الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الهوية السائلة

1 مايو 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 1 مايو 00:06 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ماذا يعني توقف التفكير فجأة في قضية كانت تملأ الدنيا وتشغل الناس؟ هل يعني ذلك أن هناك نتائج حاسمة تم التوصل إليها في مختلف مفاصل هذه القضية، أم أن هذه القضية وصلت إلى طريق مسدود، بحيث لم يعد هناك ما يمكن نقاشه أو إضافته؟ هل أصاب أطراف القضية الملل؟ هل تجاوزها العصر؟
لعل قضية العرب المركزية في القرنين الأخيرين تمثلت في البحث عن هوية حضارية، لقد أثار اللقاء مع الغرب في بلاد الشام ومصر والمغرب العربي في القرن التاسع عشر سؤال: من نحن؟ لم يكن السؤال معرفياً بقدر ما كان جدلياً، بمعنى أن كل من طرح السؤال يعرف هويته العربية الإسلامية وبوصلته الوطنية، لكن الجدل نشأ نتيجة الرغبة في معرفة موقعنا في العالم، كنا مهزومين حضارياً، وهو ما يتطلب بحثاً عن موقع في الخريطة.
هذا البحث شكل قلقاً دائماً لعشرات من مفكرينا ومثقفينا، وهو قلق نتج عن سؤال: ما هي أبعاد «الأنا»، وما هي حدود «الآخر»؟ وكيف نتعايش مع الآخرين من دون أن نؤثر بالسلب في مفاصل الهوية الثلاثة: العربية والإسلامية والوطنية، لقد كان العالم يتغير، هناك ثورة صناعية مصحوبة بدخول عصر الاستعمار، وكان كل مفصل يتعرض لخطر، فاللغة عرضة لهجوم اللغات الأجنبية في السوق العالمي والتعليم، والقيم في جدل مستمر مع هجمات الاستشراق، وهناك تدخلات أجنبية تهدد استقرار الأوطان.
ظلت تلك التهديدات قائمة، والجدل مع الآخرين قائماً، والتمسك بمفاصل الهوية تتراوح شدته حسب الظروف والأحوال، وهو ما استمر بصورة أو أخرى في عصر العولمة ونهاية التاريخ وصدام الحضارات. كل يوم كانت هناك قضية مرتبطة بأحد مفاصل الهوية الثلاثة. أما ما نعيشه الآن منذ بداية القرن الحادي والعشرين فيمكن تسميته بمرحلة العولمة الفائقة، وبدا أن كل ذلك الجدل قد وصل إلى طريق مسدود، ولم ينته إلى نتائج حاسمة، فالأسئلة المتعلقة بمفاصل الهوية لا تزال كما هي.
في هذا العصر، العولمة الفائقة، يبدو الحديث عن محددات هوية صلبة ضرباً من الأوهام، وحتى لو تنازلنا وتراجعنا خطوة وتكلمنا عن هوية منفتحة على الآخرين، فسنكون أشبه بالحالمين، فالهوية الآن سائلة ومتغيرة، ولا نملك أدوات قياس لتحولاتها المتسارعة، فهناك أجيال شابة نشأت في العقدين الأخيرين تدرك القيم من منظور مختلف وتتعامل مع العالم بطرائق مغايرة، ونحن نتجاهل أن العولمة باتت الآن ليست مسألة اقتصادية أو سياسية أو حتى ثقافية، بل هي تؤثر في الإنسان الفرد نفسه.. في أحلامه وتطلعاته وسلوكاته، فهناك هوية واحدة محددة لكل فرد منعزل خلف شاشة الهاتف النقال، ومن محصلة مجموع الأفراد تنشأ هويات، ولكل هوية مفاهيمها وأولوياتها ورغباتها، هي بالأحرى هويات متشظية.
نحن لا نعيش عصر نهاية الهويات الصلبة أو الأفكار الكبرى المتماسكة، لكنه عصر أشبه بالسوبر ماركت، كل ما نبحث عنه نجده، لكن علينا الدفع، وهو هنا فادح لأنه يرتبط بهويتنا الاجتماعية وحتى الإنسانية.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه