاهمات تشمل إدخال تقنيات «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي» في موانئ البلدين، ما يعني أتمتة العمليات اللوجستية والرقابة التشغيلية، وخلق نموذج مشترك للموانئ الذكية يمكن تصديره لاحقاً إلى أسواق أخرى. ومن ثم أعادت تلك الشراكة رسم تكنولوجيا المنطقة. حيث قدرت الرئاسة الكورية أن مخرجات التعاون في الذكاء الاصطناعي وحده قد تصل إلى 20 مليار دولار.
ومن أحد اهم مخرجات زيارة دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، لدولة الإمارات العربية المتحدة، كانت اتفاقية تاريخية تقضي باختيار أبوظبي مقراً لأكبر مجمّع للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة الأمريكية، يُزوَّد بأحدث التكنولوجيا الأمريكية، ومنها الرقائق المتقدمة التي يُحظر تصديرها عادة خارج الولايات المتحدة. ويُعدّ تدشين هذا المجمّع، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بالشراكة مع الرئيس الأمريكي، إيذاناً ببدء عصر جديد لدولة الإمارات، ولدول العالم النامي في إفريقيا وآسيا، فهذا *المجمّع، الذي يعمل بطاقة 5 جيجاوات، يُتوقع أن يمثّل بوابة تقنية تخدم نحو ثلث سكان العالم خارج الدول الرائدة، ويُسهم في تسريع وتحفيز نمو 10 في المئة من اقتصادات العالم. ويُقدّم هذا المجمّع نموذجاً فريداً في آسيا وإفريقيا، فهو لا يفتح الآفاق للطاقات الفكرية والإبداعية فقط، بل ويمثّل أيضاً وجهة رئيسية للراغبين في الوصول إلى أحدث الابتكارات في مجال الذكاء الاصطناعي، والاطّلاع على مستجداته، ونقلها إلى مجتمعاتهم للاستفادة منها في تطوير اقتصاداتهم وتحفيزها، والارتقاء بمستوى مجتمعاتهم. ويطرح هذا المجمّع نموذجاً جديداً في إدارة الذكاء الاصطناعي يقوم على منظومة طاقة متقدمة، تعتمد مزيجاً من الطاقة النووية، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، ما يُسهم في تقليل الانبعاثات الحرارية، والحفاظ على البيئة، وحماية كوكب الأرض. وسوف تُسهم هذه المبادرة غير المسبوقة في ترسيخ مكانة دولة الإمارات واحدة من أبرز الدول المنتجة للذكاء الاصطناعي.
*أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية
