د. محمد الصياد*
ما زالت ديناميكيات التقسيم الدولي للعمل «The international division of labor»، تعمل كالمعتاد، أو كما «استقرت» عليه في طورها الأخير. في البدء اعتمد هذا النظام على تخصص الدول في سلع نهائية «Finished products» محددة، مثل المنسوجات والمنتجات الزراعية؛ قبل أن يصل إلى طوره الحالي القائم تقسيمه الإنتاجي على عمليات أصغر والاستعانة بمصادر خارجية للتصنيع يتم جلبها من دول منخفضة الكلفة. تخطى هذا التقسيم قطاع الإنتاج وشمل بتحولاته قطاعات اقتصادية جديدة، مثل الخدمات وإنتاج المعارف والخبرات الفنية «Know-how»، والمال والأعمال.
تتمتع بعض الدول، كما صار مستقراً في التقسيم الدولي للعمل، بميزة مطلقة، بينما يتمتع بعضها الآخر بميزة نسبية (المطلقة حين تنتج دولة ما سلعة باستخدام موارد أقل لإنتاجها مما تستطيع فعله دولة أخرى لإنتاج نفس السلعة، بينما تتمثل الميزة النسبية في تمكن دولة من إنتاج سلعة بكلفة أقل من إنتاجها لسلعة أخرى. أي أنها تفاضل بين كلفة الفرصة البديلة لصالح الخيار الأكثر ربحية). هذا الامتياز ليس مضموناً بصورة مطلقة. فالمنافسة مفتوحة، ويمكن أن تتغير المواقع باجتهاد بعض الدول وتراخي أخرى.
هناك مقولة منسوبة للفيلسوف أرسطو، وهي أن «الطبيعة تكره الفراغ»، سواء كان مادياً أو اجتماعياً أو عاطفياً. فالفراغ غير طبيعي، لذلك سيتم ملؤه في نهاية المطاف. بمعنى أن الحياة تستمر والأنظمة مصممة كي تستمر. كانت الصين تحتل المرتبة الأولى من بين أكثر الدول حيازة لسندات الخزانة الأمريكية، واستمرت على هذه الحال حتى عام 2019. لكنها بدأت تقلص هذه الحيازات إلى أدنى مستوى لها منذ 2008، لأسباب مختلفة منها المشاكل التجارية التي نشبت بينها وبين الولايات المتحدة، وتصاعد المخاوف الجيوسياسية في العالم. لكنها ما أن أخلت هذا الفراغ حتى صعد لاعب جديد ليحل مكانها. والمفاجأة أنه لاعب صغير قياساً للعملاق الصيني. إنها جزر كايمان «Kayman Islands» التي تقدمت بصورة غير متوقعة لسد هذه الفجوة.
هذه الجزر البريطانية الواقعة في غرب البحر الكاريبي، التي لا تزيد مساحتها على 264 كيلومتراً مربعاً، ولا يزيد عدد سكانها على 76,000 نسمة (بيانات 2025)، باتت تحوز سندات خزينة أمريكية بلغت قيمتها 427 مليار دولار أمريكي حتى نوفمبر 2025، ما جعلها سادس أكبر مالك أجنبي لها. بل إن تحليلاً أجراه الاحتياطي الفيدرالي عام 2025، كشف عن أن الرقم الإجمالي كان أقرب إلى 1.4 تريليون دولار أمريكي بحلول نهاية عام 2024، مع تقديرات تصل إلى 1.85 تريليون دولار أمريكي، وذلك بعد شراء ما يقرب من 40% من سندات الخزانة الجديدة بعد عام 2022. لكن مع جدارة الملاحظة هنا، بأن الأرقام؛ إذ تشير إلى أن جزر كيمان، أكبر مالك أجنبي للديون الأمريكية، فإن المشترين الرئيسيين ليسوا من سكان جزر كايمان أو الحكومة، بل صناديق التحوط العالمية. فمعظم مديري صناديق التحوط في الولايات المتحدة وأوروبا يستخدمون جزر كايمان كجنة ضريبية لإدارة صناديق تغذية استثمارية (Feeder Funds)، أو صناديق استثمار رئيسية (Master Funds)، أو ما تسمى هياكل تغذية رئيسية
(Master-Feeder Structure). وجميعها منتجات استثمارية معقدة لصناديق تحوط تجمع الأموال من المستثمرين من أمريكا وخارجها بإغراءات ربحية وضريبية وسرية مصرفية. مستفيدة (هذه الصناديق) من إنشاء حكومة جزر كيمان وتطبيقها منذ عام 1993، قانون صناديق الاستثمار المشتركة وسط طفرة صناديق التحوط في التسعينات، حيث بدأت تظهر هذه الصناديق بأعداد كبيرة، مدفوعة باللوائح المرنة والضرائب المنخفضة. وتُعد جزر كايمان اليوم موطناً لما يقرب من ثلاثة أرباع صناديق التحوط الخارجية في العالم. وقد أدت جزر كايمان دوراً محورياً في التمويل العالمي منذ ستينات القرن الماضي، حيث مثّلت مركزاً للشركات وللمستثمرين الأفراد، لتفادي دفع الضرائب في أوطانهم «Tax evasion» وعدم كشف أصولهم. وكانت البنوك الأوروبية، التي تتداول بالدولار خارج الولايات المتحدة، والمعروفة باسم «اليورو دولار»، قادرة على إقراض هذه الدولارات بعيداً عن نطاق اللوائح والقيود الأمريكية على رأس المال. ومع نمو السوق، أصبحت جزر كايمان مركزاً رئيسياً لتخزين واستخدام هذه العملات. كان المشرعون في جزر كايمان قد سنّوا في ستينات القرن الماضي قوانين مالية لجذب الشركات الدولية، شملت عدم فرض ضرائب مباشرة على الأفراد أو أرباح الشركات أو مكاسب رأس المال، ما أسهم في ترسيخ مكانة الجزر كمركز مالي خارجي. ويوفر النظام القانوني، القائم على القانون العام الإنجليزي، للمستثمرين، قواعد واضحة وتشريعات حديثة ومحاكم مستقلة، ما أشعر المستثمرين بالثقة وحوّل الجزر إلى قوة مالية عالمية. وعلى الرغم من وجود حكومة منتخبة خاصة بجزر كايمان يرأسها رئيس وزراء محلي، فإن الصلاحيات الرئيسية لا تزال بيد المملكة المتحدة. فتُعقد جلسات الاستئناف النهائية في القضايا الكبرى في لندن، بينما يتولى حاكم يعينه ملك بريطانيا، بناء على نصيحة الحكومة البريطانية، الإشراف على الأمن الداخلي وتنسيق الشؤون الخارجية مع لندن. ويمكن القول إن جزر جيمان هي جزء لا يتجزأ من المركز المالي لمدينة لندن.
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية
د. محمد الصياد*
كما كان الحال إبان جائحة كورونا، ها هو العالم على موعد جديد مع أزمة أخرى أكثر جسامة على الاقتصادات الوطنية وعلى الاقتصاد العالمي ككل، من كل الأزمات التي عرفها بعد الحرب العالمية الثانية. إنها حرب الخليج الرابعة. عرفت منطقة الخليج العربي ثلاث حروب كبرى: حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988)، وحرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت 1990-1991) من القوات العراقية المحتلة، وحرب الخليج الثالثة (الغزو الأمريكي للعراق 2003) التي أطاحت بنظام صدام حسين.
في هذه الأزمة بكّرت الأزمات في الظهور، لأنها ارتبطت بعصب الاقتصاد العالمي: قطاع الطاقة. فقد ارتفع سعر الجملة للغاز بنسبة 67%، وارتفعت أسعار النفط بنسبة 35% بين 28 فبراير و12 مارس 2026، نتيجة لاغلاق إيران مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقرب من 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال، نحو الأسواق العالمية. وتفاعلت الأسواق المالية مع تزايد المخاطر الإقليمية، حيث شهدت انخفاضات كبيرة في القيمة، بينما ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، لتصل في كثير من الأحيان إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف مستوياتها الطبيعية. كما تعطلت حركة الطيران والسياحة، مع إلغاء رحلات جوية واسعة النطاق في جميع أنحاء المنطقة.
وبطبيعة الحال، سوف تلقي هذه الصدمات المفاجئة بظلالها على الميزانيات الحكومية، ما يزيد الاعتماد على الديون ويفرز فجوات في سيولة البنوك، وبضمنها البنوك المركزية التي تتعرض لضغوط قد تدفعها إلى تشديد السياسة النقدية، اعتبارًا بأن صناع السياسات النقدية مكلفون بالحفاظ على استقرار الأسعار، مع أن سبب التضخم (ارتفاع الأسعار) في هذه الحالة ليس ناتجًا عن ارتفاع الطلب وإنما هي الحرب التي تسببت في صدمة في العرض واضطراب حركة الشحن العالمية.
الوضع السائد المتمثل في تهديدات التضخم، يغري البنوك المركزية لتشديد سياستها النقدية، بحكم تجارب سابقة. لكن هنا، سوف يتعين التمييز بين التضخم الناتج عن الطلب والتضخم الناتج عن العرض. فعندما ينشأ التضخم من طلب مفرط (إنفاق كبير مقابل سلع قليلة)، يكون تدخل البنوك المركزية بتشديد سياستها النقدية من خلال رفع سعر الفائدة، صائباً. إذ يمكن أن يخفف ذلك من حدة التضخم دون التسبب في أضرار اقتصادية طويلة الأجل. لكن صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب الدائرة حالياً، تختلف عن سابقاتها. فمفاعيل الصدمة أثرت على إنتاجية الاقتصادات، وإن محاولة التعويض الكامل عن هذا الواقع بتشديد السياسة النقدية لن تحقق النتائج المرجوة بقدر ما قد تُؤدي إلى نتائج عكسية: انخفاض الإنتاج وارتفاع معدلات البطالة، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار.
المستثمرون ليسوا بحاجة إلى تنبيههم وتنبيه جميع رواد السوق بصعوبة الوضع الذي قد تسوغه البنوك المركزية لتبرير ميلها لتشديد السياسة النقدية. المستثمرون يعون بخبرتهم أنه في حين تكون حالات انكماش السوق مؤقتة في العادة، فإن بعض الأزمات أو التحولات الهيكلية لا تزول بسرعة، ما يتطلب استراتيجية طويلة الأجل ومرنة بدلاً من ردود فعل مدفوعة بالذعر. يُظهر التاريخ أن الأزمات، مثل الأوبئة والحروب غالباً ما تترك آثاراً دائمة على الاقتصادات، ومع ذلك، فقد أثبت الاستثمار المستمر تاريخياً، جدواه على المدى الطويل.
ثم إن سؤالًا منطقيًا يطرح نفسه هنا: لماذا «تنفرد» البنوك المركزية ب«مرمى» الأزمة وتسارع من فورها لتطبيق تكليفها (Mandate) المتمثل في مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار، كأنها لاعب الهجوم الوحيد الذي يجيد التهديف في مرمى الأزمة! عليها أن تتذكر أن هناك لاعبين آخرين جيدين مثل وزارات المالية (أو الخزانة) التي تجيد التعامل مع مثل هذه المعطيات من خلال أدوات السياسة المالية (Fiscal policy) التي تتوفر عليها بحكم تكليفها الوظيفي، عبر آلية الإنفاق وآلية الضرائب والرسوم. بل إن البنوك المركزية نفسها لها دور إيجابي يمكن أن تلعبه إبان مثل هذا النوع من الأزمات الجيوسياسية التي لا دخل لهم في نشوبها وارتفاع الأسعار الناتج عنها. المطلوب منها، كما بقية مؤسسات إدارة الاقتصاد الكلي، هو تأمين استقرار النظام المالي ومنع امتداد الذعر إلى أسواق الائتمان. فهي تستطيع حماية جانب الطلب من خلال توفيرها السيولة لمنع الضغوط المالية من التسبب في تضخيم الصدمة. كما يمكنها طمأنة الأسواق بأن البنوك وأسواق رأس المال ستعمل بسلاسة من خلال ضمان سيولة كافية. ويمكنها أيضًا منع انهيار أوسع في الاستثمار والتوظيف عبر عمليات الشراء المعتادة في السوق المفتوحة
Open Market Operations. القصد ينصرف هنا إلى قيام البنوك المركزية المعنية بشراء الأوراق المالية الحكومية (سندات أو أذونات) من البنوك التجارية والمؤسسات المالية بهدف ضخ السيولة النقدية في النظام المصرفي، وزيادة المعروض النقدي، وخفض أسعار الفائدة، تعزيزًا للنشاط الاقتصادي. ومثلما هو مهم تصديها للآثار الأولية للصدمة، مهم أيضاً تركيزها على منع الآثار الثانوية على جانب الطلب. فالخطر لا يكمن فقط في الارتفاع الأولي لأسعار الطاقة، وإنما أيضاً في احتمال أن يؤدي ذعر المستثمرين، أو تشديد شروط الائتمان، أو انهيار الثقة، إلى انكماش اقتصادي عميق.
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية
كنا قد توقفنا في مقال سابق «تبرعات المواطنين لسداد الدين العام الأمريكي» عند التساؤل التالي: هل ينجح هذا المسعى؟ وجاء تقديرنا بأنها قد تنجح، جزئياً على الأقل. لكنها بالمقابل، لا تحقق كامل المراد منها، في ضوء ملاحظة أن الهدف الموصوف في استمارة التبرعات كما هو وارد نصاً على موقع وزارة الخزانة الأمريكية، هو «تبرعات لخفض الدين» (Gifts to reduce debt)، وليس تسديده بالكامل. ناهيك عن أن وتيرة ارتفاع الدين الأمريكي العام (مجموع الأموال التي تقترضها الحكومة، سواء داخلياً من مواطنيها ومؤسساتها أو خارجياً من دول وهيئات دولية، لتغطية عجز موازنتها عندما تتجاوز نفقاتها إيراداتها)، سريعة جداً، بما يتراوح بين 6 و8 مليارات دولار يومياً، مع توقعات بأن يرتفع هذا الرقم إلى 25 مليار دولار يومياً. بينما يبلغ متوسط دفع فوائد هذا الدين يومياً، 3 مليارات دولار.
مبادرة «تبرعات لخفض الدين»، ليست جديدة، ربما باستثناء العبارة الواردة في نموذجها الإلكتروني، القائلة «نشكركم على مساهمتكم التي ستُودع في حساب هبات لخفض الدين العام». وإن «مساهمتكم مقبولة بموجب أحكام المادة 3113 من قانون الولايات المتحدة رقم 31، والتي تُخوّل لوزير الخزانة قبول الهبات المشروطة للولايات المتحدة بهدف خفض الدين العام». وإن«هذه التبرعات طوعية، ولا تُقدّم أي سلع أو خدمات أو أي مقابل آخر للمتبرعين».
حق الحكومة الأمريكية في قبول التبرعات الطوعية أو الهبات من الجمهور للمساعدة على خفض الدين الوطني، كانت قد حصلت عليه تشريعياً في عام 1843. ومنذ ذلك الوقت كان هناك بعض الأمريكيين الذين يتطوعون من تلقاء أنفسهم، بدواعي وطنية، أو لشعور بالمسؤولية التقصيرية لدفعهم ضرائب أقل مقارنة بمداخيلهم، بإرسال شيكات أو استخدام بطاقات الائتمان لدفع ما يودون التبرع به للحكومة. لكن هذه التبرعات بقيت كما القطرة في حوض ماء. فمنذ عام 1996، تبرع الأمريكيون بما مجموعه حوالي 67 مليون دولار. هذا المبلغ لا يكفي إلا لتمويل حوالي 20 دقيقة من الإنفاق الفيدرالي. ولو أراد كل شخص في الولايات المتحدة المساهمة في سداد الدين العام اليوم، لكان كل فرد (بما في ذلك الأطفال) مديناً بحوالي 107,000 دولار. لذلك رأى بعض النقاد أن طلب التبرعات، بالإضافة إلى الضرائب الإلزامية، يعد مقاربة بائسة وغير عادلة، خاصة مع استمرار تجاوز الإنفاق الحكومي للإيرادات. بينما رأى آخرون أنه وسيلة غير ضارة للمواطنين للتعبير عن وطنيتهم، حتى لو كان الأثر المالي ضئيلاً. وهذا صحيح إلى حد بعيد.
موقع أكسيوس، علق على المبادرة بالقول: «يكاد يكون من المستحيل أن تُحدث أي تبرعات، حتى لو كانت سخية للغاية، أي فرق يُذكر في الدين العام». وأوضح الموقع أنه أجرى تجربة عملية للتبرع، استغرقت 80 ثانية فقط. وخلال هذا الفاصل الزمني، كان من المتوقع أن يرتفع الدين العام بأكثر من 4 ملايين دولار، نظراً لارتفاعه بمعدل 55 ألف دولار تقريباً كل ثانية. لذلك يتوجب إتمام عملية التبرع في غضون 18 ثانية، وبحد أقصى 999,999.99 دولار، وذلك لمواكبة سرعة تزايد الدين.
هناك حل آخر أكثر نجاعة وعدالة، يتمثل في فرض رقابة وتدقيق محاسبين صارمين على السياسيين، في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعلى كبار مسؤولي وزارة الخزانة، ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، للتحقيق في ضياع مئات مليارات الدولارات من الكشوفات. الذكاء الاصطناعي قدم حلاً مثيراً، وهو يكمن في تحقيق التوظيف الكامل (الذكاء الاصطناعي ينحاز للكنزية)، وذلك من خلال العمل على المسارات التالية:
فرض ضريبة بنسبة 90% على جميع التحويلات والمدفوعات الخارجية حتى تصبح جميعها داخل الدولة.
الأموال التي ستتراكم، يجب أن تُستخدم لتمويل الرعاية الصحية المجانية، والبنية التحتية، والتعليم المجاني، في وصفة هي خليط بين المقاربتين التنمويتين الرأسمالية والاشتراكية.
تقليص مدة الانتخابات إلى سنة واحدة. وإذا لم ينفق السياسيون الأموال على الصحة، والبنية التحتية، والتعليم المجاني، فسيتم استبدالهم بسياسيين آخرين وبأفكار جديدة.
دعم جميع برامج تدريب الذكاء الاصطناعي، والمشاريع المجتمعية، والدخل المرتفع الشامل، والبنية التحتية، إلى أن يتم إنفاق جميع الأموال في التوظيف الكامل ضمن اقتصاد دائري.
د. محمد الصياد *
أعلن مسؤول في البيت الأبيض يوم الجمعة 20 فبراير 2026، أن الرئيس دونالد ترامب سوف يزور الصين خلال الفترة من 31 مارس إلى 2 إبريل 2026، للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، في خضم حرب جمركية بدأ الرئيس الأمريكي شنها ضد بكين منذ عودته للبيت الأبيض مطلع 2025.
كانت البنوك والمؤسسات المالية الصينية قد تلقت مؤخراً توجيهات الحكومة الصينية بالتخلص التدريجي من سندات الخزانة الأمريكية وعدم الاكتتاب في إصداراتها الجديدة، لذا فإن من المرجح أن يكون الطلب من الرئيس الصيني مواصلة بلاده شراء سندات الخزانة الأمريكية لمنع تقطع دورة الاقتصاد الأمريكي المستمرة بفضل حصولها على التمويل الثابت من المشترين الأجانب، وفي مقدمتهم اليابان وبريطانيا والصين، لسندات الخزانة الأمريكية وأن يكون هذا الطلب على رأس مواضيع جدول الأعمال التي سيناقشها الرئيس ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
يُدرك الفريق الاقتصادي في إدارة الرئيس دونالد ترامب خطورة الوضع الذي يشكله عبء الدين الأمريكي المتراكم، الذي وصل حتى الثالث من ديسمبر 2025، بحسب اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونجرس الأمريكي، إلى 38.40 تريليون دولار، بمعدل 6.12 مليار دولار يومياً، ويبدو أن الحيلة قد أعيت هؤلاء المستشارين الاقتصاديين، وهم يبحثون عن حلول سريعة وغير مكلفة للتخلص من عبء هذا الدين، ومنها خفض سعر الفائدة، أو إدخال عملة مستقرة (Stable coin) مربوطة بالدولار، أو العمل على إحلالها تدريجياً، إلى جانب بعض العملات الأمريكية الأخرى المشفرة، محل عملة (الدولار) التي استنفدت قيمتها الحقيقية بسبب انكشاف أغطيتها الذهبية وغير الذهبية، فكان أن أسدوا النصح للمستوى السياسي الأعلى، بعد أن أقروا باستحالة التهرب من سداد هذا الدين، آخذين في حسبانهم فرضية استمرار متوسط معدل النمو اليومي للاقتراض على مدى السنوات الثلاث الماضية، ليرتفع سقف الدين العام الأمريكي إلى حوالي 39 تريليون دولار بحلول 6 مارس 2026، وإنه بهذا المعدل، سيتم تحقيق زيادة قدرها تريليون دولار أخرى في غضون 157 يوماً تقريباً، بأن يتم العمل على مسارين: ضمان استمرار الدول في شراء سندات الخزانة، وفي نفس الوقت دعوة الجمهور للاكتتاب «طواعيةً» في سداد هذا الدين.
في المحصلة، هناك أربع طرق لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي: زيادة النمو الاقتصادي، والبحث عن مصادر إضافية للإيرادات، وخفض الإنفاق، وتقليل مدفوعات الفائدة من خلال التخلف عن السداد، لكن الحكومة الأمريكية رست على خيار جديد «مبتكر»: جمع تبرعات طوعية من المواطنين (إضافة للضرائب التي يدفعونها) لخفض دينها الوطني، وهو ما أعلنته رسمياً وزارة الخزانة الأمريكية عن طريق مناشدة المواطنين لملء استمارة تحمل اسم «عطايا/تبرعات لخفض الدين»
(Gifts to reduce debt)، للمساهمة في الحملة الوطنية لسداد الدين، بالتبرع عبر إحدى طرق الدفع المبينة في الاستمارة، وهي حساب مصرفي (ACH)، حساب PayPal، حساب Venmo، بطاقة خصم أو ائتمان (Debit or credit card). وبحسب منشورات وزارة الخزانة الأمريكية، فإن قاعدة بيانات «عطايا/تبرعات خفض الدين العام»، سوف تتضمن إجمالي التبرعات الشهرية التي تتلقاها الوزارة، وإن هذه التبرعات، يمكن أن تشمل الأموال، وسندات الادخار، والأصول والممتلكات التي يمكن بيعها وتسييلها، ويمكن أن تأتي التبرعات من المواطنين الأحياء أو من تركة ووصايا المواطنين الذين توفاهم الله.
هذه بالتأكيد قفزة في الهواء من علو شاهق، وارتداد غير مسبوق في مذهب الاقتصاد السياسي للرأسمالية الأمريكية. فالدولة التي نصّبت نفسها محركاً للاقتصاد العالمي، والتي لطالما ألقت محاضراتها على العالم حول ضرورة التقيد ب«الانضباط المالي»، والتي ما انفكت «تجازي» الدول على «سوء» إدارتها المالية، إذا بها اليوم في وضع من يطلب تبرعات طوعية من مواطنيها لسداد دين يتعاظم على مدار الساعة، فكيف لها بعد اليوم أن تواصل ترويج سياسة التقشف في الخارج والتبذير الإنفاقي في الداخل؟! ثم إن توقيت العملية، لافت بشكل وضّاء، فالحكومة نفسها التي جاءت بأرمادتها إلى الشرق الأوسط لإشعال حرب جديدة، ليس من أجل رفاه مواطنيها، وإنما استجابة لطلب دولة أخرى تتلقى دعماً حكومياً ضخماً مجانياً، كيف لها أن تبرر تدبير الأموال دائماً لشراء الأسلحة من المقاولين المحليين وتمويل الحروب الخارجية، لكن ليس للميزانيات العمومية؟
السؤال الآن: هل ينجح هذا المسعى؟ ربما، وربما لا. سنناقش ذلك في المساحة المقبلة.
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية
د. محمد الصياد*
الانكشاف الاقتصادي والمالي يعني التعرض إلى مخاطر نتيجةً لتقلبات غير متوقعة في السوق، لاسيما تقلبات أسعار العملات التي تؤثر في التدفقات النقدية والأرباح وقيم الأصول في المستقبل. كما يعني التعرض لمخاطر استراتيجية طويلة الأجل تؤثر في القدرة التنافسية. الاقتصاد الأمريكي في عام 2026، مرشح لمواجهة ما يُعرف ب«الازدهار والركود» (Boomcession)، أي النمو الاقتصادي المصحوب بتباطؤ في التوظيف، الذي سوف تتجسد مظاهره في: فقاعة ديون المستهلكين والأسر التي بلغت (من دون احتساب ديون الاسكان)، مستويات قياسية (نحو 5 تريليونات دولار في عام 2025)، مدفوعةً بالاقتراض عبر بطاقات الائتمان، فضلًا عن تزايد الضغوط التضخمية نتيجة للسياسة النقدية الجديدة التي سيتبعها مجلس الاحتياطي الفدرالي (بالنسبة لسعر الفائدة خصوصاً) في ظل رئيسه الجديد كيفين وارش.
شركات التكنولوجيا تخاطر بالانكشاف المالي مع اندفاعها المحموم نحو مزيد من القروض لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، من خلال الإصدارات السندية الضخمة التي باتت تثير المخاوف بشأن احتمالات التخلف عن السداد وفجوات التمويل، لتُضيف هي الأخرى فقاعة جديدة اسمها فقاعة الذكاء الاصطناعي.
حرب التعرفات الجمركية التي أطلقتها إدارة الرئيس ترامب، لها انعكاساتها على الواردات وعلى انكشاف المخزون السلعي للشركات، الذي يجد تجسيداته جزئياً في تباطؤ سوق العمل واحتمال ارتفاع نسبة البطالة إلى 4.5% بحلول نهاية العام الجاري (2026). التضخم البالغة نسبته حاليا 2.8%، مرشح هو الآخر، في ظل السياسة النقدية الجديدة للفيدرالي، الى الانفلات.
هذا ليس كل شيء. هناك ما هو أكثر تجذراً لهذا الانكشاف ولهذه الفقاعات. إنه الانقلاب في هيكل الاقتصاد، من اقتصاد انتاجي حقيقي الى اقتصاد ورقي. فقد أصبح واضحاً لكثير من الاقتصاديين في أمريكا وخارجها، بأن خلق الثروة في الاقتصاد الأمريكي مدفوعٌ بشكل متزايد بالهندسة المالية، مثل إعادة شراء الأسهم وإعادة هيكلة الديون، بدلًا من الاستثمار الجديد المُنتج. تتجاوز القيمة السوقية للشركات المدرجة في البورصات الأمريكية القيمة الدفترية لأصولها المادية بنسب عالية جدّاً، ظاهرة تفاقمت مع ازدياد الشركات التي تعتمد على الأصول غير المادية. وقد بيع متوسط أسهم مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، مؤخراً بأكثر من أربعة أضعاف قيمتها الدفترية. وبالنسبة لشركات مثل أمازون، فقد تتجاوز قيمتها السوقية من 6 إلى 12 ضعف قيمتها الدفترية (الأصول مطروحاً منها الالتزامات).
البروفيسور والخبير الاقتصادي الأمريكي مايكل هدسون، يؤكد بأن «الاقتصاد المُمَوّل»
(Financialized economy)، أي قطاعات التمويل وأسواق المال - يشكل القطاع المهيمن والمتزايد هيمنةً في الاقتصاد الأمريكي، بحيث تتجاوز حصته في اجمالي الناتج المحلي 40%. هدسون يفند البيانات الحكومية الرسمية التي تقول إن حصته تراوح حول 22% من الاجمالي. فيقول إن الإحصاءات الحكومية للناتج المحلي الإجمالي تُدرِج بشكل خاطئ دخل «الريع» أي الفوائد، ورسوم التأخير، والريع المالي ضمن الإنتاج، بينما يعتبرها هو «مدفوعات تحويلية» أو استغلالًا للاقتصاد الإنتاجي. فهو يدرج العقارات والتأمين ومدفوعات الفوائد ضمن اقتصاد التمويل والمبايعات والمضاربات المالية. مع تشديده على أن الاقتصاد الأمريكي برمته قائم على الديون. فديون الرهن العقاري تستنزف أكثر من 30-40% من متوسط مداخيل الأسر والأفراد، فتتدفق هذه الأموال إلى البنوك بدلًا من استثمارها في السلع الاستهلاكية أو الاستثمارات الإنتاجية. وإن الاقتصاد المالي يواصل تسببه في تراجع الصناعة في الولايات المتحدة من خلال إعطاء الأولوية لمكاسب رأس المال (إعادة شراء الأسهم) على الاستثمار في الإنتاج.
الانكشاف يطول الميزانية الفدرالية الأمريكية التي تسجل عجزًا مزمنًا (قُدِّر العجز فيها في السنة المالية 2025، بحوالي 1.9 تريليون دولار. وهو يشكل حوالي 25% من إجمالي الإنفاق الفيدرالي). والانكشاف يطول أيضاً ميزان التجارة الخارجية في السلع والخدمات، الذي يواصل تسجيل عجز تواتري، حيث بلغ في عام 2025,901.5 مليار دولار، بنسبة عجز تبلغ نحو 21%. أيضًا، من علائم الانكشاف، أن الديون الأمريكية المستحقة للدائنين المحليين والأجانب تفوق طاقة الاقتصاد على توليد الناتج المحلي الاجمالي سنوياً بنسبة تقارب 40%.
لهذا يجادل مايكل هدسون بأن دخل «الريع» هذا، لا يجعل الاقتصاد الأمريكي أكثر ثراءً، بل يحول الدخل من الاقتصاد الإنتاجي إلى القطاع المالي، مما يساهم في «انهيار بطيء» (Slow crash).
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية
د. محمد الصياد *
كثيرون وصفوا ما يحدث للذهب والفضة بأنه ضربٌ من الجنون، أو اللامعقول على أقل تقدير. الذهب كسر حاجز الـ5000 دولار (5294 دولاراً في 28 يناير 2026). فقد قفز في غضون 4 أشهر فقط من 4000 إلى أكثر من 5000 دولار. الفضة أيضاً تجاري الذهب في سرعة ومعدل الارتفاع، ووصل في نفس اليوم إلى أكثر من 113 دولاراً للأونصة الواحدة، وهو الذي كان يُتدَاوَل مطلع عام 2025 بحوالي 29 دولاراً للأونصة. أي أن سعره تضاعف في غضون 12 شهرًا فقط، حوالي أربع مرات. الذهب والفضة من الأصول الأساسية في أسواق السلع العالمية، ويتم تداولهما على نطاق واسع في البورصات، باعتبارهما وسيلة لتنويع المحافظ الاستثمارية وللتحوّط ضد تقلبات العملات والتضخم. ويتم تداولهما إما في صورة سبائك مادية، أو في صورة مشتقات مالية بعقود ورقية آجلة.
النفط هو الآخر من أهم السلع المتداوَلة في أسواق السلع، سواء في الأسواق الفورية (التسليم الفوري) أو أسواق العقود الآجلة (اتفاقيات التسليم المستقبلي). دعك من الانخفاض الحاد والمفاجئ الذي حدث للذهب والفضة الجمعة 30 يناير 2026 (بنسبة 10 و30% على التوالي). فهذا انخفاض مرتبط بما يسمى الجانب الفني غير الاقتصادي لقوى السوق، أكثر من ارتباطه بالأساسيات الاقتصادية. أي أن صنّاع السوق والمضاربين، الذين يشيعون الأخبار ويوظفونها «للتدخل» في حركة التداول، هم من يقف وراء تلك الموجة التي هي أقرب لما يسمى التصحيح وليست انهيارًا. بشكل عام، مثل هذه الرياح لن تغير حقيقة أن الأصول المادية وليس الورقية هي التي تسيطر، وستسيطر إلى حين، على أسواق السلع التي تشهد إحدى أزهى فترات صعودها «Bull market» (فترة منتظمة من ارتفاع أسعار الأصول بنسب تزيد على 20%، وهي أقوى من فترات الأسواق النزولية Bear markets).
لما كان ذلك، فإن السؤال التالي يطرح نفسه: هل يلحق النفط بالذهب والفضة؟ الجواب، ولم لا، فهو لا يقل أهمية عنهما في مصفوفة أسواق السلع، الفورية والمستقبلية. ومادام الذعر من مخاطر انفجار فقاعة الديون العالمية، لاسيما الدين الأمريكي البالغ 38.57 تريليون دولار والمتجاوز لطاقة الإنتاجية الكلية للاقتصاد الأمريكي (إجمالي الناتج المحلي السنوي البالغ حوالي 31 تريليون دولار)، ومخاطر انزلاق الدولار إلى ما لا تحمد عقباه، ومخاطر انفجار فقاعة الأسهم في البورصات الأمريكية – فإن اندفاع البنوك المركزية، وتكالب المستثمرين، على اقتناء الأصول المادية «Physical assets» (الذهب والفضة والمعادن النفيسة الأخرى)، وشراء وتخزين سلعة استراتيجية مثل النفط، والتخلص من الأصول الورقية – يصبح مفهوماً ومبرّراً في ظل هذه السوق الصاعدة للسلع.
بعض محللي أسواق السلع والأسواق المالية يتنبأون بأن يكون النفط السلعة التالية بعد المعادن النفيسة، المرشحة للصعود التاريخي. هؤلاء يعتقدون أن تسعير النفط، مقارنة بتسعير المعادن ليس رخيصًا فحسب، بل يكاد يكون مجانيًا في الوقت الحالي. بعضهم وضع سعراً جديداً لبرميل النفط يتراوح ما بين 250 و300 دولار، وبعضهم قال إن النفط يشهد حاليًا نمطًا صاعدًا سوف يمتد لأربع سنوات ونصف، وإن سعره المستهدف سيكون 369 دولاراً. ويذهب آخرون للقول بأن معظم الناس يجهلون ما يخبئه المستقبل، وإن وصول سعر برميل النفط إلى 300-400 دولار، ليس مستحيلاً. ونتذكر أن السعر كان قد بلغ قبل جائحة كوفيد 147 دولارًا.
بالعودة للأساسيات الاقتصادية، فإن النفط هو واحد فقط من مصادر الطاقة، له بدائل منافسة مثل الطاقة المتجددة والفحم والغاز. الأخير يعد بديلاً جيدًا بشكل خاص.
الحكومية الصينية، قبل أيام، طالبت بنوكها بالتخلص من سندات الخزانة الأمريكية ووقف جميع عمليات الشراء الجديدة، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض الأمريكية وتفاقم أزمة الدين الوطني الأمريكي، بما يعد أول إشارة مهمة على عدم الثقة في المحافظ الجديد للاحتياطي الفيدرالي. قبل ذلك بيومين خصصت مجلة الإيكونوميست البريطانية المقال الرئيسي في عددها الأسبوعي 7-13 فبراير 2026، لسمية العملة الأمريكية، حمل عنوانًا موحيًا: «الدولار الخطير»، مع تأكيد المجلة على أن «البنية المالية القديمة تنهار، وإن الدولار كأصل Asset، لم يعد ملاذًا آمنًا، وإن العملة الأمريكية نفسها أصبحت سامة».
*خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية