أية قوة في العالم تستطيع ردع إسرائيل وإجبارها على التوقف عن ممارسة وظيفتها الاختصاصية في شن الحروب الواحدة تلو الأخرى كدولة حربية بامتياز تحاول محاكاة نموذجها ومثلها الأعلى الولايات المتحدة الأمريكية؟

ببساطة لا أحد يستطيع فعل ذلك، إذ ثبت بالدليل القاطع، حتى الآن، ومنذ إنشائها قبل 60 عاماً، أن ليس هنالك قوة استطاعت كبح جماح الطبيعة العدوانية الإسرائيلية المتحفزة أبداً لشن الاعتداءات الهمجية على ضحايا مجردين من كافة أسباب القوة والدفاع عن النفس في حدهما الأدنى، حتى ولو كان ذلك العدوان أملته دواعي انتخابية في إطار صراع الأجنحة للطبقة الحاكمة في إسرائيل، كما هو حال الهجوم الوحشي الكاسر ضد قطاع غزة والذي تقف وراءه الانتخابات الإسرائيلية التي يخشى الائتلاف الحاكم الحالي (حزب كاديما وحزب العمل أساساً) من خسارتها لمصلحة ائتلاف الليكود بزعامة نتنياهو والأحزاب الدينية الفاشية.

نعم وحدها الولايات المتحدة تستطيع، بما تمثله لإسرائيل من قاعدة إسناد حربي واقتصادي وسياسي واستراتيجي عموماً، أن تؤثر في الدوائر الصهيونية الحاكمة بغض النظر عمن يدير دفة الحكم في إسرائيل.

ولكن من قال إن الولايات المتحدة في وارد ممارسة ضغط، مهما كان نوعه على إسرائيل؟ فواقع الحال أن العكس هو الصحيح، أي أن تمارس واشنطن نفوذها وضغوطها على إسرائيل من أجل القيام بعمل عسكري ما لخدمة أغراض وأهداف أمريكية، تكتيكية واستراتيجية خالصة.

فمن ذا الذي يستطيع إذاً أن يزجر هؤلاء النازيين الجدد ويردعهم ويوقف غيهم؟ قلنا لا أحد، وذلك صحيح من الناحية العملية، ولكننا نضيف هنا أيضاً من الناحية العملية للسياسة الدولية ودهاليزها وموبقاتها وكل سجلها الإجرامي البشع.

فلتسقط السياسة التي تقف الآن كجلمود صخر أمام بشاعة الهمجية الإسرائيلية في غزة وهي تستباح أمام أنظار العالم أجمع.

لا أحد من الشرفاء والأحرار في هذا العالم يعول على السياسة القذرة التي يديرها حكام العالم وأرباب المال والسوابق والفساد.

فدعونا من تقليب المواجع في هذا الظرف الاستثنائي العصيب ولتذهب السياسة وموبقاتها إلى الجحيم، فنحن الآن بصدد وضع إنساني كارثي بكل معنى الكلمة، يجب أن يستفز ويستنفر كافة الضمائر الإنسانية في هذا العالم المختطف من قبل حفنة من المقامرين، وأن يستنطقها لقول كلمة حق في شلالات الدم التي فجرها قادة إسرائيل في غزة.

وهنا نتساءل أين هو دور وأين هي مكانة القوة والسلطة الروحية لبابا الفاتيكان التي يحلو له استعراضها كلما حل ببلد لاتيني فقير ومعدم، حيث يهرع البؤساء للتبرك به وسماع عظته حول السلام والحب والفضيلة؟

نتذكر أن البابا قد وجه عشية أعياد الميلاد المجيدة إلى زوار وحجاج بيت لحم الذين تدفقوا بكثافة هذا العام وتحديداً يوم الخامس والعشرين من ديسمبر ،2008 وجه كلمة تمنى فيها أن يعم السلام في المنطقة، وأن ينعم به سكان المنطقة فإذا بإسرائيل تعاجله بردها المزلزل والمسفه لكلماته في تعبير صريح عن مفهومها للسلام والمتواسق مع طبيعتها.

فأين هو البابا من هذه الصفعة المدوية التي تلقتها كلماته الحالمة في إحدى أكثر اللحظات الزمنية قدسية لدى العالم المسيحي والعالم أجمع وهي مولد سيدنا عيسى عليه السلام؟

وما هي فائدة قوته وسطوته الروحية العالمية الظاهرة إذا لم يتحرك لتوظيفها في وقف المجزرة التي يتعرض لها 1،5 مليون فلسطيني محشورين في حيز ضيق من الأرض هو الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم؟ فالذين يقتلون في غزة هم في نهاية المطاف بشر من لحم ودم وليسوا أكباشاً هائمة في العراء.

وهكذا نعود لنقول إن إسرائيل لن تردعها لا مناشدات مجلس الأمن اللطيفة الناعمة المرسلة لرفع العتب ليس إلا، ولا مناشدات أوروبا المنافقة، ولا استنكارات وتنديدات المؤسسة العربية الرسمية بطبيعة الحال، ولا حتى المناشدة البابوية، هذا إن صدرت مثل هذه المناشدة أصلاً قبل تسوية غزة بالأرض.

الذي يمكن أن يردع إسرائيل فقط هو انفجار الغضب الشعبي العالمي على هذه الأعمال الفاشية الاستفزازية للمشاعر والضمائر في شكل مظاهرات عارمة متصلة تضغط على عواصم القرار الغربية فتضطر هذه الأخيرة حينها لممارسة نفوذها على حكام إسرائيل. أما دون ذلك فلا أمل يرجى من الجميع.