عنوان اللزوم أمس: جواب الجواب في النقد الموسيقي، يحتاج إلى شرح، فقد كان العمود مجرّد تمهيد . جواب الجواب يعني ببساطة الصوت المرتفع جداً، والمقصود التفكير بصوت عال لإيقاظ الأذهان والهمم .

نقطة الانطلاق: لم يعرف التاريخ البشري، ولا حتى ما قبل التاريخ، مجتمعاً بشرياً، من القبيلة إلى الأمة، لم يكن له شكل من أشكال الموسيقا . نحن إذاً أمام ظاهرة تقع على مشارف ضروريات الحياة . لكن طبيعة الموسيقا وأشكالها ومستوياتها من حيث الإبداع والتأليف والأداء ليست واحدة .

علينا إلقاء نظرة فاحصة تربوية على القمّة، ألا وهي الموسيقا السمفونية . لا لكي نقلّد، ولكن لندرك إلى أين ارتقى هذا الفن، وما هي انعكاساته على الفرد والمجتمع والأمّة، بل والإنسانية أيضاً . لنحصر الحديث في شكل واحد: السمفونية، ولنسلّط الأضواء على الجوانب التي لا تخطر على بال الأغلبية:

السمفونية عمل إبداعي قائم على علم بعلوم عدة: التدوين الموسيقي، أي القدرة على كتابة الأصوات لكي تسهل إعادة أدائها . العلم بالمقامات والإيقاعات . توافق الأصوات وتناغمها، أي الهارموني، وهذه رياضيات وفيزياء . التوزيع الأوركسترالي الذي يحتاج إلى إحاطة واسعة بطبيعة عدد كبير من الآلات الموسيقية، على اختلاف أبعادها ومساحاتها الصوتية ومدى تآلفها وتنافرها . إلى أن يكتمل تدوين السمفونية . كل تلك المراحل يقطعها المؤلف الموسيقي في ذهنه وعلى الورق: خيال مبدع يسنده العلم والحسابات الدقيقة .

يأتي بع ذلك دور قائد الفرقة السمفونية . هو الآخر عالم بكل العلوم الموسيقية . ولديه في بعض الأمور التفصيلية مجال لشيء من الاجتهاد . مثل مدى الشدّة واللين ومدّة الصوت والسكوت . الفوارق هنا بالشعرة . قائد الفرقة هو رائد الإدارة والانضباط . كل تخلف العالم الثالث كان جرّاء سوء الإدارة وانعدام الانضباط . علماء التربية اليابانيون قالوا قبل بضعة عقود: إن العزف على الكمان ينمّي لدى الطفل القدرات القيادية .

كيف يكون الانعكاس على الفرد والمجتمع؟ لنتخيّل قاعة ألبرت هول في لندن . هل يستطيع أحد أن يصفّق ويصفّر في أثناء العزف؟ وماذا عن قزقزة اللّب والمقرمشات؟ ولماذا تصبح الأزياء كأنها موحدة؟ لماذا لا تجد الفوضى الخلاقة لها مكاناً في القاعة؟ لماذا تحترق الأكف عند نهاية الأداء؟ لماذا يحلّق الحضور في أعلى الآفاق وهم على مقاعدهم؟ ثم كيف تغدو صورة الفن بعد ذلك في أذهانهم؟

لزوم ما يلزم: لهذا علينا أن نقف في وجه الفن الهابط، وأن ننطلق من القرار إلى جواب الجواب .

[email protected]