الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
يوسف مكي
إعلامي
أحدث مقالات يوسف مكي
7 أكتوبر 2025
موقف تضامني عالمي مع فلسطين

لم تكتسب قضية فلسطين، منذ النكبة عام 1948، حضوراً عالمياً كالذي نشهده الآن في بقاع كثيرة من الكرة الأرضية. وكانت نتيجة ذلك، أن إسرائيل التي ظلت باستمرار ترفع عقيرتها بحق كل من يعارض سياساتها، موجهة تهمة العداء للسامية. إلا أن حرب الإبادة والقتل والتجويع والتعطيش التي مارستها الإدارة اليمينية الإسرائيلية، إلى مستوى مختلف، كشفت زيف دعاوى الاحتلال، وخطل مقولاته.
وحتى يوم الجمعة المنصرم، كان العالم كله يصطف في جانب واحد، والولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب، وحكومة نتنياهو في جانب آخر، يؤكد ذلك التظاهرات والاحتجاجات التي عمت الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، والقارة الأوروبية. وكان الأبرز في حركة التضامن هي أساطيل الصمود التي شملت أكثر من أربعين سفينة، والمواقف الشجاعة للشعبين الإسباني والإيطالي. لقد مارس الشعبان في البلدين، ضغوطاً هائلة على حكومتيهما لتغيير سياستهما تجاه الممارسات العنصرية وحرب الإبادة التي مارستها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.
اكتشف الرئيس الأمريكي، ترامب حجم الخسائر التي لحقت بسمعة بلاده، جراء الانحياز الأعمى لسياسة رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو، وقرر قلب الطاولة رأساً على عقب. طالب بوقف قصف قطاع غزة فوراً، من أجل السماح بالإفراج عن المحتجزين، واعتبر أن بيان حركة حماس مؤشراً على أنهم مستعدون لسلام دائم.
جاء حديث ترامب، عقب إصدار حماس، بياناً أكدت فيه موافقتها على الإفراج عن كل الأسرى، أحياء وجثامين، وفقاً لخطة الرئيس الأمريكي التي أعلن عنها في وقت سابق. من جانبه، أوضح ترامب أن النقاش جار بشأن التفاصيل التي تتطلب العمل عليها لتنفيذ خطة إنهاء الحرب في غزة. وأكد أن الأمر لا يتعلق بغزة فحسب، بل بالسلام الذي طال انتظاره في الشرق الأوسط.
في كلمة ألقاها، من المكتب البيضاوي أشاد ترامب بالحلفاء الذين ساهموا بالعمل على التوصل إلى اتفاق بين حماس وإسرائيل، وقال هذا يوم مميز وغير مسبوق. وأعاد قوله إن يوم الجمعة مميز للغاية. وتعهد الرئيس ترامب، بأن يجري التعامل مع جميع الأطراف بإنصاف، بموجب خطته للسلام وجدد القول إنه يتطلع إلى إعادة المحتجزين إلى عائلاتهم. ووجه الشكر إلى قطر وتركيا والسعودية ومصر والأردن وعدد من الدول الأخرى، لم يسمها. قائلاً: أشكر الدول العظيمة التي ساعدت بشأن غزة، وتلقيت قدراً هائلاً من الدعم. الجميع كان موحداً في الرغبة، في إنهاء الحرب، ورؤية السلام في الشرق الأوسط.
وعقب إعلان مبادرة الرئيس ترامب، أصدرت حماس، بياناً مهماً أوضحت فيه، أنه حرصاً منها على وقف العدوان وحرب الإبادة التي يتعرض لها أهلنا الصامدون، في قطاع غزة، وانطلاقاً من المسؤولية الوطنية، وحرصاً على ثوابت شعبنا وحقوقه ومصالحه العليا، فقد أجرت حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، مشاورات معمقة في مؤسساتها القيادية، ومشاورات واسعة مع القوى والفصائل الفلسطينية الأخرى، ومشاورات مع الإخوة الوسطاء والأصدقاء، للتوصل لموقف مسؤول في التعامل مع خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وبعد دراسة مستفيضة، اتخذت الحركة قرارها، وسلمت للإخوة الوسطاء ردها التالي:
(تقدر حركة المقاومة الإسلامية حماس الجهود العربية والإسلامية والدولية وجهود الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الداعية إلى وقف الحرب على قطاع غزة وتبادل الأسرى ودخول المساعدات فوراً ورفض احتلال القطاع ورفض تهجير شعبنا الفلسطيني منه).
وفي إطار ذلك، وبما يحقق وقف الحرب والانسحاب الكامل من القطاع، تعلن الحركة عن موافقتها على الإفراج عن جميع أسرى الاحتلال أحياء وجثامين وفق صيغة التبادل الواردة في مقترح الرئيس ترامب مع توفير الظروف الميدانية لعملية التبادل، وفي هذا السياق تؤكد الحركة استعدادها للدخول فوراً من خلال الوسطاء في مفاوضات لمناقشة تفاصيل ذلك.
كما تجدد الحركة موافقتها على تسليم إدارة قطاع غزة لهيئة فلسطينية من المستقلين (تكنوقراط) بناءً على التوافق الوطني الفلسطيني، واستناداً للدعم العربي والإسلامي.
وتؤيد ما ورد في مقترح الرئيس ترامب من قضايا أخرى تتعلق بمستقبل قطاع غزة وحقوق الشعب الفلسطيني الأصيلة. إن هذا الموقف، مرتبط بموقف وطني جامع واستناداً إلى القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة، وتتم مناقشتها من خلال إطار وطني فلسطيني جامع ستكون حماس من ضمنه وستسهم فيه بكل مسؤولية).
لقد التزمت حركة حماس، بموقف أخلاقي ووطني، وأبدت حرصها على وقف حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، ولم تتمسك بالسلطة، طالما أن ذلك يعوق مشروع ترامب لوقف إطلاق النار.
ورغم إعلان حكومة نتنياهو، عزمها على دراسة مقترحات ترامب، واصلت حرب الإبادة والتجويع والتعطيش، متحدية موقف الرئيس الأمريكي، وقد بلغ تعداد الشهداء في يوم إعلان المبادرة وحده أكثر من مئة ضحية. وما زالت عملية حرب الإبادة تجري على قدم وساق.
مرة أخرى، الفضل يعود فيما تم التوصل إليه إلى الصمود الأسطوري لشعب غزة، والتضامن العالمي مع شعب غزة، وأساطيل الحرية والصمود، التي شملت مشاركين، كتاباً وبرلمانيين سابقين وفنانين، جاؤوا من أكثر من أربعين دولة، وتعاملت معهم حكومة الاحتلال بقسوة وعنف. لن يكون بالإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وسيأتي وقت قريب جداً، تنتصر فيه إرادة الخير على الشر، وتعود فيه الحقوق إلى أصحابها.

30 سبتمبر 2025
عدوان إسرائيلي على «أسطول الحرية»

د. يوسف مكي

بعد فترة قصيرة من بدء جيش الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة في غزة، قتلاً وتجويعاً وتعطيشاً، بدأت حملات أساطيل الحرية في التدفق لشواطئ غزة، غالبيتها من نشطاء أوروبيين ومن تركيا وماليزيا وجنوب إفريقيا وعرب ومسلمون، وقد بدأ مناصرو السلام من مختلف القارات القديمة، آسيا وإفريقيا وأوروبا بجمع التبرعات في أوساطهم بأريحية. وقد اتجهوا بسفن صغيرة إلى شاطئ غزة، لكن جيش الاحتلال، كان يحول باستمرار دون وصول المساعدات الإنسانية وكسر الحصار. وطوال فترة الحصار كانت الحكومة الإسرائيلية، تكتفي بحجز السفن، وطرد المبحرين عليها وإعادتهم إلى المواقع التي انطلقت منها سفنهم.
حملة التضامن مع غزة، كان الأبرز فيها خلال هذا الأسبوع، هو إضراب الموانئ والنقابات العمالية الإيطالية، بدعم من نشطاء التضامن مع فلسطين، في ميناء تورنتو، لإحباط محاولة شركة الطاقة العملاقة «ايني» تصدير شحنة وقود كانت متجهة لإسرائيل، على متن السفينة «سيسالفيا». وقد جاء هذا التحرك في إطار تعبئة شعبية واسعة تحت شعار «أغلقوها»، شملت إضرابات واحتجاجات في وسائل النقل العام، ومحطات القطارات والموانئ والطرق السريعة، رفضاً لأي دعم مباشر أو غير مباشر، للعدوان على غزة.
في هذا السياق، أعلنت شركة «ايني» رسمياً أن السفينة لن تدخل ميناء تورنتو، وأنها لا تزال راسية في خليج المدينة، في وقت تتصاعد فيه المطالبات الشعبية والنقابية، بوقف جميع صادرات الطاقة إلى إسرائيل، ورفض تقديم أي شكل من أشكال الدعم، لسياسات الاحتلال والفصل العنصري، بحق الشعب الفلسطيني في غزة.
في الأيام الأخيرة، هاجمت مسيّرة إسرائيلية، السفينة «الما» التابعة لأسطول Global التي كانت تحمل نواباً أوروبيين من إيطاليا وبولندا وانجلترا. وهو عمل غير أخلاقي من أعمال القرصنة، منافٍ للأعراف والقوانين الدولية، خاصة وأن الهدف من قدوم هذه السفينة هو مواجهة حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل على القطاع، وتقديم الدعم والمساندة لشعب غزة المظلوم. وقد أكدت اللجنة الدولية لكسر الحصار، في بيان لها، ما جرى من اعتداءات إسرائيلية على أسطول الحرية، بتفاصيل أكثر.
ويذكر أن أكثر من خمسين سفينة قد أبحرت من عدة موانئ بحرية، مثل ميناء جنوه بإيطاليا وبرشلونة بإسبانيا، وتونس. والمشاركون يشملون نشطاء معروفين من أربع وأربعين دولة، منهم أطباء وفنانون وصحفيون ومحامون. وقد اتهمت إسرائيل الناشطين الذين اضطلعوا بالقيام بعمل إنساني سلمي بالإرهاب، كونهم يسعون إلى كسر الحصار عن الإرهابيين. إن ممارستها المنافية لكل قوانين الأرض والسماء، من وجهة نظرها هو عمل مشروع، ولا غبار عليه.
وقد دفع السلوك العدواني الإسرائيلي، تجاه سفن الحرية، بعدد من الدول بينها إسبانيا وإيطاليا، العضوان بحلف الناتو، إلى إرسال سفن عسكرية صغيرة «فرقاطات» لمرافقة أساطيل الحرية، المبحرة من أراضيهما، والتأكد من سلامة وصولها إلى غزة، ومواجهة القوة العسكرية الإسرائيلية التي تتعرض لها، إن لزم الأمر.
وفي ذات الاتجاه، وقّع أكثر من ثمانين عضواً في البرلمان البريطاني، رسالة تطالب وزيرة الخارجية، أيفيت كوبر بضمان عدم إلحاق أي ضرر بأعضاء أسطول «الصمود» الهادف إلى كسر الحصار عن غزة. وقد عبّر عن قلقهم نظراً لطريقة تعامل إسرائيل مع القوافل سابقاً، معبرين عن الحق في الاحتجاج السلمي. وقالوا في الرسالة: «نشعر بالقلق من أن إسرائيل تخطط لمعاملة هذه البعثة الإغاثية بعدوانية مماثلة، ما يعرّض سلامة المواطنين البريطانيين للخطر». وقد برز من الموقّعين على الرسالة زعيم حزب العمال البريطاني السابق، جيرمي كوربين، بالإضافة إلى النائبة عن حزب العمال ديان أبوت، التي أسست حزباً جديداً مع كوربين.
إن المواقف البريطانية من الحصار الجائر على الفلسطينيين، ربما تأتي استجابة لعقدة ضميرية تجاه الشعب الفلسطيني، الذي اغُتصبت أرضه، تنفيذاً لوعد بلفور البريطاني، بجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود.
ما تناولناه ليس سوى، غيض من فيض، من ردود الأفعال الدولية تجاه جريمة الهجوم الإسرائيلي على أساطيل الحرية، بإسناد ودعم كاملين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي طرح في الأيام الأخيرة، مشروعه الجديد لوقف إطلاق النار بغزة، يتضمن الإفراج السريع عن جميع الأسرى، وإنهاء الحرب بوقف إطلاق نار دائم. كما يتضمن انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع، وإنهاء حكم حماس، نزع سلاح القطاع، مع إصدار عفو عام عن قادة حماس إذا غادروا القطاع. وعلاوة على ذلك تضمنت خطة ترامب، نشر قوة أمنية من دول عربية، وإشراك محدود للسلطة الفلسطينية في الحكم المدني في غزة.
فيما يتعلق بالضفة الغربية، أشار ترامب إلى أنه لن يسمح لنتنياهو بضم الضفة، لكنه لم يتحدث عن مصير عشرات المستوطنات الإسرائيلية المنتشرة في محيط مدن الضفة الغربية، وبالقدس الشرقية.
إن الكثيرين من المتابعين والمحللين السياسيين، لا يرون في خطط ترامب الجديدة المعلنة، سوى مماطلة وتسويف، وتبادل أدوار بينه وبين رئيس الحكومة الإسرائيلية، وإن كفاح الفلسطينيين وحده، هو الذي يتكفل بتحقيق أمانيهم في الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير. وقديماً قال العرب في أمثالهم، «ما حك جلدك مثل ظفرك».

[email protected]

23 سبتمبر 2025
السياسات الإسرائيلية في أصلها توسعية

د. يوسف مكي

مارس الكيان الإسرائيلي، منذ تأسيسه سياسات تكتيكية، أوحت أن جل ما يريده هو تحقيق السلام، واعتراف جيرانه بوجوده. لكن الرصد الدقيق لسياساته، منذ لحظة تأسيسه في نكبة عام 1948، يشي بغير ذلك.
ففي إعلان ديفيد بن غوريون لبيان الاستقلال، قال بالحرف الواحد «لقد أقمنا دولتنا على جزء صغير من أرضنا، وسيكون علينا استمرار القتال، لكسب البقية من أرض إسرائيل». والقول بجزء صغير لا يعني فقط إضافة البقية الباقية من فلسطين التاريخية: الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، بل يشمل أجزاء من أقطار عربية أخرى.
وحين وصل موسى شاريت إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في الفترة من كانون الثاني/ يناير عام 1954 إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 1955، أكد أن استمرار بقاء إسرائيل، يتطلب منها أن تكون مشروع حرب مستمرة ضد العرب، بحيث لا يتمكنون من امتلاك القدرة على إلحاق الهزيمة بجيشنا.
لم تمض على تصريحات شاريت سوى أقل من ثمانية أشهر، حتى بدأ العدوان الثلاثي الغاشم على مصر. وقد انتهى ذلك العدوان بهزيمة سياسية لقوى العدوان، انهت الحياة السياسية لرئيس الحكومة البريطانية أنتوني إيدن ونظيره الفرنسي غي موليه، وبقي بن غوريون الذي عاد إلى رئاسة الحكومة قبل العدوان، في موقعه.
وليس من شك في أن الموقف التضامني العربي، والإنذار الروسي، ونأي الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، عن مساندة إسرائيل، كان لها الأثر الكبير في دحر العدوان. فالسوريون تضامنوا بالكامل مع مصر، والسعودية استقبلت الطائرات المصرية، لمنع تدميرها، وظلت آمنة في مطاراتها، حتى نهاية العدوان. والإنذار الروسي، تضمن تهديداً بضرب لندن وباريس بالقنابل النووية، أما إسرائيل فأشار الإنذار إلى شكوك في وجودها بعد تنفيذ الإنذار. وسواء عمل السوفييت على تنفيذ إنذارهم أم أن ذلك كان مجرد تهديد، فإن الذي لا شك فيه، أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لم تكن تملك رفاهية الانتظار والتجريب.
وقد كان شاريت دقيقاً في توصيفه، بأن إسرائيل لن تسمح في كل الأحوال ببناء قوة عربية ضاربة. ففي الخامس من حزيران/يونيو 1967، شنت إسرائيل حرباً شاملة على مصر وسوريا والأردن، انتهت باحتلال شبه جزيرة سيناء بأكملها وقطاع غزة، من مصر، ومرتفعات الجولان السورية، والضفة الغربية والقدس الشرقية.
الحرب الوحيدة، التي بادر العرب إلى شنها ضد إسرائيل، هي حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وكان الهدف المعلن منها هو تحرير الأراضي المصرية والسورية التي تم احتلالها في حرب يونيو/حزيران. ولكن ما تكشف لاحقاً أنها كانت حرب تحريك، هدفت إلى كسر الجمود في عملية السلام. ولذلك توقف القتال، بعد عبور الجيش المصري لقناة السويس، وتمكن الجيش السوري من استعادة مدينة القنيطرة، بمرتفعات الجولان، أما الضفة الغربية والقدس الشرقية، فبقيتا خارج المعادلة، كون الأردن لم يشارك في تلك الحرب. وفي نهاية تلك الحرب، كان أرييل شارون قد تمكن من عبور ثغرة الدفروسوار، غرب قناة السويس.
وقد وجد السياسي المخضرم، هنري كيسنجر، مستشار الرئيس ريتشارد نيكسون، لشؤون الأمن القومي، فرصة في انتقال مبادرة السلام، إلى بلاده. وأنشأ علاقة خاصة بالرئيس المصري أنور السادات، تمخضت عن مقولات ثلاث: أن 99 في المئة من أوراق الحل هي بيد الولايات المتحدة، وأن حرب تشرين الأول/أكتوبر هي آخر الحروب، وأنه لا عودة للتحالف الاستراتيجي مع الاتحاد السوفييتي. وهكذا كانت الغنائم الأمريكية جراء معركة العبور كبيرة جداً، انتهت بانتقال استراتيجي في تحالفات مصر.
العدوان الإسرائيلي، على لبنان، كان عملية إسرائيلية مستمرة، منذ التأسيس عام 1948، وحينها لم تكن هناك مقاومة فلسطينية أو لبنانية، وكان عدد من الزعماء اللبنانيين يبشرون بتحقيق السلام مع إسرائيل.
لن نستغرق طويلاً، في تقديم جردة للاعتداءات الإسرائيلية على بلد الأرز، وما أردناه هو التأكيد أن استمرار العدوان على لبنان وسوريا، وقطاع غزة، والضفة الغربية هو الدافع لانبثاق حركات المقاومة. وقد تعرضنا إلى ذلك بشيء من التفصيل في مقالات سابقة، ولن نعود لذلك مرة أخرى.
فحدث السابع من أكتوبر، 2023، لا ينبغي قراءته معزولاً عن النهج التوسعي لإسرائيل، وضمنه حرب الإبادة التي تجرى في قطاع غزة، والتي قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش إنه لم يشهد مثلها طوال حياته. وقد جاء ذلك بعد تقرير صادر عن لجنة تحقيق دولية أفادت بأن ما يحدث في غزة هو حرب إبادة مكتملة الأركان. وللأسف فإن هذه الحرب، تشن بإسناد ودعم كامل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحده. لقد انقسم العالم بأسره، بين مُطالب بوقف الحرب ضم جميع دول العالم، وبين إسناد وحيد لها، تقوده الإدارة الأمريكية.
ينبغي استمرار الضغط العالمي، بكافة الوسائل، لوقف حرب الإبادة، وسياسة الحصار والتجويع والتعطيش التي يتعرض لها أشقاؤنا في غزة، وهو استحقاق ليس بالإمكان تجاهله.. استحقاق يفرضه انتماؤنا الديني والقومي والأخلاقي. فلا يُعقل أن يقف العالم بأسره مطالباً بوقف حرب الإبادة التي يتعرض لها أشقاؤنا، بينما نقف نحن أصحاب القضية، متفرجين تجاه ما يجري. لا بد من صحوة ضمير، حتى وإن كانت متأخرة، فأن تصل متأخراً، خير من ألا تصل أبداً.

[email protected]

16 سبتمبر 2025
الهجوم الإسرائيلي على قطر.. عربدة غير مسبوقة

د. يوسف مكي

في يوم الثلاثاء الماضي، الموافق التاسع من سبتمبر/أيلول، شن الطيران الإسرائيلي هجوماً على العاصمة القطرية، الدوحة استهدف منطقة كتارا التي يقيم فيها وفد حركة حماس المفاوض، في عملية أطلق عليها قمة النار. والهجوم الإسرائيلي هو الأول من نوعه، الذي تشنه إسرائيل على دولة خليجية، وعضو مؤسس في مجلس التعاون الخليجي. وكان ذلك مبعث استياء وغضب بالغين من قبل دول مجلس التعاون الخليجي، والدول العربية جمعاء.
ومبعث الاستياء ليس فقط، لأن إسرائيل استهدفت قيادات فلسطينية، تتمركز في الدوحة، ولكن لأن الوفد الذي جرى استهدافه، وصل للدوحة لمناقشة مقترح تقدم به الرئيس الأمريكي لوقف إطلاق النار بين حماس والإسرائيليين، مقابل الإفراج عن الأسرى المحتجزين لدى الحركة منذ اندلاع ما بات معروفاً بطوفان الأقصى. وقد لعبت القيادتان القطرية والمصرية، دور الوسيط بين الاحتلال الإسرائيلي، وبين حركة حماس، بموافقة أمريكية إسرائيلية. واستمر قيامهما بدور الوساطة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حتى تاريخ العدوان على الدوحة. وقد بلغت وقاحة نتنياهو حد الإعلان عن نيته تكرار تلك العملية، كون ما جرى لم يحقق أهدافه.
إن طبيعة العدوان وظروف توقيته ومكان حدوثه، وكونه عربدة غير مسبوقة، هو ما يعطي معنى دقيقاً للعنوان الذي تصدر هذا الحديث. فالذين جرت محاولة الاغتيال الفاشلة بحقهم، ليسوا مقاتلين في الحركة، بل قادة سياسيون، اتخذ بعضهم من الدوحة مقراً رئيسياً له، بموافقة أمريكية. ومقر إقامتهم ليس بعيداً عن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية، في المنطقة هي قاعدة العيديد الجوية، والتي استخدمتها الولايات المتحدة مراراً وتكراراً، أثناء الحصار على العراق، وفي غزوه عام 2003.
توصيف ما جرى بالعربدة، لا ينسحب فقط على السلوك الإسرائيلي، بل أيضاً على السلوك الأمريكي، وتصريحات الرئيس دونالد ترامب، الذي وصف العدوان بالعمل النبيل، الذي استهدف مجموعة من الإرهابيين، حسب توصيفه. وهو بذلك يقصد وفداً جاء لمناقشة مبادرة لوقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى، صادرة عن الرئيس الأمريكي نفسه.
نحن لن نناقش في هذا الحديث، كيف جرى تأسيس حركة حماس، بتشجيع إسرائيلي، في ظرف أقر فيه القادة العرب، بأن منظمة التحرير الفلسطينية، هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وكان هدف الاحتلال، من ذلك، هو نفي وحدانية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني، وأن هناك من يتنافس معها في هذا المجال. التطورات اللاحقة، جعلت من حماس، حركة مقاومة بالفعل، قدمت كبار قادتها على مسرح النضال الفلسطيني، بدءاً من مؤسسها الشيخ أحمد ياسين وإسماعيل هنية وصالح العاروري وعبد العزيز الرنتيسي وسعيد صيام ومحمد الضيف ويحيى السنوار، والقائمة طويلة. وكان العدد الأكبر من تضحياتها، قد أخذ مكانه بعد طوفان الأقصى.
ورغم أن المعلن لعدد القتلى من المدنيين، شيوخاً وأطفالاً ونساء، جراء القصف اليومي على القطاع، وسياسة التجويع والتعطيش التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي، قد تجاوز ثلاثة وستين ألف قتيل، فإن بعض التقديرات تشير إلى أن هذا العدد هو أقل بكثير من العدد الحقيقي للقتلى، الذي تصل به بعض التقديرات إلى مئتي ألف قتيل وأضعافهم من الجرحى. صحيح أن خسائر الفلسطينيين كثيرة بكل المقاييس، لكن المكاسب ليست بالقليلة أيضاً. فلأول مرة منذ نكبة فلسطين، يتعرف العالم بأسره، إلى حقيقة الممارسات الفاشية للاحتلال الإسرائيلي. ولأول مرة أيضاً، يعيش الكيان الإسرائيلي، عزلة دولية غير معهودة على مستوى العالم بأسره، تبز ذلك الذي تعرض له نظام الفصل العنصري، في جنوب إفريقيا. ويكفي أن رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو بات غير قادر على الطيران في أجواء بعض الدول، وأن فرقه الرياضية تحرم من المشاركة في عدد من الدول الأوروبية، التي كانت حتى الأمس القريب تعد حليفة لإسرائيل.
الممارسة الإسرائيلية الأخيرة التي جرت في قطر، ليست معهودة بالمطلق في تاريخ الدبلوماسية، ولا في تاريخ المفاوضات. فما من حركة تحرر وطني في العالم أنجزت استقلالها إلا وكانت المفاوضات مع المحتل هي بداية تتويج عملية الاستقلال. هكذا كان الوضع مع الجزائر، حيث تفاوض الثوار مع محتليهم، بعد منازلة أسطورية. وهكذا أيضاً تفاوض الأمريكيون مع ثوار فيتنام للتوصل إلى وقف إطلاق النار، في مدينة باريس بالعاصمة الفرنسية. وحصل ذلك أيضاً في المفاوضات الأمريكية مع لاوس وكمبوديا، وقبل ذلك في بداية الخمسينات حين تفاوض ثوار كوريا الشمالية، مع غرمائهم الأمريكيين.
ما حدث في الدوحة، ليس له من معنى سوى إصرار الاحتلال على استمرار عملية الإبادة التي يمارسها بحق الفلسطينيين، مع إدراكه باستحالة احتلال القطاع وإخضاع شعبه. والأكبر من ذلك، أن ما جرى بالدوحة، حمل معنى لا مبالاة حكومة بنيامين نتنياهو بأرواح الأسرى الإسرائيليين، الذين تقلصت أعدادهم كثيراً، بفعل استمرار القصف الإسرائيلي، على الأماكن المدنية.
ينبغي ألا يقف العالم مكتوفاً، أمام العربدة الإسرائيلية، وضمنها العدوان على قطر.

[email protected]

9 سبتمبر 2025
غزة مقبرة الغزاة

د. يوسف مكي

تاريخ غزة، منذ احتُلت في العدوان الثلاثي الغاشم على مصر عام 1956، إلى عدوان الخامس من حزيران/يونيو 1967، هو تاريخ بطولة وكفاح مستمرين. فقد رفض أهلها الخضوع للاحتلال، وقاوموه، بما يملكون من إمكانيات مادية محدودة، مسنودة بطاقة روحية هائلة، تجعل من العَصي على أي محتل احتواءهم. وحين اندلعت أيقونة الكفاح الفلسطيني، انتفاضة أطفال الحجارة، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 1987، كانت انطلاقتها الأولى من جباليا بقطاع غزة. لتنتشر كالهشيم، في القطاع والضفة الغربية، والقدس، وليصل فعلها إلى الأراضي الفلسطينية، التي احتُلت عام 1948، بشكل مسيرات ومظاهرات تأييد، أخذت مكانها في تل أبيب وحيفا والناصرة، وعدد آخر من المدن والبلدات الفلسطينية. وكانت تلك الانتفاضة بحق، حديث العالم بأسره، حيث الأطفال الصغار، يتصدون لآلة الحرب الإسرائيلية، في مشهد مهيب نال إعجاب الأحرار في كل زوايا الكرة الأرضية.
وقد دفع عنفوان الانتفاضة وصلابتها، بوزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، إسحق رابين للقول بمرارة إنه وهو يقود أقوى جيش بالمنطقة، عاجز عن إلحاق الهزيمة بأطفال صغار، لا يحملون سلاحاً. وفي تعبير عن اليأس والإحباط، قال جملته الشهيرة، «أتمنى أن أصحو من النوم، لأجد غزة قد غرقت في البحر».
وكان من نتائج تلك الانتفاضة، أن تواصل رابين مع أحد الناشطين في حركة التحرير الوطني الفلسطيني، فتح، ليطلب منه إبلاغ رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات، باستعداده تسليم القطاع للمنظمة. فكان أن اشترط عرفات ضم أريحا لاتفاق انسحاب الاحتلال من غزة. فكان الاتفاق المعروف، باتفاق غزة أريحا أولاً. وليتواصل ذلك لاحقاً، ليصل إلى ما بات معروفاً باتفاق أوسلو، وقيام السلطة الفلسطينية، بالأراضي التي تم احتلالها عام 1967.
وفي بداية هذا القرن، حدثت انتفاضة الأقصى، التي نفذتها فتح، احتجاجاً على سلوك أرئيل شارون، ودخوله مع مجموعة من المستوطنين للمسجد الأقصى. وقد أدت تلك الانتفاضة، إلى فرض الإقامة الجبرية على عرفات، في مقره برام الله، وقبل رحيله عام 2004 قال مقولته الشهيرة: يريدونني إما أسيراً أو طريداً أو قتيلاً، وأنا أقول شهيداً.. شهيداً.. شهيداً.
ما حدث في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لا يمكن عزله عن السياسات التوسعية للاحتلال. فقد شهدت الأراضي المحتلة، والضفة الغربية بشكل خاص، بناء العشرات من المستوطنات الإسرائيلية، وجرى هدم البيوت، وتجريف المزارع، وبناء الجدران العازلة، وفرضت حالة طوارئ مستدامة على الفلسطينيين بالأراضي المحتلة.
كثيرون، يتحدثون عن أحداث السابع من أكتوبر، وكأنها عمل معزول، وليست له علاقة، بما يعانيه الفلسطينيون، من ظلم وجور. ويغيب عن الذاكرة، أن استمرار الاحتلال، هو بالضد من القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، وبشكل خاص القرار 242، الذي هو في الأصل مشروع بريطاني، طرحه اللورد كارادون، وزير الخارجية في حينه. وقد تبناه مجلس الأمن الدولي. ولم يجر تطبيقه حتى يومنا هذا. بمعنى آخر، أن أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تأتِ من فراغ، وما كان لها أن تحدث، لو تم تطبيق القرارات الدولية، المتعلقة بانسحاب القوات الإسرائيلية، من الأراضي المحتلة.
أمام القضية الفلسطينية، والعرب جميعاً، تحد كبير، يتمثل في القرار الإسرائيلي، بضم قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد جاء ذلك، بعد حرب إبادة استنكرها العالم بأسره، ولم يساندها سوى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وبعض من أفراد إدارته. وهو سلوك من شأنه قلب الطاولة رأساً على عقب، على سياساته المغرقة في همجيتها وعنصريتها. في هذا السياق، نُذكِّر بتصريح حكومة الإمارات العربية المتحدة، بأن المشروع الذي عرف بالإبراهيمي، بات موضع تساؤل، وأن ضم القطاع لإسرائيل خط أحمر، سينسف كل ما جرى الاتفاق عليه، بين الإمارات وإسرائيل. وأن تلك العلاقة نشأت على قاعدة التسليم بقيام دولة فلسطينية مستقلة، فوق الأراضي التي تم احتلالها عام 1967.
إن حكومة بنيامين نتنياهو، تغرق في الوحل أكثر فأكثر، وتزداد يوماً بعد يوم، عزلتها الدولية. فعمال الموانئ في إيطاليا يهددون، بالإضراب الشامل، وعدم تقديم الخدمة لأي سفينة تتعامل مع إسرائيل، ما لم يتمكن أسطول المساعدات الغذائية لقطاع غزة، من الوصول بسلام من دون أي اعتراض من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي. ويتزامن هذا الحدث، مع قرار آخر، من عشر دول أوروبية، بفرض عقوبات على إسرائيل، ومنع تزويدها بالسلاح. كما يتزامن مع تحذيرات من مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، من تفاقم الأوضاع في غزة، حيث يمارس جيش الاحتلال، سياسة القتل والتجويع والتعطيش للشعب الفلسطيني.
لقد تجاوز عدد القتلى في القطاع، ثلاثة وستين ألفاً، وأربعة أضعاف هذا العدد من الجرحى، جلهم من المدنيين، شيوخاً وأطفالاً ونساء. وعلينا أن نتصور، ما سيكون عليه الوضع، في حال بدأت إسرائيل مشروع احتلال القطاع، الذي يتوقع عدد من الضباط بالجيش الإسرائيلي استحالته، في حين يقدر المتفائلون منهم، أن ذلك سيستغرق ثمانية أشهر.
تاريخ غزة، المطرز بالبطولة والكفاح، يؤكد بما لا يقبل الشك، أن أوهام نتنياهو وجوقته، باحتلال القطاع، ستُمنى بالفشل والهزيمة والخيبة، وأن شعب غزة، كما كان دائماً طوال تاريخه المعاصر، سيجعل من غزة مقبرة للغزاة.

[email protected]

2 سبتمبر 2025
أوهام القوة وأوهام النصر

د. يوسف مكي

نستعير عنوان هذا الحديث من كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي تناول فيه حرب الخليج الثانية. والعنوان يظل صالحاً عند تناول ما يجري الآن في غزة ولبنان وسوريا، من اعتداءات مستمرة، تشنّها إسرائيل، على أهلنا في هذه الأقطار، وبدعم وإسناد كاملين من قبل الإدارة الأمريكية، ورئيسها دونالد ترامب. هذا الأسبوع، حافل بعدة أحداث، لعل أهمها الخروقات المستمرة من قبل إسرائيل، لاتفاقية وقف إطلاق النار في لبنان، التي تمت بوساطة أمريكية، وصدّقت عليها الأمم المتحدة. وذلك ما يعني اعتداء على مفهوم السيادة، في هذا البلد، الذي يروّج له كثيراً في هذه الأيام.
والأغرب أن يتزامن العدوان المستمر على سيادة أرض الأرز، مع زيارة مبعوث الرئيس الأمريكي توم باراك إلى لبنان، مطالباً بنزع سلاح حزب الله، وتأكيد سيادة الحكومة اللبنانية على البلاد. وهنا نقول إن من المفترض في المبعوث الأمريكي، أن يمنع العدوان المستمر على لبنان، وأن تطرح بجدية مسألة تسليح الدولة اللبنانية، لمستوى تكون فيه قادرة على صد الاعتداءات المتكررة على أراضيها. ومن غير ذلك، يكون نزع السلاح، أشبه بتقديم العربة أمام الحصان، وهو ما يتعارض جذرياً مع مبدأ السيادة التي تدعو له الولايات المتحدة.
في الماضي طرح عدد من السياسيين اللبنانيين، أن قوة لبنان هي في ضعفه، لكن هذا المنطق لم يصمد أبداً أمام الواقع. فلبنان كان عرضة لاعتداءات إسرائيلية مستمرة، منذ عام 1948، العام الذي عرف بعام النكبة، الذي صاحب تأسيس إسرائيل. أمور كهذه لم تكن غائبة، عن الصحفيين الذين حضروا المؤتمر الذي عقده المندوب الأمريكي، باراك في بيروت، والذي لم يعد لديه ما يكفي من الصبر، للإجابة على أسئلتهم، فوصفهم ب «الحيوانات»، في لغة غير معهودة من أي دبلوماسي، يلتزم بأساسيات الكياسة واللباقة، وليس له من معنى سوى طغيان غطرسة القوة وجبروتها. وكان من نتائج ذلك، سيادة حالة من الغضب لدى اللبنانيين، حجبت عنه إمكانية استكمال برنامج زياراته، ومغادرة البلاد، مؤكداً بهذا السلوك مقولة وَهْم القوة. فالمندوب، تصرف بعقلية «الكاو بوي»، وليس بعقلية مبعوث لدولة عظمى، لا تزال تفرض نسبياً سطوتها على القرارات الأممية.
الخبر الثاني، من غزة ويأتي في الوقت الذي يعلن فيه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عزمه على احتلال غزة، بعد حرب إبادة مريرة مارسها جيش الاحتلال، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023، وذهب ضحيتها أكثر من 63 ألف قتيل وأكثر من 225 ألف جريح، جلّهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وتسببت في عزلة دولية لإسرائيل، لم تشهدها منذ تأسيسها. فقد شهد اليوم التاسع والعشرين من شهر أغسطس/ آب، الماضي، أعظم مواجهة بين حماس وجيش الاحتلال، عندما نصبت للجيش الإسرائيلي، عدداً من الكمائن، اعترفت أجهزة الإعلام الإسرائيلية، أنها كانت الأقوى والأعنف، منذ أحداث السابع من أكتوبر. إن ذلك يلقي أسئلة كثيرة، حول إمكانيات الجيش الإسرائيلي في تنفذ مشروع الاحتلال، الذي وعد به نتنياهو. ويطرح سؤالاً أكثر وجاهة، حول أوهام القوة، التي تحكم عقلية رئيس الحكومة الإسرائيلية. كيف سيحقق أحلامه أو أوهامه، لا فرق في احتلال سوريا ولبنان والعراق وجزء من مصر، وهو لم يتمكن، خلال ما يقرب السنتين من إحكام قبضته على شريط صغير من أرض فلسطين، هو قطاع غزة.
الحدث الآخر، الذي فاجأ العالم بأسره، هو الموقف الأمريكي، من زيارة رئيس السلطة الفلسطينية، أبو مازن لنيويورك، وإلقاء كلمة من على منبر الأمم المتحدة، يشرح فيه تطورات القضية الفلسطينية. لقد منعت وزارة الخارجية الأمريكية، حصوله على تأشيرة دخول للولايات المتحدة الأمريكية. وهو أمر غير مألوف، إذ المفترض أن يكون موقع هيئة الأمم المتحدة، أرضاً حيادية، لا سلطة للولايات المتحدة عليها. هكذا نصت بروتوكولات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهكذا كان الواقع فيما مضى. فبعد أزمة الصواريخ الكوبية، عام 1962، والتي كادت أن تتسبب في نشوب حرب عالمية ثالثة، زار الرئيس الكوبي، فيدل كاسترو نيويورك، وألقى خطاباً تاريخياً من على منبر الأمم المتحدة، هاجم فيه بعنف السياسة الأمريكية، ووصفها بالعدوانية. ولم يتسبب ذلك مطلقاً في منع الولايات المتحدة لاستمرار حضور المندوب الكوبي، بالأمم المتحدة جلساتها المعتادة. فما الذي استجد في الأمر.
ولدينا مثل آخر، حصل عام 1974، عندما مُنع ياسرعرفات، من إلقاء كلمة له من على منبر الأمم المتحدة في نيويورك، قرر الأمين العام للأمم المتحدة نقل الجلسات إلى جنيف، لتمكين عرفات من إلقاء كلمة من على منبرها. وفي حينه لم تحظَ منظمة التحرير الفلسطينية، باعتراف دولي. وألقى خطابه الشهير، قائلاً «لقد جئتكم حاملاً البندقية في يد، وغصن الزيتون باليد الأخرى، فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدي». وكرر عبارة لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي ثلاث مرات. ورغم كل الحروب، والتصفيات والاغتيالات، بقيت منظمة التحرير صامدة حتى يومنا هذا.
سياسة الاغتيالات، سواء في غزة أو في أقطار عربية كلبنان وسوريا واليمن، والعراق، وإن ساندتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لن تغير من الواقع شيئاً، ولن تكون سوى تأكيد آخر، على خطل أوهام القوة والنصر.

[email protected]