تزامن مثير بين حكايتين، إحداهما سياسية خالصة والأخرى فنية لها صلة بالحب . كلا الحكايتين عن الوحدة والانفصال، بين مصر وسوريا قبل عدة عقود، الحكاية السياسية يرويها عبدالكريم النحلاوي قائد الانفصال . وإن كان حتى الآن على أعتابها بحيث لا يستطيع المراقب أن يستبق التفاصيل، لأن الشيطان كما يقال يكمن في التفاصيل سواء تعلقت بالاتصال أو الانفصال .

والحكاية الثانية يرويها فنان عربي هو نذير نبعة، تتلخص في زواجه من فنانة مصرية في اليوم الذي أعلن فيه الانفصال، إنه زواج احتجاجي في توقيته على طلاق سياسي .

والحكايتان وجهان لتاريخ عربي واحد فثمة شروق وغروب لكل نهار، وبالتالي هناك شفق وغسق، ويأس ورجاء .

إن من حق أبناء فنان عربي تزوج في يوم الانفصال أن يضيف إلى شهادات ميلاد أبنائه هامشاً يقول فيه ولدوا غداة الوحدة، أو ولدوا عشية الانفصال، لكن الوحدة هي الأبقى في الذاكرة الإنسانية قبل الذاكرة القومية من التشظي والتَّذَرُر، وتحويل الجبل إلى تلال صغيرة قد تنتهي إلى مجرد أكوام من الحجارة .

هذه ليست مناسبة لتحليل واقعة كتلك سرعان ما تحولت إلى ما يشبه الوقيعة، فلكل اتحاد من يدافعون عنه كقدر قومي ولكل انفصال من يحاولون تبريره بهاجس استقلالي حتى لو كان وهميّاً .

ولأن للتاريخ وجهين، فثمة من يؤرخون لتلك الوحدة التي كانت أشبه بجملة معترضة في تاريخ العرب الحديث بيوم ميلادها، وثمة من يؤرخون لها بيوم الانتهاء، لكن إعلان الانفصال لم يجعل مصر جزءاً من أمريكا اللاتينية وسوريا جزءاً من الجغرافيا الأسترالية، بقي البلدان عربيين، ودينهما الإسلام ولغتهما في القاهرة ودمشق هي الأبجدية الخالدة، والحمائم التي تحوم حول قباب الجامع الأموي هي توائم حمائم تهدل حول الأزهر وهذا ليس خطاباً رومانسياً يستلهم أطلال النوستالجيا القومية، إنه حقائق لها قوة الفيزياء وإعادة الماء إلى عنصريه وهما الأوكسجين والهيدروجين لا تعني أنه ماء صالح للوضوء وغسل الموتى أو ماء طالح .

يهمنا في هذا السياق المفارقة ذاتها ، أما الحدث فحكايته تطول، وتشتبك فيها شهادات الشهود ومذكرات الراحلين، لهذا يبدو ذلك الزواج الذي تزامن مع الانفصال رداً شعبياً وفنياً عليه، خصوصاً أن الزوجين أحدهما سوري والأخرى مصرية، وهما فنانان تشكيليان يستلهمان موروثاً واحداً، فالمتنبي لم يكن يحمل جواز سفر عراقياً وطرفة بن العبد لم يكن يحمل جواز سفر بحرينياً وكذلك الجاحظ وابن خلدون والفراهيدي وبقية السلالة الخالدة .

وقد يخطر ببال البعض لدى قراءة هذه المفارقة أن الفن والثقافة يصلحان ما أفسدت السياسة والساسة، وقد يكون هذا صحيحاً بمقياس ما، لكن ما هو أشمل تفوّق الحب على الكراهية، والرجاء على اليأس، وأخيراً انتصار اللون الأخضر على لون الهشيم، سواء تجلى في لوحات نذير نبعة وزوجته أو في هذه التضاريس العربية التي امتلأت خلال القرن الأخير بشقائق النعمان حيث ما من متر مربع من هذه الأرض إلا وكان عليه أن يختار بين أن يكون خندقاً أو قبراً، مهداً لطفل ولد للتو، أو لحداً، لأن القابلة خنقته قبل الصرّخة الأولى .

الثقافة العربية واللغة الواحدة والذاكرة التي سبقت سايكس - بيكو بقرون عديدة، لا تعترف بعصي الجنرالات أو بالسكين الذي يمزق الخرائط، ومثلما تزوج نذير نبعة من مصرية في يوم الانفصال، ثمة حوامل فلسطينيات قطعن مبرح بن عامر حافيات عام ،1948 لكن أبناءهن تحولوا من لاجئين إلى فدائيين .