الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

العالم يتكيف مع التغيير

2 يونيو 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 2 يونيو 00:11 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يشهد العالم تغيراً جذرياً في كل شيء تقريباً، من السياسة، إلى الاقتصاد، إلى الأخلاق والقيم، وأغلب ما كان راسخاً وتستند إليه نظريات العلوم الإنسانية التقليدية. يعتمد شعور المرء بهذا التغير وإدراكه، على قدر ما يمس تفاصيل حياته اليومية، وهنا قد يتباين تقدير الناس لهذا التغيير. لكن ذلك لا ينفي أنه حقيقة واقعة، وأن البشر بدأوا، بالفعل، بالتكيف مع ذلك التغيير.
لم تعُد السياسة كما كانت، ويبدو ذلك واضحاً في ما تسمى «الديمقراطيات الغربية» التي تشهد تحولاً جذرياً، مع صعود تيارات وقوى هامشية لتحل محل القوى السياسية التقليدية التي كانت تنقسم إلى يمين، ويسار، ووسط. بدأ ذلك التغير منذ ثمانينيات القرن الماضي مع تركز الكل في «الوسط»، حتى كادت الفروق المميزة بين سياسات الأحزاب تختفي تقريباً. ونتيجة ذلك التركز ملأت الأطراف قوى صاعدة قادمة من الهامش، في مقدمتها ما يسمى «اليمين المتطرف».
تزامن مع هذا التحول الهيكلي في السياسة تغير مهم في الممارسة، حيث أصبحت الأعراف القديمة غير ذات أهمية، بل وينظر إليها أحياناً على أنها «عفا عليها الزمن». فلم تعُد النزاهة والصدق شرطاً لصعود السياسي، وحتى معايير تولي المناصب والوظائف العامة لم تعُد صارمة، مثلما كان سابقاً. كما أن الجماهير لم تعُد تجد غضاضة في شبهات تحيط بمسؤول أو سياسي، بل في بعض الأحيان أصبحت تلك أسباب الشعبية والانتشار.
وعلى الرغم من أن النخب التقليدية تطلق على هذه المتغيرات صفة «الشعبوية»، في محاولة لوصمها، إلا أن تلك التوجهات السياسية، بخاصة اليمينية المتشدّدة والقومية المتطرفة، وحتى اليسارية الراديكالية، تكتسب شعبية يوماً بعد يوم. طبعاً ستجد بعض المفكرين والمعلقين يلومون الجماهير العادية لأنها «تستسهل» وتشجع ما هو «مسطح»، و«غوغائي». لكن الحقيقة أن الجماهير تستجيب فعلاً لموجة التغيير تلك وتتكيّف معها.
ما يجري في الاقتصاد العالمي ليس مختلفاً كثيراً، فالتغيرات تترسخ ويقبل بها المستثمرون، وأصحاب الأعمال طوعاً أو كرهاً وكذلك الجماهير الأوسع. فالقطاعات التقليدية، مثل الزراعة والتجارة والصناعة، لم تعُد تحظى باهتمام المستثمرين. حتى القطاع المالي الذي شهد فورة ما بعد «الرأسمالية الصناعية» يخبو وهجه لمصلحة الاقتصاد الرقمي. وتتكيف الأسواق، بمتعامليها، مع هذا التطور الجديد، حيث شركات التكنولوجيا تمثل التركيز الأكبر لقيمة الأسواق حالياً. وتلك شركات لا تنتج شيئاً مادياً حقيقياً، لكنها تحقق أرباحاً وعائدات هائلة، استناداً إلى تغيير أنماط السلوك والاستهلاك لدى الجماهير. على سبيل المثال، شركة مثل «أمازون» أو «علي بابا»، تقوم بدور الوسيط بين البائع والمشتري، وتكسب ما يقارب نصف قيمة المعاملات، على الرغم من أنها لا تنتج شيئاً، ولا حتى «تتاجر» كما تسمى «تجارة إلكترونية»، إنما هي تقوم بعملية «سمسرة»، ليس إلا. كذلك تطبيقات مثل «أوبر» وغيرها، تكسب من صاحب السيارة ومن العملاء الذين يستخدمونها للتنقل، من دون أن تكون لديها أية أصول من أي نوع.
تلك المكاسب، التي لم تعُد مليارية بل تريليونية، تجعل العالم يركز أنظاره على هذا القطاع الرقمي، ما يؤدي إلى تدفق الاستثمارات على «الذكاء الاصطناعي»، و«الحوسبة السحابية»، و«مراكز البيانات الهائلة»، وغيرها.
تلك التغيرات في السياسة والاقتصاد تنعكس بوضوح على المجتمع، وقيمه، ومبادئه، وثقافته عموماً. فلم يعد العمل المادي العادي كما في الزراعة والصناعة وما شابه أولوية. وفقدت كثير من المعايير والأسس التقليدية أهميتها في ظل توجه عام نحو «تخفيف القيود والقواعد» على أنه «إصلاح».
في ظل هذا التغيير، السياسي/ الاقتصادي/الاجتماعي، تتغير كثير من المفاهيم والمبادئ وبالتالي يجري تعديل القوانين وغيرها، لتتسق مع النهج الجديد. وفضلاً عن أن تيارات اليمين المتشدد وغيره من القوى الهامشية التي تكاد تصبح التيار السائد لا تقيم وزناً لمثل «حقوق الانسان»، أو مبادئ مثل الحياد، والموضوعية، وعدم التمييز، فإن أغلب هذه التغيرات تحتاج إلى مزيد من «المرونة»، كي تستمر في التطور. وما تلك «المرونة» سوى التخلص من القديم، بكل تبعاته الثقافية والحضارية، لمصلحة جديد يتشكل لم تتضح معالمه بعد.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة