حتى لو انطفأت المصابيح،
حتى لو قيل لي: إنها النهاية،
حتى اذا أحد من أسلافي الصامتين
لم يعد جالساً بقربي،
سأبقى، هناك دوماً شيء يستحق الرؤية
(ريلكه)
كان بدر شاكر السياب - يعرف ذلك الوحش، ويعرف اين يسكن، ويعرف باب النجاة أيضاً، مثلما كان يعرف أنه صائر الى دخان، يسري فوق شجيرة تفاح في غابة، كما قال يسينين ذات يوم.
الوحش النائم، اليقظ، يساكننا.
وكان سعدالله ونوس بين دورة وأخرى من العلاج الكيماوي، هي مسافة أيام ثلاثة، يعرف أن منازلة الوحش، تقتضي العزلة والانغمار في الكتابة.
الوحش المتوثب، فكه الأعلى في السماء الأولى، والثاني على الأرض، لا يزال يصرخ في برية أرواحنا: أنا قادم إليك، أيها القلم.
كان سعدالله ونوس، يجالس ذلك الوحش، بعد دورة العلاج، ليخاطب البياض، كما لو أنه صفحة العماء وعمقه، ثم يكتب على أديمه وحافاته حكاية مخلوقاته المسرحية.
أحدهما يطل على الآخر: ونوس والوحش.
وكان السياب قد وجد خشبة الخلاص: التسليم بقدر الله وقضائه، ونبذ ماضيه اللا إلهي تماماً. بل حتى العداء المطلق معه. لقد هتف: تسقط الشيوعية.
كان الوحش يتسلى في تناول عظام السياب، ذرة بعد ذرة. وكان السياب هلوعاً.
أما فردريك نيتشه، فإن الوحش قد اختار دماغه مسكناً. أما سكوت فيتزجيرالد فإن الوحش انتخب صدره مغارة. وأما نجنسكي، فقد كان جسده هو الوحش، وهو المروّض أيضاً.
وحول قوس دائرة الاحتمالات، كل الاحتمالات، يدور الوحش، ويستدير، مرتقباً غفلة الكاتب والفنان، ليرسل مخالبه الى صدره، ويستخرج قلبه، ويبدأ في التهامه.. على مهل.
تلك هي النهاية، بعد رحلة عمر، تبدو سعيدة لدى بعضنا، وغيرها لدى أبي العلاء، بينما هي تستحق التجربة والبقاء لدى رونيه ماريا سيزار ريلكه.
وحدهما، همنجواي وتويستلر عبرا الى ابديتهما الخاصة، بعدما لاعبا الوحش طويلاً، في البحر، وعلى اليابسة، وفي السياسة أيضاً.
لا يزال القلم شاهداً على ذلك اللعب مع الوحش، والرقص معه، في العجوز والبحر، كما لم توصف تجربة الحياة والموت أبداً. فقد عاد سانتياغو الى اليابسة، ومعه سنسول السمكة، الحياة، وذلك القلم الذي استطاع ان يتفوق على غير القابل للوصف: الطبيعة.
هتف أحد أخيار العرب، وهو يحتضر، بينما الوحش يراقبه: يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت قشة، يا ليتني كنت نسياً منسياً.
الوحش يسكن العين بينما القلم يلاعبه.
www.juma-allami.com