بادئ ذي بدء يمكن القول إن ثمة محاولات صهيونية غربية جادة ومستمرة لوأد قضية فلسطين، سواء عبر الحيلولة دون تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين، أو من خلال المضي في تهويد مدينة القدس، وبناء المستوطنات، وحصار الشعب الفلسطيني الأبي في الداخل، والعمل على مصادرة حق عودة اللاجئين لفلسطينيي الشتات .

ورغم متابعتنا هذه الأيام لما يُسمى بإحياء عملية السلام واستئناف المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والصهاينة، عبر وسيط أمريكي يفتقر إلى النزاهة والعدالة، فإن القضية الفلسطينية، تُعد بمنزلة قضية كاشفة لضعف كل من الفلسطينيين والعرب بل والمسلمين . وعلى الرغم من أنها كانت تُطرح في الخطاب السياسي الرسمي العربي على أنها قضية العرب الأولى والقضية المركزية الأولى للأمتين العربية والإسلامية، فإنها غدت القضية المظلومة الأولى، ليس من قبل الأجانب والأمم المتحدة فحسب، بل من قبل أهلها أولاً، سواء كانوا فلسطينيين أو عرباً ومسلمين .

إن الصراع الفلسطيني - الفلسطيني يعد إعلانَ فشل الديمقراطية الفلسطينية، كما أن هذا الصراع يثير إشكالية تعثر إن لم يكن إخفاق عملية الإصلاح السياسي في إطار نظام سياسي مازال تحت نير الاحتلال، إذ عجزت الحركات أو الفصائل الفلسطينية عن التعايش في ما بينها، ولم تستطع تفعيل مبدأ التعايش مع الآخر السياسي ولو كان فلسطينياً، وما الصراع بين أكبر حركتين فلسطينيتين (فتح وحماس) إلا دليل على هذا الاستنتاج .

ومن المفارقات في الحياة السياسية الفلسطينية أنه بالرغم من قيام سلطة فلسطينية في ظل احتلال استيطاني عنصري مدعوم من أكبر قوة في العالم (الولايات المتحدة)، فإن هذه السلطة عانت تفشي الفساد، وانعدام سيادة القانون، وتدني الشعور بخطورة العدو الصهيوني .

إن من أهم محددات الصراع الفلسطيني- الفلسطيني: حضور الفساد في مقابل غياب الطُهر الثوري، وقيام صراع على سلطة في ظل مستعمر عنصري استيطاني، وإشكالية ضبابية مفهوم العدو لدى الفصائل الفلسطينية، حيث حضر مفهوم العدو الوطني أو الفلسطيني، في مقابل غياب مفهوم العدو الأجنبي الصهيوني والأمريكي . إنه يتعين على إخوتنا في فلسطين المحتلة إدراك أنهم في مرحلة الدفاع عن وجودهم وأرضهم المغتصبة، وأن الوقت ليس وقت صراع على السلطة والمغانم .

أما على المستوى الإسلامي، فباستثناء الدور التركي (الذي كسر الصمت العربي الإسلامي الرسمي المريب، تجاه العدوان الصهيوني على قطاع غزة) . فإن الحكام المسلمين أيضاً قد خذلوا الفلسطينيين وقضيتهم .

تعاني القضية الفلسطينية المظلومة في إطارها العربي - الإسلامي، إشكاليات عدة منها:

إشكالية تحول القمم العربية إلى قيعان، فماتزال الأنظمة العربية في حالة موت سريري، رغم الأخطار والتحديات المتعاظمة التي تواجه الفلسطينيين والعرب معاً . والمعضلة هنا، أن الجسد العربي فقد الشعور بالخطر، ولم يعد لكل فعل رد فعل في الحالة العربية، ويبدو أن من يهن يسهل الهوان عليه وما لجرح بميت إيلام .

صحيح أن ثمة قمماً عربية تصدر قرارات، ولكن هذه القرارات لا تتجاوز الحبر الذي كتبت به، والدليل أن هذا التكاثر الفطري للقرارات العربية لم تر النور حتى الآن، وما تعطيل معاهدة الدفاع العربي المشترك رغم صدورها في مطلع خمسينات القرن العشرين، إلا دليل على ذلك .

إشكالية عدم وضوح مفهوم العدو لدى كل من الفلسطينيين والعرب على حد سواء . إن استقراء الحياة السياسية الفلسطينية والعربية يدفع إلى الاستنتاج بعدم وضوح مفهوم العدو وضبابيته لدى كل من الفلسطينيين والعرب .

إننا نعيش عصر الضعف والانكسار العربي والإسلامي، ومن شواهده: الإصرار على أن السلام خيار استراتيجي رغم غطرسة العدو وجرائمه، والترحيب بالمحتل والتحالف معه .

أما الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية فقد كان موقفاً متخاذلاً، حيث نعيش في بيئة دولية، للأسف، غدت القوة فيه فوق الحق، وبات الحق يحتاج إلى قوة تحميه . فالقوي هو الذي ينحت المفاهيم ويصكها، فها هي الولايات المتحدة ترى في حركات المقاومة، سواء كانت مقاومة فلسطينية أو عراقية أو لبنانية على أنها جماعات إرهابية، بينما ترى في الكيان الصهيوني بكل جرائمه على أنه واحة للديمقراطية!

كما أن الأمم المتحدة عجزت عن تحقيق الأمن والسلم الدوليين كما جاء في ميثاقها، بل إن هذه المنظمة الدولية قد اختطفت من قبل الولايات المتحدة، حيث غدت بمثابة المشرعن للعدوان الصهيوني - الأمريكي على حد سواء، وما ازدواجية المعايير في تطبيق قرارات مجلس الأمن، والكيل بمكيالين، بل بثلاثة وأربعة، خاصة تجاه القضايا العربية (فلسطين تحديداً) إنها غطرسة القوة وغرورها .

ما العمل؟ رغم معرفة مثلبة الينبغيات، لكن لا ضير من التذكير بضرورة زرع ثقافة المقاومة ورفض الانكسار، والانتقال من ثقافة الشجب والتنديد والهجاء إلى ثقافة الفعل والشعور بالاقتدار السياسي . وتوافر إرادة سياسية تنتقل من القول إلى الفعل ومن الشعار إلى الممارسة، وتحمل المسؤولية بدلاً من إزاحتها عن الذات السياسية، وإعادة تعريف مفهوم العدو، بالنسبة للفلسطينيين، والعرب والمسلمين، والانتقال من الارتجال والتكتيك الآني إلى التخطيط الاستراتيجي والتشوف والاستشراف معاً .

كاتب يمني