تزايدت أهمية المنظمات الدولية والإقليمية في عالم اليوم؛ بعدما أضحت فاعلاً دينامياً في العلاقات الدولية؛ وبالنظر إلى الفرص التي تطرحها بالنسبة للدول الأعضاء على مستوى تعزيز التعاون والشراكات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بما يدعم تشبيك المصالح وتعزيز السلام العالمي في مختلف أبعاده؛ علاوة على تخفيف العبء عن الأمم المتحدة باعتبارها المسؤول الرئيسي عن حفظ السلم والأمن الدوليين.
يأتي انضمام المغرب أخيراً إلى الاتحاد الإفريقي في ظرفية صعبة يعيشها النظام الإقليمي العربي؛ من حيث تنامي التوتّر في المنطقة وتراجع دور الجامعة العربية وارتباك العلاقات العربية البينية التي فتحت المجال أمام الكثير من القوى الدولية والإقليمية لتلعب أدواراً مختلفة داخل حدود المنطقة.. ونفس الأمر يمكن أن يُقال عن الوضع المغاربي الذي مازال جامداً ولم يتم بعد استثمار المقومات وعناصر القوة المتوافرة في بناء اتحاد مغاربي واعد بسبب الأوضاع المرتبكة التي تعيش على إيقاعها بعض دول المنطقة؛ وعدم استحضار المشترك لبناء مستقبل يلبّي طموحات الشعوب المغاربية.
لا يعني الانضمام بأي حال من الأحوال تنصّل المغرب من انفتاحه وتعاونه مع محيطه المغاربي باعتبار ذلك أحد ثوابت ومحددات سياسته الخارجية؛ إلى جانب قضية الوحدة الترابية للمغرب؛ الانفتاح على المحيطين العربي والإسلامي وتعزيز علاقاته ضمن الدائرة الإفريقية والجوار الأورو- متوسطي وتعزيز علاقاته مع مختلف القوى الدولية والالتزام بحماية وتطوير منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما.
قامت منظمة الوحدة الإفريقية على مجموعة من الأهداف في علاقتها بالارتقاء بالقارة الإفريقية وتعزيز التنمية داخل القارة ومواجهة مختلف المشاكل والصراعات التي كانت يئن تحتها الكثير من دول القارة.. غير تنامي المشكلات وما يتطلبه الأمر من تدخلات وما قابل ذلك من ضعف للإمكانيات.. كلها عوامل حدّت من أداء هذه المنظمة التي سبق وسقطت في خطأ تاريخي أساء للمغرب ودفعه نحو مغادرة المنظمة؛ بعد القبول بعضوية «كيان البوليساريو» الذي لا تتوافر فيه عناصر الدولة؛ كما هي متعارف عليها في القانون والعرف الدوليين.
ويجد هذا الانسحاب أساسه في أن القاعدة العامة التي تؤطّر التنظيم الدولي؛ تحيل إلى أن التأسيس أو الانضمام للمعاهدات المنشئة للمنظمات واكتساب العضوية الكاملة في هذا الشأن، وما يترتب عنها من حقوق وواجبات؛ لا يعني سوى الدول ذات السيادة. فيما اعتمدت بعض المنظمات الدولية والإقليمية نظام العضوية الناقصة أو الجزئية أو المراقبين والتي تسمح بالمساهمة في أنشطة المنظمة من دون التمتع بحقوق الدول الأعضاء وما يتصل بذلك من تصويت أو تولّي المهام والمسؤوليات ضمن أجهزة هذه المنظمات.
يبدو أن المغرب أصبح مقتنعاً تماماً بكلفة المقعد الشّاغر التي استغلها خصومه في الترويج لمجموعة من المغالطات بصدد قضية الصحراء؛ وفي صياغة نظام الاتحاد الإفريقي الذي عوّض منظمة الوحدة الإفريقية منذ عام 2001 في غياب المغرب؛ حيث جاء الكثير من مقتضياته في غير مصالح المغرب.
ويأتي الانضمام في ظروف مختلفة عن تلك التي رافقت الانسحاب من منظمة الوحدة الإفريقية في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم؛ ذلك أن عدد الدول ارتفع الآن من 30 إلى أكثر من 50؛ كما أن الظرفية الدولية الراهنة سمحت بتجاوز استغلال البعد الإيديولوجي والإدارة بالأزمات في العلاقات بين الدول، فيما أضحى المغرب من ضمن الدول الأكثر استثماراً بالقارة؛ وهو ما يعكسه حجم الاتفاقيات التجارية والاقتصادية المبرمة مع مختلف الدول الإفريقية في العقدين الأخيرين. كما أن مقتضيات القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي تبرز أن هذا الأخير أضحى أكثر دينامية من حيث طرح مجموعة من الأولويات ذات الصلة بتحديات اليوم؛ وعلى مستوى اتخاذ القرارات التي تجاوزت الإجماع إلى الأغلبية؛ علاوة على نهج التشاركية في هذا الصدد بخلق مجموعة من المؤسسات (مؤتمر الاتحاد؛ والمجلس التنفيذي؛ وبرلمان عموم إفريقيا؛ ومحكمة العدل؛ واللجنة؛ ولجنة الممثلين الدائمين؛ واللجان الفنية المتخصصة؛ والمجلس الاقتصادي والثقافي؛ والمؤسسات المالية).
في هذا السياق؛ نظّم المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية والأمنية بالرباط، ورشة تفكير حول «الاتحاد الإفريقي.. ملفات ما بعد العودة»، وذلك بمشاركة عدد من الخبراء والباحثين المغاربة، انطلاقاً من أربعة محاور أساسية؛ تدرّجت بين التطور التاريخي والإطار القانوني والمؤسساتي والوثائق الخاصة بالاتحاد الإفريقي؛ والقضايا والملفات الكبرى للاتحاد؛ ثم الأبعاد الجيواستراتيجية والأمنية في العلاقات المغربية - الإفريقية بعد العودة.
أكّد المشاركون على أهمية هذا الانضمام بالنظر إلى كونه يشكّل بداية للترافع بشأن مختلف القضايا الاستراتيجية للمغرب في سياق علاقات جنوب - جنوب؛ وتقوية مصالحه الاقتصادية مع الدول الإفريقية على مختلف الواجهات؛ واستثمار موقعه كقوة إقليمية في هذا الإطار.. والحيلولة دون تورط الاتحاد في قرارات أو توجهات تسيء لمصالح المغرب الاستراتيجية ولسيادته.. والسعي أيضاً نحو بلورة خطاب سياسي قويّ يدعم هذه التوجهات ويسمح بالرّد على مجمل المغالطات التي يروج لها الخصوم بصدد هذه العودة وأبعادها.. وكذا استثمار القانون التأسيسي للاتحاد ذاته في سبيل التأثير في قرارات هذا الأخير.. كسبيل لانكباب الاتحاد على الإشكالات الحقيقية التي تواجه دول القارة مجتمعة في ارتباطها بمحاصرة الإرهاب؛ والحد من التهافت الخارجي على إفريقيا وتعزيز الشراكات والتعاون لتحقيق التنمية وتدبير الأزمات المختلفة التي تشهدها دول القارة.
واستحضاراً للغة العصر المبنية على تشابك وتبادل المصالح؛ حيث لا توجد مواقف مجانية في العلاقات الدولية؛ فقد أجمع الباحثون والخبراء على أن الانضمام يفترض أن يشكل مدخلاً للتركيز على أولويات اقتصادية بالأساس وهي حتماً ستؤثر على المواقف بشأن قضية الوحدة الترابية.
كما دعوا إلى استثمار الأجهزة المختلفة للمنظمة في سبيل التأثير في صياغة القرار الإفريقي بما يخدم مختلف القضايا الاستراتيجية للمغرب؛ مع الحرص على تكوين الكفاءات الدبلوماسية الكفيلة بربح هذا الرهان.
المغرب والاتحاد الإفريقي.. أولويات ما بعد الانضمام
3 مارس 2017 01:27 صباحًا
|
آخر تحديث:
3 مارس 01:27 2017
شارك
د. إدريس لكريني