المهنة الوحيدة التي تبدأ من القمة ثم تنزل، هي أن تحفر حفرة

( . . .)

***

أمريكا تحتقر من يحالفها، وتحترم من يؤذيها، وتقبل يد من يبصق في وجهها، وهذه الأخيرة محفوظة لدولة وحيدة في العالم: إسرائيل، لسنا بحاجة إلى التعريف بأن العرب ينتمون إلى الفئة الأولى .

ينقسم العرب إلى قبائل متعددة في العلاقة مع أمريكا: حلفاء أوفياء، حلفاء معتدلين، خصوم لفظيين، أعداء عور وعميان .

على كل عربي حاكماً ومحكوماً أن يتذكر النصيحة الثمينة التي أطلقها الثعلب الصهيوني هنري كيسنجر للعلاقة مع أمريكا حيث قال: إنه لأمر خطير أن تكون عدواً لأمريكا، ولكنه أمر قاتل أن تكون صديقاً لها .

على العرب أن يختاروا أهون الشرين فيكونوا أعداء أمريكا لا أصدقاءها، أمريكا ليست وسيطاً نزيهاً بل هي طرف عدو وجميع مبعوثيها للشرق الأوسط يتفقون بوقاحة صارخة ضد العرب . والذي يشجعهم على ذلك أن المصالح الأمريكية في الوطن العربي مصانة ومحمية من أي اعتداء مهما بلغت الإهانات الموجهة للطرف العربي، فلماذا يغيرون سياستهم؟

لا داعي للتذكير بأننا ضد السياسة الأمريكية في بلادنا ولسنا ضد الشعب الأمريكي الذي نحاول أن نشرح له قضايانا العادلة والتي تكفل لمصالحه المستقبلية الحماية المشروعة .

الاستثمارات الأمريكية في بلادنا العربية تقدر بمئات المليارات: (وكالات سيارات مطاعم فنادق مقاهٍ شركات تأمين شركات طيران بنوك شركات مقاولات مكاتب هندسية مكاتب استشارات قانونية وكالات تجارية استيراد أدوية ومواد غذائية مبيعات أسلحة ليست للحرب تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات . . .) هذا غير البترول المقدس والقواعد العسكرية المكدسة .

هذه ليست دعوة لمقاطعة جميع هذه المصالح، ولكن يجب استغلال ذلك من أجل المصالح القومية للعرب . . آن الأوان لمعرفة حقيقة المثل القائل: صديق عدوي، عدوي .

القول السياسي المتداول عالمياً هو قول تشرشل: لا توجد عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، توجد مصالح دائمة .

إن المصالح الدائمة تتطلب معرفة العدو والصديق وتحديدهما بوضوح، للعرب عدوان أساسيان: إسرائيل عدو استراتيجي دائم وأمريكا عدو مرحلي مؤقت .

مع إسرائيل: (لا اعتراف لا صلح لا تفاوض)، هو سرطان استيطاني يجب اقتلاعه من الجذور مهما طال الزمن، ويجب الطلاق البائن معه لأن العلاقة هي علاقة موت أو حياة، وليست هناك أية مصالح مشتركة سوى مصلحة واحدة هي القضاء عليه بشكل جذري لا يعرف المهادنة، وصراع مائة سنة مع هذا العدو يؤكد هذه المقولة، آخذين بالنصيحة الصينية الذهبية التي تقول: إذا أردت لعدوك المحتل أن يرحل، فاصنع له جسراً من ذهب .

مواصفات الجسر الذهبي تتلخص في كلمة واحدة: المقاومة بكل أشكالها السلمية والعصيانية والمسلحة، إن العلاقة الاستراتيجية بين هذين العدوين لتقسيم الوطن العربي وتفتيته ونهب ثرواته ومنعه من التنمية والنهضة هو بمثابة زواج أفضل منه الزنا .

* ثمن الغفران: قبل ثلث قرن كتب صحافي أجنبي يقول: إذا وضعت خارطة الشرق الأوسط أمامك وأمسكت دبوساً وغرزته في أي مكان على الخارطة فسوف يصيب رأس جاسوس من المخابرات الأمريكية المزروعين في كل مكان .

الآن إذا أمسكت مطرقة وطرقت بها الخارطة فسوف تدمي رؤوس الكثير من شبكات تجسس الموساد وخاصة في كردستان العراق .

هذا التشبيه واقعي بدرجة كبيرة، فالوطن العربي مخترق من الأعداء لدرجة الاستباحة لدرجة أن التهكم على الأوضاع العربية وصل إلى حد وصف العرب بأنهم ظاهرة صوتية .

إن أمة يصل عدد سكانها إلى 350 مليون نسمة، قادرة على التضحية بثلاثة ملايين إنسان ينقذون شرفها وكبرياءها وتاريخها من الذل والهوان وانتشالها من القاع الذي وصلت إليه .

يقال: إن المهنة الوحيدة التي تبدأ فيها من القمة ثم تنزل هي أن تحفر حفرة، وهذه مهنة لا تليق بأمة ذات حضارة تمتد لآلاف السنين . في يوم حساب قادم، لن نذبحهم بسكاكين صدئة كما فعلوا معنا، سنختار أن نكون عاقلين بمقولة توماس زاس: الغبي لا يغفر ولا ينسى، الساذج يغفر وينسى، العاقل يغفر ولكنه لا ينسى . سنكون عاقلين ونحقق لهم أسوأ كوابيسهم (كالصليبيين وهم يركبون البحر إلى غير رجعة) . . بعض الغفران أشد قطعاً من حد السيف .