كنا عائدين من الكويت إلى الشارقة في منتصف عام 1973، وفوجئت بعبارة «ابتسم أنت في الشارقة»... في ذاك الوقت أحسست بشعور جميل غمرتي بتفرّد هذه الإماره بهذا اللقب.
ثم فوجئت بأن صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، كان وما زال يسعى إلى إعطاء الجمهور الكريم في الإمارات عامة، والشارقة خاصة، ويحاول أن يجعل الشارقة منارة ثقافية ليعطيها الأمل ببثّ روح الحياة الثقافية.
وكنا في تلك المرحلة نحاول أن نتعاقد مع عدد من المكتبات في الشارقة، لتسهم في إبراز معرض كتاب مصغر في «مدرسة ثانوية الشارقة بنات» في أوائل الثمانينات، ومنحتني الشيخة مهرة بنت سعود القاسمي، مديرة المدرسة، لقب مشرفة ومسوؤله عن المكتبة المدرسية، وهذه الأجواء شارك فيها معنا صاحب السموّ حاكم الشارقة، وبارك لنا ومنحنا هذه الخبرات.
وفي هذا العام بادرت الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، المؤسسة والرئيسة الفخرية ل«جمعية الناشرين الإماراتيين»، بإطلاق حملة «اقرأ أنت في الشارقة»، وتهدف إلى تعزيز ثقافة القراءة، وتعزيز سمعة الشارقة، لأنها العاصمة الثقافية للعالم العربي عام 1998.
وتحتفل الحملة بتثمين الشارقة للكتب والمعرفة، والعاصمة العالمية للكتاب عام 2019.
حملة «اقرأ أنت في الشارقة» ليست غريبة على من أطلقتها، فهي متخصصة في نقل ثقافة كتب الأطفال واليافعين، وعبر دار نشر «كلمات». وتقف وراء تأسيسها فكرةٌ سامية مفادُها بأن من حقّ الأطفال واليافعين أن يكونوا قادرين على القراءة، والحصول على مصادر الثقافة والمعرفة.
وعندما التقينا مجموعة من الأطفال، أبدوا استعدادهم للتعامل مع حملة «ثقافة التميّز بلا حدود»، وقراءة 50 كتاباً، لتبدأ معهم رحلة التأليف. وفي ظل هذا الإبداع بقي أطفالنا من عمر 5 سنوات فما فوق، يصلون إلى التأليف نتيجة هذا التميز.
إطلاق مشروع «اقرأ أنت في الشارقة» يحمل مبادرات ومشاريع تلهم الشباب وتجذب انتباههم إلى الكتاب بطريقة تحاكي اهتماماتهم، وتغذّي شغفهم تجاه اكتساب المعرفة، وتوسيع مداركهم.
«كوّن كونك» شعار جميل اتخذته «هيئة الشارقة للكتاب»، للتعريف بمهرجان الشارقة القرائي ال 13 للطفل، ليبرز مواهبه وابتكاراته في هذا المهرجان الذي يستعد له الأطفال والأساتذة.
أكمل المهرجان دورته الثالثة عشرة، ويتعرف فيه الأطفال إلى ما تضمّ، بفضل من الله، ثم بفضل صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وقرينته سموّ الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، والشيخة بدور القاسمي، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمجموعة «كلمات»، وما أبدوه من اهتمامهم بالطفولة وما تحتاج إليه في المعرفة والتزوّد بكل أنواع الكتب.
من هنا يبرز لنا دور القيادة الحكيمة والرشيدة في الاهتمام بالطفل إلى أن يصبح رجلاً أو امرأة، مهيّأين لخدمة المجتمع في أي مجال كان.
الأطفال يرسمون ويكتبون ويصبح لهم حضور، بالمحاورة وإبداء الرأي، خلال مهرجانهم، ويتعرف الزائر إلى الأطفال ونشاطهم وموهبتهم، وابتكاراتهم، من عمر الثانية فما فوق. وبهذا فقد أعطي المجال ليكون واحداً من مبدعي «مقهى المبدع الصغير»، سواء كتّاب أو رسامّون أو شعراء، أو منشدون أوطهاة أو رياضيون، أو في مجالات الابتكارات والعلوم، أو يكون مبدعاً متميزاً.
أول مرة رأيته في حياتي، كانت أثناء حفلة تخريج طالبات دفعة 1983 في «ثانوية الزهراء» في الشارقة وأجاب عن أسئلتنا وأعطانا نصائحه الأبوية لما بعد التخرج.. فضلاً عن تشريفه دورات معرض الكتاب، منذ انطلاقته الأولى، الذي أعطى انطباعاً، إن شاء الله، بأن هوية الشارقة ستبقى مع الأيام ثقافية عربية إسلامية، وأصبح الكتاب هوية عاصمة الثقافة.. وها هي اليوم تكمل عام الأربعين وأصبحت من أكبر المعارض العالمية في الكتاب وتزدان بهندسة سلطان للإمارة في كل المجالات.
سلطان عانق السحاب وفجر الجبال وغاص في البحار، ليرمّم محميات القرم ويجعل من المناطق الشرقية أعجوبة في الخيال وأصبحت للمسارح العربية والخليجية هوية، وتعرض وتكرم في أي مكان من العالم عربياً ودولياً، وتمتزج بروح سلطان.
خمسون عاماً لم يغفل الوالد سلطان عن الأسرة في الشارقة، فشكل لها منازلها ووضع لها الخطة الاستراتيجية بكل أنواع التنمية المستدامة، وحرص على أن تكون بأفضل معايير الجودة.
وفي هذا العام تلمّس حاجات أبنائه، وأعطى عطلة أبوية لكل أبناء الشارقة لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع، الجمعة والسبت والأحد.
في عيد والدي الخمسين على حكم الشارقة، ومهما خطت أيدينا وكتبنا، فسلطان الشارقة تكتب عنه وعن حياته آلاف المجلدات.. أمدّك الله بالصحة والعافية وأدام عليك المودة والسرور والنعمة التي شملتنا بها، وبرفقتك جواهر الخير والعطاء.. صاحبة الأيادي البيضاء في كل الدنيا..
نعدك يا والدنا بأن نظل أوفياء لك وللشارقة.
عندما قررت الذهاب مع عائلتي إلى السينما لمشاهدة الفيلم الإماراتي «الكمين» الذي حاز إعجاب الملايين، لم أكن أتصور أنني سوف أجهش بالبكاء أثناء متابعتي للأحداث المتلاحقة للفيلم الذي يسلط الضوء على وقائع قصة حقيقية، لإنقاذ مجموعة من الجنود الإماراتيين، الذين علقوا داخل كمين في وادٍ جبلي، تحت حصار عناصر من المتمردين، مجسداً قصة مجموعة من الجنود الأبطال الذين سطّروا أروع قصص الشجاعة والبطولة والأخوة في أحلك الظروف.
قبل عدة شهور انبهرت بالفيلم السينمائي التاريخي «خورفكان» ومستوى إنتاجه المميز، وشعرت بأن هذه النوعية من الأعمال تعد مؤشراً على سينما إماراتية تتجهز للعالمية، ونفس الشعور انتابني وأنا أشاهد «الكمين» الذي يشارك فيه طاقم عمل مؤلف من 400 فرد، يشمل النجوم الإماراتيين الذين أدوا كافة الأدوار الرئيسية والثانوية في الفيلم، بينهم عناصر نسائية أجادت التمثيل ومنهم مهيرة عبد العزيز التي أشارت إلى شعورها بالفخر لمشاركتها في الفيلم.
تجسيد أدوار الضباط والجنود على الشاشة ليس بالأمر السهل، لكن أبطال العمل نجحوا في ذلك بالعزيمة والإرادة؛ وذلك ما لمسته من خلال تصريحات إعلامية للفنان مروان عبدالله صالح الذي يجسّد شخصية الشهيد الرقيب علي المسماري، وجاء فيها: «أضاء العمل على جانب من بطولات جنود القوات المسلحة، 95% من المشاركين في الفيلم أصدقاء منذ أكثر من 20 عاماً، والنسبة الغالبة في الفيلم من شباب المسرح المعروفين بأدائهم الصادق، وبدأنا جميعنا التدريبات اللازمة لفترة تعلمنا فيها أشياء كثيرة عن الحياة العسكرية ومميزاتها الإيجابية، وبالفعل نجحنا في توصيل الرسالة، وأن هذا الجيل قادر على صناعة سينما إماراتية قوية، والكمين بداية لتلك الصناعة».
تبتسم إمارة الشارقة مرحبة بعرسها الثقافي الأربعين، والمتمثل في معرض الكتاب، والذي أصبح الأول عالمياً في بيع وشراء حقوق النشر، وكانت قد حصلت قبل ذلك على لقب عاصمة عالمية للكتاب 2019، وأصبحنا نحن أبناء الإمارات، نتغنى بحب الكتاب وننشد ألحاناً. وفي هذه الأيام التي كلما هلت علينا نستذكر الأيام السابقة، وكيف مرت علينا بحلوها و مرها، وها نحن اليوم نحضر ونذهب إلى المعرض بعد أن كانت جائحة كورونا قد خيمت بأجوائها، ولكن بإصرار القائمين على المعرض تم تنظيمه بنجاح خلال العام الماضي.
ما زلنا نستذكر مرور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وهو يتفقد الأجنحة قبل افتتاح دورة العام الجاري بيوم ويبدي ملاحظاته وتوجيهاته، وكانت كلماته دافعاً لنا لكي ننتظم في الحضور يومياً في تلك الأجواء الثقافية التي تعرفنا من خلالها إلى دور النشر والكُتاب والمفكرين والإعلاميين، فضلاً عن الحرص على المشاركة في الفعاليات الثقافية.
وطوال السنوات التي عشناها في حضرة المعرض تعلمنا منه أن الكتاب ليس لقراءة ما بين السطور وحسب، ولكن هناك أيضاً المؤلف الذي كتبه ودار النشر التي أصدرته، وفي هذه الدورة لي عدة إصدارات، منها «العزف على أوتار الغيوم»، وهو مقالات كتبتها عندما فقدت البصر، لكن الله سبحانه وتعالى منحني الصبر في أن أكتب هذه المقالات المنشورة في عدة صحف داخل الدولة وخارجها.
خورفكان، عروس الساحل الشرقي، ازدادت بهاءً وحُسناً بتتالي الإنجازات التي يحرص صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، على تدشين مشروع إثر مشروع، من أسفل البحر إلى أعلى قمة الجبل، فباتت لوحة خورفكان تتضح معالمها من منتصف اللوحة إلى خارج إطار الصورة، لأن توجيهات سلطان بالإبداع والإبهار تمتد كريشة من قاع البحر إلى 600 متر فوق قمة الجبل.
في هذه الأجواء الصيفية من شهر يوليو، تلخصت رؤى الوالد سلطان الإبداعية، في إقامة مشروع جبلي، فأخذت الغيوم تتهادى وتعزف سيمفونية الفرح وتطلب المزيد. وأصبحت السحب تتراقص على المبنى فرحة وتقول للجميع ابتسموا أنتم في خورفكان الساحرة، لوحة السحب تمازجت بمطر «الروايح» في فصل الصيف، نتج عنه الإبداع بمرور كمية من السحب للاستراحة، والمطر ينهمر عليها. وهذا الإبداع الإلهي أعطى منظراً خلاباً تمازج برؤية أمطار الخير ولوحة بديعة من السماء تنظر فيها بين الشرفات من الأعلى إلى أسفل قرب البحر، وتعطي منظراً يدفعك إلى حمد الله سبحانه وتعالى، على هذه المناظر الخلابة التي تخيلها الشيخ سلطان، وأخرجت لنا هذا المنظر الساحر.
عندما هلّ عيد الأضحى المبارك، وافتتحت استراحة السحب أجواءها للجمهور فتحدثت اللوحة الفنية بمزيد من الفخر وهي تقول لهم: هلموا إليّ في عزّ الحر.. ولكن الحرارة انخفضت درجاتها، وبدأ الأطفال يلعبون ويمرحون، وهم في أعالي الجبال والأسرة تتبادل أحاديث المودّة، مع احتساء القهوة والشاي، أو تناول الطعام، وتتمنى أن تقضي مزيداً من الوقت وسط هذه المناظر، وعندما يرفعون أبصارهم، ستقول لهم السحب: ابتسموا فهذه الأجواء الخلّابة لا تبعث إلا الفرح، وفي شارقة البسمة لا نملك إلا الابتسام والتفاؤل، بأن أيامنا جميلة والقادم أكثر جمالاً، بإذن الله.