عندما يقوم الاقتصاديون بفحص أي مشكلة فإنهم يتعرضون لبعض الصعوبات التى لا يتعرض لها الباحثون في التخصصات العلمية الأخرى، وهي أنهم لا يستطيعون عمل اختبار في المعمل وبظروف مشابهة يمكن التحكم فيها . وبمعنى آخر لا يمكن أن نقوم مثلاً بوضع الناس والأسعار في أنبوب معملي صغير وتدويره ومن ثم معرفة كيف يتصرف الناس عند ارتفاع الأسعار . ولكن يمكن للاقتصاديين معرفة بعض المعلومات حول العلاقات الاقتصادية التى تربط المتغيرات الاقتصادية ببعضها بعضاً وذلك بعمل ما يمس بالنموذج الاقتصادي القياسي، وهو في الحقيقة تمثيل للواقع وبافتراضات محددة . في أغلب الأحيان يقوم الاقتصاديون باستغلال النموذج الاقتصادي للحاسبات الآلية (نموذج الاقتصاد القياسي) في التنبوء بالنتائج الاقتصادية الرقمية للسياسات الاقتصادية الحكومية، خاصة في الدول المتقدمة، حيث يتم استغلال المئات من المتغيرات الاقتصادية والمعادلات التي توضح السلوك الاقتصادي التجميعي لملايين للأفراد والمؤسسات الإنتاجية والتي تستعمل الحاسب الآلي في استخراج النتائج . ويمكن للاقتصاديين إجراء بعض الاختبارات بهذا النموذج لزيادة معرفتهم بكيفية عمل العالم من حولهم . وذلك بعمل تغيرات في بعض الأجزاء ومن ثم يمكنهم معرفة تأثير ذلك في الناتج . وبهذا يمكن عمل اختبار بسيط لمعرفة تأثير بعض السياسات من دون الخضوع لاختبار حقيقي وفي الواقع الفعلي . وهذا يعني تكوين نموذج اقتصادي وذلك بعد وضع افتراضات عامة والتركيز على الخصائص الرئيسية التي نسعى لمعرفة نوع العلاقات التى ترتبط بها . وقد يكون من الصعب للقارئ أن يستوعب كيف يمكن تخطي أو نسيان بعض الخصائص التى يعمل بها العالم من حولنا وهي موجودة وحيوية ولكن لايعدو أن يكون الأمر هو محاولة لوضع العلاقات الرئيسية فقط دون التعرض للتفاصيل الدقيقة .

ومن تلك العلاقات يمكننا عمل توقعات حول التغيرات في الناتج التى يمكن أن تحدث إذا كانت هنالك بعض التغيرات في المعطيات أو في بعض المتغيرات التى نود التأثير فيها في سياساتنا مثل فرض ضرائب أو تغيير فئات الضرائب مثلا وتأثير ذلك في معدلات الاستهلاك وفي الإنتاج في جميع القطاعات .

ويعيب هذا النموذج أنه غير محسوس ويكون فقط في الورق أو في العقل، كما أن الناس في المجتمع الاقتصادي ليسوا كآلات ويصعب في كثير من الأحايين التكهن بما يمكن أن يقوموا به في حالة تغيير السياسات التى تؤثر فيهم . التغيير في السياسات الاقتصادية يؤدي إلى تغيير التصرفات والسلوك الاقتصادي للأفراد في المجتمع الاقتصادي، مما يجعل المستقبل مختلفاً عن الماضي . بما أن نموذج الحاسب الآلي لقياس آثار السياسات عبارة عن مجموعة معقدة من المعادلات الاقتصادية في الماضي والتي تلخص العلاقات بين المتغيرات الاقتصادية لملايين الأفراد والمستثمرين بالإضافة إلى أحداث خارج نظام تحكم الأنموذج لتستغل في تنبوءات السلوك الاقتصادي للسياسات الجديدة، هذا يعني أننا عندما نستعمل هذا النموذج لتقييم النتائج للسياسات الحكومية نقوم بافتراض أن المستقبل كالماضي وأن العلاقات السائدة لا تتغير بتغير السياسات . إذا لم يكن هذا صحيحاً فإن النتائج ستكون مغلوطة .

لكن السؤال لماذا، عندما يكون هنالك تغيرات في السياسات الحكومية الكلية، تتغير بالتالي هيكل التصرفات التاريخية أو الماضية للأفراد؟ لنكن اكثر وضوحاً هل سيحتفظ الفرد المستهلك مثلا بنفس المعطيات الاستهلاكية (كنسبة الاستهلاك للدخل) في حالة تغير دخله نتيجة للسياسة الحكومية الجديدة؟ إذا كان نقصان الدخل مثلا في معادلة الاستهلاك القومية بوحدة مالية واحدة يعني أنه وفي المتوسط سوف تؤدي إلى نقصان الاستهلاك بمعدل 25 في المائة هذا النقصان في الدخل (أي ربع الوحدة المالية) .

نتائج النموذج الذي يعتمد على هذه النسبة بين الاستهلاك والدخل الناتجة من هذه المعادلة في تحليل أثر السياسة التي تقوم بخفض الدخول للأفراد في الاقتصاد ستعطى نتائج خاطئة أو غير دقيقة على أحسن الفروض نسبة لان الأفراد ربما يقومون بتغيير سلوكهم الاستهلاكي نتيجة لدخول السياسات الجديدة، وربما يخفضون الاستهلاك بأقل أو أكثر من 25% من انخفاض الدخل .

ومهما يكن من نقد لهذا النموذج إلا أنه لايزال أداة متوفرة وذات قيمة كبيرة لتحليل الأوضاع الاقتصادية من حولنا في حالة حدوث بعض التغيرات في السياسات الاقتصادية . ويمكننا اختبار النتائج التي تأتي من هذا النموذج وذلك بالنظر للبيانات الاقتصادية وفي هذه الحالة يمكن المزاوجه بين النظر لهذا البيانات وبين وضع الافتراضات التى نريد التحقق منها . وبهذه الطريقة يمكننا وضع النموذج الذى يمكن أن يقدم لنا بعض التوضيحات لهذه البيانات .

كثير من الدول المتقدمة لها عدة نماذج اقتصادية ثابته تقوم الحكومات باستعمالها لفحص نتائج سياساتها قبل وضع هذه السياسات في أرض الواقع .

وربما ساعدت هذه المناذج إلى حد كبير على معرفة نتائج كثير من السياسات الاقتصادية واتجاهاتها بصورة معقولة ولكنها ليست دقيقة تماما .

نظرا لأن النتائج الحقيقية لأي سياسات تعتمد على متغيرات أخرى ربما تكون سياسية واجتماعية بالإضافة إلى المتغيرات الاقتصادية التى لم يشملها النموذج أو لا يعتبرها الاقتصاديون ذات أهمية كبيرة ولكنها يمكن أن تكون هامة للغاية على الأرض .

وعلى الرغم من الإمكانات المتوفرة لدينا والتطور والتعقيد الذي يشهده اقتصادنا من وقت لآخر فإننا نلاحظ عدم اهتمامنا بوضع نموذج يمكننا الرجوع إليه معرفة التأثير المتوقع لبعض السياسات .

وأرى أنه آن الأوان لكي يتم وضع نموذج قياسي ثابت وفعال ويفي بالغرض المطلوب حتى ولو كان نموذجاً غير معقد أسوة ببقية الدول المتقدمة .

* عميد الكلية الحديثة للتجدد والعلوم مسقط