صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون خلال زيارتها الأخيرة لتركيا بالقول، إن واشنطن وأنقرة تدرسان جميع الخيارات اللازمة لمساعدة القوات المناهضة للنظام في سوريا، بما في ذلك إقامة منطقة حظر جوي . إن ما ذكرته الوزيرة الأمريكية بشأن الخيارات اللازمة وتحديداً إقامة منطقة عازلة، يؤكد أن واشنطن وأنقرة تطرقتا إلى الخيارات التي من الممكن طرحها في القنوات الدبلوماسية العالمية، على الرغم من صعوبة تحقيقها بل واستحالة بعضها، و هي خيارات لا تتضمن تدخلاً عسكرياً مباشراً، اعتماداً على تصريحات المسؤولين الأمريكيين، وكذلك اعتماداً على مصادر حلف الناتو، والمصادر الإسرائيلية القريبة من الإدارة الأمريكية، بل إن الخيارات المطروحة والممكنة في رأي الأمريكيين والأتراك إذا ما تم الأخذ بها، تواجهها الكثير من المصاعب والتحديات، وربما تؤدي انعكاساتها وتداعياتها إلى نشوب نزاع إقليمي واسع، لن تتمناه واشنطن خصوصاً بعد معاناتها في العراق وأفغانستان، لاسيما أن مثل هذا النزاع لن ينحصر في إطاره الإقليمي والمناطقي، وإنما سيتسع ويمتد بحكم التحالفات الإقليمية والدولية، إلى نطاق عالمي قد يشكل خطورة بالغة على الأمن والسلم العالميين، في ظل مشكلات ماتزال عالقة بين واشنطن وحلف الناتو من جهة، وبين روسيا والصين وإيران من جهة أخرى . لا شك أن الخيارات اللازمة التي أفصحت عن تسميتها العمومية وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون، تعتمد في الحقيقة على الانتظار والترقب والتطورات التي تتعلق بمعركة حلب المشتعلة بين قوات النظام والقوات المناهضة إذا ما أريد لواشنطن وأنقرة تبني خيار (المنطقة العازلة أو الآمنة أو الحظر الجوي)، كرقعة جغرافية تبدأ من حلب وحتى الحدود التركية في الشمال، حيث يعتمد هذا الخيار على فرضية كسب هذه المعركة من قبل القوات المعارضة للنظام السوري، وهو أمر مستبعد قياساً لموازين القوى بين الطرفين، وإن كانت هذه المعركة في تطورها وحيثياتها، ستأخذ زمناً طويلاً في الحسم والنتيجة النهائية . وفي ظل هذا الواقع، فإن الوصول إلى مرحلة تدويل الأزمة، يظل أمراً مستبعداً، حيث لم يلحظ المراقبون وجود رغبة وجدية دولية لحسم الصراع بين النظام من جهة، والمسلحين المناوئين الذين يفتقرون إلى التنظيم العسكري والقيادة الكاريزمية، ناهيك عن الانقسامات التي تسود صفوفهم، وهو واقع لا يساعد على بلوغ مرحلة تدويل الأزمة وإقامة منطقة عازلة أو آمنة، ثم إن واشنطن والغرب عموماً يدركون المخاطر وردود الأفعال التي تنجم عن فرض هذه المنطقة .

وفي هذا السياق يقول السفير ريتشارد ميرفي المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى والسفير السابق لأمريكا في سوريا، في محاولة لتفسير الموقف الأمريكي والعوامل المؤثرة في محدودية الخيارات الأمريكية، إن إقامة تلك المناطق لا تتم بمجرد الإعلان عنها، ولكن إقامتها تقتضي فرضها بالقوة المسلحة وتوفير غطاء جوي لحمايتها، بل وربما وجوداً عسكرياً على الأرض لتوفير الحماية للمدنيين السوريين الذين يختارون اللجوء إليها، ولا يوجد تأييد شعبي أمريكي لمشاركة أمريكا في هذا التورط العسكري . ليس خافياً على أحد، أن تركيا بذلت الكثير من الجهود وما تزال تحض على إقامة منطقة عازلة بذريعة تدفق اللاجئين السوريين إلى أراضيها، حتى وصل بها الأمر في هذا الجانب، إلى الطلب من حلف الناتو الاضطلاع بهذه المهمة، على اعتبارها عضواً فيه، وخصوصاً بعد إسقاط الطائرة التركية في البحر، وقد طلبت أنقرة من الحلف وضع خطط طارئة لمنطقة حظر الطيران لحماية الأراضي التركية في حال قيام سوريا بعمليات عسكرية حيالها . ووفقاً لمصادر أمريكية مطلعة، فإن أنقرة لم تحصل على مرادها، وإنما عُد طلبها في خانة التشاور بين أعضاء الحلف، حسبما تنص المادة الرابعة من ميثاق حلف الناتو . على كل حال، فإن هناك العديد من الموانع التي تجعل واشنطن في حالة من التردد حيال تبني خيار المنطقة العازلة، وأولها أن المعارضة السورية منقسمة على نفسها وغير متوحدة، وثانيها لا توجد مساندة شعبية أمريكية للتورط في التدخل العسكري في سوريا، بيد أن واشنطن لن تتوقف عن تزويد دول أخرى في المنطقة بالمعلومات والإرشادات عن التوجهات السياسية لجماعات المعارضة السورية، انطلاقاً من حقيقة مفادها أنه لا أحد يريد أن يجد نفسه في نهاية المطاف يقدم الأسلحة إلى جماعات متطرفة لها صلات مثلاً بتنظيم القاعدة . كما لا ننسى أن واشنطن ليس بمقدورها تمرير قرار بهذا الشأن، عن طريق مجلس الأمن مع وجود النقض المزدوج لروسيا والصين، وهي بالتالي لن تغامر هذه المرة في العمل من خارجه، كي لا تتورط في حرب ليس مع النظام وحسب، وإنما هذا الأمر يدفع بدول وقوى من داخل المنطقة وخارجها إلى الانخراط فيها، خصوصاً أن واشنطن في الجانب العسكري تعي جيداً أن سوريا تختلف عن ليبيا في كثير من الأحوال .