واذا جَهِلْتَ مِن امرْئ أعراقَهُ
وَقَديمَهُ فانظرْ إلى ما يَصْنَعُ
(نصيب الأصْغر)
آفة المجالس القيل والقال.
وزينتها زَيْن يزنُ الزيْن من الرجال، بالزيْن من زَيْن الفِعال، فإن هذا لعمرك طريق حق ودرب عقل ويعرف الحق بالعقل، ولا ثقة في من لا عقل له، ولا مروءة عنده.
على أن بعض أهل الحق، وهم على طريق الحق، تراهم جفولين، قلقين حين يسألون عن الحق. وهذا عين الحق، لأن الحق هو الله، والعالم بالحق هو الله تعالى.
سئل الامام الشهيد النعمان، رحمه الله: أرأيت ما تقوله هو الحق بعينه؟ فقال: والله ما أدري، لعلّه الباطل بعينه. هذا ممّا كنّا عليه.
هذا ما نقله المحدث أحمد بن ابي طاهر، وهو ثقفي، وعُرف أنه من مؤاخي الامام القتيل. غير أن بعض المحققين التالين يشككون في أحاديثه.
وحكاية النعمان أبي حنيفة، مع أبي جعفر المنصور، الخليفة العباسي، قاتل عمّه، وغائل ابي مسلم الخراساني، أعاد روايتها من جديد، عمل درامي عربي تعرضه احدى القنوات الفضائية اللبنانية، طيلة شهر رمضان المبارك. وهو انجاز درامي حقاً.
فهل كل ما نقل عن مجلس المنصور، كان صحيحاً في هذا العمل الدرامي، أو في غيره من الكتب المطبوعة والمنتشرة في أغلب أمهات دور الكتب العربية.
ذلك ما ينبغي للعاقل أن يعيد مناقشته.
وهذا أيضاً ولكن من جانب آخر ما ينبغي أن يعرفه المعني في شأن الشاعر نصيب الأصغر: الذي سمي الأصغر تفريقاً عن نصيب الأكبر مولى بني مروان.
جاء في الاغاني وطبقات ابن المعتز، أن نصيب الأصغر، مولى للخليفة المهدي العباسي وكان عبداً نشأ باليمامة، واشْترُي للمهدي في حياة المنصور. فلما سمع شعره أعتقه، وكنّاه: أبا الحَجْناء، وأقطعه ضيعة بالسواد.
نرجع إلى المنصور، الذي ضُرب المثل في بخله، حتى لقب ب: الدوانيقي. الدانق: واحد بالمائة من الفلس. ومع هذا قيل إنه شبه نفسه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
روى أبوحيان التوحيدي في المجلد الأول من البصائر والذخائر حكاية تشبيه المنصور نفسه بالفاروق، كما نقلها أبو أيوب المورياني، سليمان بن مخلد، وزير المنصور ذات يوم، والمقتول بأمر المنصور أيضاً، لكنه أي التوحيدي استدرك قائلاً: وابو جعفر اكبر من ذلك، ولعل الحكاية موضوعة عليه. فآفة الأخبار كثيرة، والظنة إلى أهلها سريعة، وتخليص السقيم من الصحيح صعب.
أبو جعفر اكبر من ذلك بمعنى أكبر من الحكاية والرواية، وليس أكبر من المشبّه به. ولذلك اقتضى التنويه.
أما زبدة القول في هذه الأيام الأخيرة من شهر البركة فإن القيل والقال صناعة الجاهل، وصنعة الخبيث، وصنيعة ابليس، وثقافة المفلس بين من لم يجد دانق علم في كنانته.
وكم بريء ذهب ضحية آفة المجالس. وكم حرة شريفة دنسها خبثاء مجالس السوء.
www.juma-allami.com