الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

واقعية فرنسية جديدة مع ماكرون

14 مايو 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 14 مايو 00:06 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
منذ اعتلائه سدة الحكم في الأليزيه عام 2017، جابه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أزمات متلاحقة وتحديات جسيمة واكبتها انتقادات حادة. ومثلما أبدى كثيراً من الصلابة في مواجهة التعقيدات الداخلية، حرص على تمايز الموقف الفرنسي في القضايا الدولية، واشتبك في سجالات علنية مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايتيه الأولى والثانية، في ظل علاقات ما تزال مشوبة بالتباعد. ولا تعكس هذه السياسة محاولة شخصية للتفرد، بقدر ما تتأصل في عمق الواقعية السياسية الفرنسية، التي تسعى للتكيف مع المتغيرات الدولية بعيداً عن الانفعالات العاطفية.
من معالم هذه الواقعية، مشاركة ماكرون في قمة «إفريقيا إلى الأمام» بالعاصمة الكينية نيروبي، كأول قمة فرنسية إفريقية تُعقد في دولة ناطقة بالإنجليزية وخارج الفضاء الفرنكفوني التقليدي. ومن هناك، أعلن ماكرون صراحةً انتهاء حقبة «مجالات النفوذ» الفرنسية في القارة، في خطوة تعكس سعي فرنسا لتنويع شراكاتها والتحرر من موروثها الاستعماري المعقد، وهو توجّهٌ له من يؤيده داخل النخب الفرنسية المعاصرة، ويتأسس على القناعة بضرورة التكيف مع «عالم متعدد الأقطاب» والتخلي عن الأنماط التقليدية للهيمنة. وفي العرف الفرنسي الراهن، لا يعد هذا الموقف إقراراً بخسارة معركة أو تراجعاً في الدور والمكانة الدولية، بل أداة براغماتية لإعادة التموضع الجيوسياسي بما يكفل لباريس صياغة معادلة متوازنة تجمع بين مرونة التحرك وحفظ الهيبة الدولية.
في الأدبيات السياسية الفرنسية بدأت تظهر بعض المصطلحات للتعبير عن هذه الاستدارة الاستراتيجية التي ينتهجها الأليزيه، ومن تلك المصطلحات «الماكرونية»، وهي أسلوب عمل اتخذ من اسم الرئيس ماكرون عنواناً مرحلياً للتعبير عن روح جديدة للدولة الفرنسية. وقد تجلت هذه «الماكرونية» أول الأمر في حركة «فرنسا إلى الأمام» عام 2017، ثم «حزب النهضة» عام 2022، وجسّد هذا التوجّه، بقطع النظر عن مسمياته، محاولة لتجاوز الانقسام بين اليمين واليسار وبناء نموذج يتسم بالحيوية والانفتاح على القوى الفاعلة في المجتمع الفرنسي. ورغم أن النتائج كانت محدودة في الداخل، هناك وجه آخر في السياسة الخارجية يطرح مقاربة جديدة تكاد تكون «ثورية»، فبدلاً من التمسك بمكتسبات الماضي الآفلة، خصوصاً في المستعمرات الإفريقية السابقة، اندفعت الدبلوماسية الفرنسية نحو فضاءات واعدة وقوى صاعدة مثل دول الخليج العربية والهند والصين ودول آسيا الوسطى، وقد تبنّت هذه الدبلوماسية مقاربة سياسية واستثمارية مرنة تتجاوز عقدة اللغة والتاريخ الاستعماري، لترسم صورة مختلفة لفرنسا وحضورها الدولي من دون أن تفقد مكانتها كدولة كبرى وقائدة لأوروبا مع ألمانيا الاتحادية.
منذ ما قبل حرب أوكرانيا والأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط، استشرف ماكرون المستقبل، وصدم حلفاءه قبل خصومه بأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) أصبح في حالة «موت سريري»، وكان أسبق من غيره في الدعوة إلى «السيادة الأوروبية» وتحويل القارة إلى قوة جيوسياسية مستقلة، متجاوزاً بذلك التبعية التقليدية لواشنطن.
ما يأتيه ماكرون من مواقف وسياسات مثيرة للجدل لا ينبع من عبقرية شخصية ذاتية، بل يعكس أدبيات الواقعية الفرنسية الراسخة منذ أرسى الجنرال شارل ديغول دعائمها عام 1958، وهي واقعية تفرض التحرر من قوالب التحالفات الجامدة، ولا ترى حرجاً في التخلي عن مناطق نفوذ تاريخية لصالح شراكات أكثر نفعاً واستدامة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة