نحن الآن نقترب من نهاية الأسبوع الثالث للعدوان الصهيوني على أهلنا في غزة الصمود والمقاومة، والفلسطينيون يتشبثون بكل شبر من أرضهم بصدورهم العارية، وبأسلحة بدائية، أصبحت عنواناً للشموخ والعنفوان. والخسائر تجاوزت الخمسة آلاف بين شهيد وجريح. ومرة أخرى، نضح الإناء بما فيه، وبرزت الصهيونية، في وحشيتها وهمجيتها وتنكرها للحق في الحياة، عارية وقحة من خلال الأشلاء المتناثرة، وصورة طفلين مكثا لعدة أيام فوق أجساد طاهرة غيبها الموت بفعل قدائف العدوان، وسيقان جميلة الصغيرة التي قطعت بمنشار النيران الإسرائيلية، وعيون طفل فقئت، ليقتل معها الضياء والنور، ولكي لا تتمكن عدستها، من رواية القصة كاملة للتاريخ وللأجيال القادمة. وغزة لما تزل عصية على الاستسلام ورفع الرايات البيضاء.
ومع تصاعد ألسنة النار، واحتراق بلدات غزة وأحيائها، تتغير الحقائق على الأرض. فحلم التحرير والاستقلال الذي أريد له، من قبل الصهاينة وأعداء الأمة، أن يخبو، لم يعد بوحاً أو همساً، بل أصبح مطلباً تعلو به الحناجر، في كل زوايا الوطن العربي المقهور. والمعتدون الذي اعتادوا أن يغلفوا حروبهم العدوانية، فيما سبق، بشعارات السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، والفوضى الخلاقة ومخاض الولادة الجديدة، أفصحوا دون لبس، وفي الظهيرة، وفي رابعة النهار عن أهدافهم الحقيقية من العدوان.
كانت خلاصة ما تم الإفصاح عنه، هي ما أكدنا عليه في الحديث السابق، بأن الهدف من العدوان هو إيجاد مناخ ملائم للعودة لمشروع رئيس الوزراء الصهيوني في أوائل السبعينات من القرن المنصرم، والذي أعاد تأكيده رئيس الوزراء الصهيوني السابق، إسحق رابين بالتخلص من كابوس قطاع غزة، الذي تمنى أن يبتلعه البحر، والتركيز على الضفة الغربية، وربطها بكنفدرالية أردنية إسرائيلية تكون منطلقاً للتسلل الاقتصادي لعموم البلدان العربية، واستخدامها ممراً برياً للعبور للقارات الثلاث: آسيا وإفريقيا وأوروبا.
حمل هذا الأسبوع ثلاثة تصريحات، حول الاستراتيجية الصهيونية للمرحلة القادمة، تأكد ما توصلنا له خلال الحديث السابق، تحت عنوان الأهداف الحقيقية لحرب الإبادة. التصريح الأول جاء في مقالة نشرها السفير السابق للولايات المتحدة في مجلس الأمن، والباحث حالياً في مركز الدراسات أمريكان انتربرايز انستتيوت في واشنطن جون بولتون في صحيفة الواشنطن بوست، ذكر فيها أن محاولة إقامة سلطة فلسطينية تقودها منظمة التحرير الفلسطينية القديمة فشلت، وان أي حل قائم على دولتين على أساس السلطة ولد ميتاً.
وفي المقالة ذاتها، اتهم بولتون حركة حماس بالقضاء على فكرة وجود دولتين: فلسطينية وإسرائيلية على أرض فلسطين التاريخية، وأن فكرة الدولة الفلسطينية قد فشلت بشكل لا رجوع عنه لأن الإرهابيين نجحوا في السيطرة على غزة. ورأى أن خارطة الطريق التي طرحتها الإدارة الأمريكية، لإحلال السلام بين الفلسطينيين والصهاينة لم تؤد إلى نتائج إيجابية، وأن الحل، عوضاً عن ذلك يقتضي التفكير في مقاربة جديدة تقوم على أساس وجود ثلاث دول توضع بموجبها غزة مجدداً تحت سيطرة مصر فيما تعود الضفة الغربية وفق صيغة معينة تحت السيادة الأردنية. إن ذلك من وجهة نظر بولتون سيكون كفيلاً بتحقيق السلام بالشرق الأوسط. وقد أعيد نشر المقالة هذه يوم الثلاثاء الموافق 5 يناير/كانون الثاني ،2009 باللغة العربية في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية تحت عنوان: خيار الدول الثلاث.
التصريح الثاني، جاء من الملك الأردني عبدالله الثاني، أثناء لقاء صحافي له مع مدير مكتب فضائية الجزيرة القطرية بعمان ياسر أبو هلالة. فقد عبر الملك عن قلقه من وجود مؤامرة على الشعب الفلسطيني، يجري التخطيط لها، ويتم تنفيذها بعد الانتهاء من حوادث غزة، وتهدف للقضاء ليس فقط على آمال الشعب الفلسطيني بقيام دولة مستقلة على أرضه، ولكن إلى صياغة خارطة جديدة لدول عدة بالمنطقة.
أما التصريح الثالث، فقد أورده الأستاذ محمد حسنين هيكل، في حوار له على فضائية الجزيرة أيضاً، وأجراه معه الصحافي، حسين عبدالغني، مدير مكتب الجزيرة بالقاهرة. وفي هذا الحديث أعاد هيكل تأكيد ما ورد في مقالة جون بولتون، وأشار إلى مخاوف الملك الأردني، عبدالله الثاني. وأشار إلى أن هدف الحرب ليس فقط، إبعاد صواريخ حماس عن المستوطنات الصهيونية، ولكن إعادة ترتيب جملة الأوراق المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني.
هكذا، مع استمرار العدوان الهمجي الإسرائيلي على غزة، تتداعى صور السيناريو المستقبلي لخارطة الشرق الأوسط، وهذه الصور تستحضر المشاريع الأمريكية والصهيونية، التي بدأ التبشير بها منذ بداية السبعينات، والتي جاءت المبادرات السياسية ومشاريع التسوية بمختلف مسمياتها، والمواجهات والحروب في المنطقة بأسرها، منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، تمهيداً لها. وقد اختزلت لاحقاً بمشروع الشرق الأوسط الجديد.
ستستمر المحاولات، لفصل قطاع غزة للأبد عن الضفة الغربية، وسيجري العمل على إلحاقه بمصر، أو على الأقل وضعه تحت إدارتها. كما كان الوضع عليه قبل حرب يونيو/حزيران 1967. أما الضفة الغربية فليس من المستبعد إغراقها مجدداً بأتون حرب أهلية، والزج بعشرات الألوف من فلسطينيي أراضي عام ،1948 إلى الضفة، وفقاً لإيماءات تسيبي ليفني الأخيرة. وسيتزامن ذلك مع تبني الإدارة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي للأردن كوطن بديل للفائض من اللاجئين الفلسطينيين. وليس من المستبعد أن يتزامن ذلك بفوضى خلاقة، داخل المملكة الأردنية ذاتها. وفي أحسن الحالات، ستجري مواجهة القيادة الأردنية بسياسة الجزرة والعصا، من قبل الأمريكيين والصهاينة، لدفعهم للقبول بالواقع الجديد ودفعهم لخيارين، أحلاهما كارثي ومفجع: إما القبول بفكرة الوطن البديل، وتحقيق اتحاد كونفدرالي مع الضفة الغربية، والارتباط اقتصاديا بالكيان الصهيوني، واعتبار الضفة الغربية حجر الركن في التسلل الاقتصادي والسياسي للوطن العربي، أو الدخول في أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.
نعم نقف إلى جانب دعم أهلنا في غزة، وتضميد جراحاتهم، وتقديم الغذاء والدواء والكساء لهم. لكن ذلك على أهميته هو أقل بكثير من أضعف الإيمان. فليس أمام العرب جميعاً سوى الانتخاء لكرامتهم وشرفهم والدفاع عن أنفسهم. والمبادرات العربية ينبغي في الوقت الذي تتجه فيه لوقف نزيف الدم وحماية أهلنا في غزة، فإن عليها أن تنظر إلى المستقبل بعمق وروية، وأن تستوعب المخاطر الحقيقية التي تحيق بالأمن القومي العربي، وبمستقبل الأمة. وأن ندرك أن الذي يراد بنا، في ظل الشرق الأوسط الجديد هو أن نكون خارج التاريخ، ومن شذاذه ومنافيه.
لا مناص من عودة الوعي، لفكرة التضامن العربي، والتمسك بالمعاهدات والمواثيق العربية، وتغليب المصالح القومية العليا على المصالح الفئوية والفردية، والانتصار لشعبنا الفلسطيني المظلوم، وإيقاف حملة الإبادة التي يتعرض لها أهل غزة، ورفع راية الكفاح عالياً في وجه الغطرسة والعربدة الصهيونية. فذلك هو السبيل الوحيد لاستحقاق الحياة، ولنأخذ مكاننا بجدارة في مسيرة التاريخ الصاعدة إلى أمام.