الحنين للطفولة وأماكن اللعب براءة أو الحنين للدراسة أو حقيبتك المدرسية أو أول قلم مسكته أو كتاب أو قصة اشتريتها من مصروفك، أو لعبة امتلكتها أو علقة ساخنة تلقيتها من معلمك أو زعيم العصابة في الحارة، أو الحنين للمرحلة الجامعية، التي لن تعود وتبقى ذكراها معك أبداً ما حييت. صفات جميلة يعاودك الحنين إليها وتراود ذكراك بشكل شبه يومي حتى وإن شغلتك هموم الحياة، ويبقى حبها بداخلك، بعدت المسافة أو قربت، ما أجمل الحنين والعودة للأماكن التي كانت مهدك الأول.
عديدة هي الأماكن التي تربط الأصوات بالأماكن، فكلما استمعت إلى إمام الحرم عبدالرحمن السديس استحضرت مكة وأداء مناسك الحج والعمرة، ارتبطت العديد من الأصوات الأخرى كصوت أم كلثوم بسيدنا الحسين وضفاف النيل، وارتباط صوت فيروز بالوطن الذي لا تخلو منه أغلب المطاعم العربية في العالم، ويشدك الحنين إلى ربوع لبنان أو شوارع بيروت كلما استمعت لأغنية أعطني الناي وغني أو حبيتك بالصيف وحبيتك بالشتا، حيث الحنين لأشجار الأرز والجبال المغطاة بالثلوج، وكلما استمعت لموسيقا منامور اشتقت لشارع الشانزليزيه أو موسيقا وأغنية يستردي لفرقة البيتلز استمتعت بالمشي بحديقة الهايدبارك عند المغيب أو تستمع لإحدى قصائد نزار قباني وشوارع العرب بلندن كأجورود أو عندما تشم رائحة الزعفران والعود والدهن، يأخذك الحنين لمدينة بومباي، أما العطور الباريسية فتتذكر شوارع التسوق في باريس ويأخذك الحنين للصعود لبرج إيفل لتراقب باريس النائمة عبر الضباب في أواخر فصل الشتاء وتشم العطور التي طالما استمتعت بها.
من الأعمال التي تثير الحنين في النفس قصيدة الأماكن التي تغنى بها محمد عبده، وقال الأماكن كلها مشتاقة لك، أو فيروز عندما أنشدت زوروني كل سنة مرة لتعطيك دافعاً للزيارة، وفيلم حبيبي دائماً وتنقل الفنانة نجلاء فتحي من مصر إلى لبنان ثم سوريا بعدها المغرب، بحثاً عن حبيبها الفنان نور الشريف ولحظات هروبها من الحاضر إلى الماضي، وذكريات الحب الأول وموسيقا الياس الرحباني التي أعطتها الدافع للبحث عن الماضي الجميل والحنين للعودة إليه.