تتأرجح العلاقات الأمريكية الإيرانية ما بين الحرب وعقدة ثيوسيديدس الأمنية إلى حين الوصول إلى الصفقة الكبرى نتيجة للحرب. وهنا نستحضر ما خلص له ثيوسيديدس المؤرخ اليوناني في قراءته للحرب بين اسبرطه وأثينا قبل 2500 من الميلاد وهو من أسس لنظرية القوة في العلاقات الدولية، وقوله بحتمية الحرب في هذه العلاقات التي تقوم على ركنين أساسيين هما العداوة والأمن وهما يفسران لنا السلوك السياسي للدول، وخصوصاً دول القوة التي تتنافس وتتصارع على مناطق النفود كما في الحرب الآن. فلا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، وعدو اليوم قد يكون صديق الغد، وصديق اليوم قد يكون عدو الغد.
هذه القاعدة تنطبق على العلاقات بين أمريكا وإيران التي شهدت كل أشكال العلاقات من التحالف والصداقة أيام الشاه إلى العداء والحرب والتفاوض في ظل النظام الحالي. ولعل من أبرز محطات هذه العلاقات، العداء الرسمي بين إيران وبريطانيا بقيادة محمد مصدق، ثم الإطاحة به بمساعدة الاستخبارات الأمريكية عام1953 وعودة حكم الشاه. واستمرت العلاقات طوال فترة حكم الشاه، ومن مفارقات هذه العلاقات مساهمة أمريكا بتزويد إيران بمفاعل طهران للأبحاث النووية، واستمرت العلاقات لتدخل منعطفاً تراجعياً مع الثورة عام 1979وصولاً للحالة الراهنة.
ومن المراحل المهمة إعلان إدارة الرئيس جورج بوش الابن عام 2002 إيران وكوريا الشمالية محورين للشر، لنأتي إلى إدارة الرئيس أوباما وتوقيع الإتفاق النووي عام 2015، وإجرائه أول اتصال هاتفي بعد ثلاثين عاماً مع الرئيس حسن روحاني، لتدخل العلاقات إلى حالة من الهدوء والاستقرار، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي بدأت مع إدارة ترامب الأولى والانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات وحصار عليها، لتدخل العلاقات مرحلة الحرب مع الولاية الثانية من خلال حرب الـ12 يوماً 2025 والتى أعلنت فيها الولايات المتحدة ضرب المفاعلات النووية، ثم حرب الأربعين يوماً في إبريل/ نيسان الماضي بمشاركة مباشرة من الولايات المتحده وإسرائيل، ووصلت ذروتها باغتيال الإمام الخامنئي وعدد من القادة العسكريين، ثم قيام إيران بالعدوان على دول الخليج العربية، وخصوصاً على دولة الإمارات العربية المتحدة، ودخول المنطقة في حرب إقليمية، رافقتها أزمة اقتصادية خانقة نتيجة إقدام طهران على إغلاق مضيق هرمز، وصولاً إلى مفاوضات إسلام آباد التي فشلت في الوصول إلى اتفاق بإنهاء الحرب، لكنها وضعت أساساً لمفاوضـات محتملــة وصولاً إلى خيار الصفقة الكبرى بعد الإعلان عن وقف لإطلاق النار، وليتم تمديدها والاستمرار في المفاوضات تجنباً لخيار الحرب الشاملة والبحث عن استراتيجية حفظ مـاء الوجــه للطرفين، وسعي كل طرف لتحقيق أهدافه والإعلان عن الانتصار في هذه الحرب.
وخيار الصفقة الكبرى يتجسد في المقترحات الأمريكية بنقاطها الـ15 وأبرزها تجريد إيران من قدراتها النووية والصاروخية، والتخلي عن وكلائها في المنطقة كحزب الله وحماس ودمج إيران اقتصادياً بالعالم الخارجي، وتحويلها إلى دولة سلام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وترتكز هذه الصفقة الأمريكية على عناصر أولها التأكيد على المصالح الأمريكية الثابتة في المنطقة وضمان بقاء إسرائيل وأمنها.. وبالمقابل قدمت إيران رؤيتها التفاوضية بنقاطها العشر التي تلخص عناصر الصفقة الكبرى كما تراها وتريدها، ومن أبرزها الحفاظ على نظامها السياسي وضمان عدم الاعتداء عليها، والاحتفاظ بحقها في قدراتها النووية للأغراض السلمية وقوتها الصاروخية، أى باختصار حقها في بناء قوتها الشاملة، إلى جانب الاعتراف بمصالحها ومناطق نفوذها في المنطقة، وعلى أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان وغزة.
هذه العناصر تشكل في أدبيات التفاوض الحد الأقصى الذي يدخل فيه كل طرف مفاوض وهو يحمل معه أوراق القوة التي في حوزته، لتبدأ بعدها عملية التنازل إلى الحد الأدنى.
وهناك عوامل أخرى تساهم في تشكيل وبلورة عناصر الصفقة الكبرى على البعد الإقليمي والدولي للحرب، وهى أوراق يمارسها كل طرف وخصوصاً إيران. وهنا ليس من المصلحة انزلاق دول الخليج العربي في حرب ليست طرفاً فيها بل أن تكون طرفاً فاعلاً كأحد عناصر الصفقة الكبرى.
وأضف إلى ذلك الموقفين الصيني والروسي، فالصين خاصة لن تسمح بسقوط النظام الإيراني لأنه يعني ببساطة خسارة مشاريعها الاقتصادية وأهمها طريق الحرير الذي يعتبر أحد عناصر مكونات قوتها العالمية.
ولعل ما يساهم في بلورة مقاربة الصفقة الكبرى أمريكياً وإيرانياً أن الحرب ليست خياراً مستداماً رغم الحصار وفرض العقوبات على إيران ورغم قدرة الولايات المتحدة على معاودة الحرب وضرب قدرات إيران الداخلية.
وكما يقول الفيلسوف توماس هوبز «إن الجو العاصف لا يعني أن تسقط الأمطار». لكل هذه الأسباب والمتغيرات فإن الطرفين الأمريكي والإيراني أقرب لمقاربة تحقيق الصفقة الكبرى التي تحفظ ماء وجه كل منهما، وتضمن لكليهما أن يخرجا منتصرين.. لعلها لا تكون على حساب الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج.
