يبدو أن الاحلام الوردية التي حقن بها الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي وسائد الجورجيين وأرائكهم لم تعمّر أكثر من ست سنوات. لكن عندما خرج الجورجيون في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2003 لوضع هذا السياسي الشاب على كرسي الرئاسة، لم يكونوا على علم مسبق، وهذا طبيعي، أن ثورتهم الوردية حركتها أحلام وردية من قادة يتقنون استخدام الورد والألوان الزاهية في خداع السمع والبصر.

في ذلك العام، وبعد بضعة أسابيع من وقوف آلاف المتظاهرين في الشوارع لارغام الرئيس السابق إدوارد شيفارنادزه على الاستقالة على خلفية اتهامه بالفساد، اقتحم ساكاشفيلي البرلمان وهو يمسك بوردة ويصرخ: شيفارنادزه استقل، وفعلها العجوز الذي أمضى آخر خمس سنوات وزيراً لخارجية الاتحاد السوفييتي في ظل بيريسترويكا غورباتشوف.

قبل بضعة أيام جاء دور شيفارنادزه ليوجه نداء إلى ساكاشفيلي: لو كنت مكانك لاستقلت. لربما جاءت ال لو هذه زائدة أو ساخرة، لأنه بالفعل كان مكانه واستقال بضغط الثورة الوردية التي فجرها ضده تلميذه.

الجميل في الشعوب الحية أنها هي نفسها التي تتحرك اليوم ضد من تحركت لأجلهم بالأمس، فإذا كان زعيم الثورة البلشفية قد قال قبل قرن من الزمن إن الجماهير تتعلم من تجربتها الخاصة، فإن الجورجيين الذين أتوا برئيسهم مدججاً بالوعود الوردية، منحوه مزيداً من الوقت ليثبت أن وعوده غيوم ممطرة وليست سحابات صيف في بلاد صيفها ضيف خفيف الظل.

وإن كان بعض السياسات الأقل صخباً يبعث الناس على التردد قبل استعجال النتائج ومحاكمة الوعود، فإن الحرب الكارثية التي جر ساكاشفيلي روسيا لشنها على بلاده العام الماضي، قد صعقت الخلايا الخدرة في أدمغة الجورجيين، وأضاءت أمامهم معنى أن يسلّم زعيمهم دماغه واسم المستخدم والرقم السري للولايات المتحدة فتجعله يعتقد أن الحرب مع الدب الروسي لعبة بلاي ستيشن.

الرئيس الذي درس الحقوق في الولايات المتحدة وعمل مديراً لشركة في نيويورك، لا يتورع عن الاعتراف بأن 90% من المجرمين المعروفين في روسيا جورجيو الأصل. وأن صادرات بلاده الرئيسية الى روسيا ليست الخمور، بل اللصوص والعناصر المجرمة، هكذا نقلت عنه روسيا اليوم.

وكان قد نفى بتفاخر، توقّف إسرائيل عن إمداد نظامه بالعتاد الأمني، وإذ اشتكى من مشاكل أعاقت تزويد إسرائيل الجيش الجورجي بطائرات استطلاع من دون طيار فإنه تفاخر، في الوقت ذاته، بأن شحنات معونات أمنية أخرى لم تتوقف.

لكن الحرب الغبية ضد روسيا انتهت بفضيحة أقلها سحق محاولته استعادة السيطرة على إقليم أوسيتيا الجنوبية بالقوة، وتفاجأ بتخلي الحليف الأمريكي عن الزعيم الشاب، فالمعارضة تتهمه بممارسة حكم استبدادي وخنق الاصلاحات الديمقراطية التي وعد بها شعباً نصفه من الفقراء. ومثلما تخلى عن معلّمه شفاردنادزه فإن كثيراً من حلفائه قد تخلوا عنه، ليس أهمهم مندوبه السابق في الأمم المتحدة ألاسانيا.

الطريف والغريب أن حكومة بحاجة لتذكيرها بأن هناك شعباً يعيش تحت قيادتها، تفطن فقط لآلاف الصحافيين فترسل لهم رسائل نصية تقول إن عدد المتظاهرين لا يتعدى 25 ألف شخص.