الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من المركزية الأوروبية إلى «الأمريكية»

6 مايو 2026 01:28 صباحًا | آخر تحديث: 6 مايو 01:29 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
رغم فشل الحملات الصليبية على المشرق العربي في تحقيق انتصارات نهائية أو حاسمة، فإنها ألقت في الضمير الأوروبي بذرة خبيثة سوف تزهر تالياً، لتنتج تلك الثمرة المرة المتمثلة في استخدام القوة العسكرية تحت شعار القداسة الدينية، بحيث يصبح القتل والتدمير بمثابة حق وواجب في آن، على نحو تبدى في حروب الأندلس وفي حركة الكشوف الجغرافية واستعمار الأمريكتين، تبشيراً للوثنيين هناك، بل إن الشعور نفسه، لكن بعد علمنته، هو الذي حفَّز سياسات الغزو الأوروبي لأنحاء العالم الأربعة في القرنين التاسع عشر والعشرين بذريعة الرسالة الحضارية للرجل الأبيض في تمدين البشرية.
ولدت المركزية الأوروبية، كنزعة ثقافية نرجسية، تبرر نفسها بدوافع عرقية ودينية وأخلاقية، تتحدث عن فكر أوروبي يتسم بالوحدة والتماسك والاطراد، وكذلك بالتفرد والكونية، يصلح لكل زمان ومكان كما يقول السلفيون المسلمون، ويدّعى التجذر في تجربة أصلية هي الفلسفة اليونانية، كما تتجذر الاستثنائية الإسلامية في التجربة النبوية بالمدينة المنورة، ومن ثم تصبح الحضارية الأوروبية/ الغربية مطلقة النقاء، خالية تماماً من الشوائب، كالهوية الإسلامية في إدراكها السلفي المنغلق، وعن آخر حضاري متخلف عقلياً وروحياً بقدر اختلافه عن الذات الأوروبية، مثلما يتصور السلفيون أن الغرب منحل أخلاقياً بالضرورة قياساً إلى الذات الإسلامية.
وإذا كانت النرجسية الأوروبية، الحديثة والفعالة، قد تفردت بالهيمنة الإمبريالية، فإن السلفية الإسلامية، لهشاشة وضعها التاريخي، اكتفت بإعلان الجهاد ضد الغرب خطابياً، وممارسة الإرهاب ضد بني جلدتها فعلياً.
بلغت المركزية الأوروبية أوجها، وفرضت نفسها على العالم مطلع القرن العشرين، فحتى عندما كان مفكرون لا غربيون يجادلون ضدها، لم يكن باستطاعتهم نفي تفوق أوروبا، بل كانوا يطمحون فقط إلى إعادة تفسيره، بقدرتها على اغتنام التراكم الثقافي الإنساني العابر للحضارات وليس إلى دوافع جوهرية تخصها كالانتماء الآري، والاعتقاد اليهو ـ مسيحي، والإرث الفلسفي اليوناني، كانت المركزية الأوروبية هي مسرح الوعي الذي جرت عليها وقائع الحربين الكبريين، الأولى والثانية، اللتين ستحملان وصف العالمية، فقط لأن أوروبا منحت نفسها حق الحديث باسم الإنسانية كلها.
انتهت الحرب الثانية بفقدان أوروبا لمركزيتها، لصالح الولايات المتحدة التي تمكنت من ركوب موجة التاريخ بقيادة الثورة الصناعية الثانية، بكل تقنياتها الجديدة، فدخلنا إلى العصر الأمريكي وإن ظللنا داخل إطار المركزية الغربية، وعلى هذا المنوال نسجت وقائع الحرب الباردة، التي جسدت صراعاً داخل الغرب نفسه، بين شرقه «الشيوعي»، وغربه «الرأسمالي» الذي قادته أمريكا، وبنهايتها، تبدت الولايات المتحدة قائداً لجيش فقد عدوه الواضح، وهنا يكمن سر نظرية صدام الحضارات، وهو رغبة أمريكا في استمرار تكتل أوروبا خلفها، عبر زيادة مخاوفها من مجهول تاريخي يتمثل في الصراع الحضاري القادم.
ففي القسم الثالث من كتابه الأثير يقول صامويل هنتنغتون: إن نظاماً عالمياً قائماً على الحضارة يخرج إلى حيز الوجود حيث المجتمعات التي تشترك في علاقات قربى ثقافية تتعاون معاً، والدول تتجمع حول دولة المركز في حضارتها!، وبعد جدل مدوٍّ ونقد شديد للنظرية من داخل الغرب نفسه، ومن خارجه، خفت بريقها، لكنها عادت للرواج أعقاب إحداث 11 سبتمبر، والحرب على أفغانستان والعراق.
في سياق الجدل حول الحرب تبنت الولايات المتحدة خطاباً جديداً، يبرر مركزيتها، تحلل من كل المقولات الليبرالية التي غذت خطابها الكوكبي، وألهمت دورها العالمي في التسعينيات كمبدأ حق التدخل الإنساني، وحرية التجارة، والعولمة، واستند في المقابل إلى مقولات جديدة تغذي النرجسية الثقافية الأمريكية، كي تتمكن من وراثة النرجسية الأوربية. وهنا حل الحديث المشبع بالإجلال عن الآباء المؤسسين مشيدي الدولة الأمريكية على أسس الحرية والعدل والمساواة كمبادئ سرمدية لا تحيد عنها المواقف العملية، بديلاً عن الفلسفة اليونانية التي اعتبرت لحظة تشكيل ونقطة انطلاق العقلانية الأوروبية في التاريخ، كما جرى التعمية بعلة الاستثناء على كل وقائع التدخل العسكري التي تناقضت مع ادعاءات أمريكا المثالية والليبرالية طيلة العقود الثماني الماضية، مثلما ادعت المركزية الأوروبية بنقاء العقل الغربي وطهارة روحه طيلة الخمس وعشرين قرناً المنصرمة، ومثلما صار النموذج الأوروبي هو المثال المحتذى وإلا جرى اتهام الآخرين بالنقص والدونية، أعلنت المركزية الأمريكية قاعدة أن من ليس معنا فهو ضدنا، واعتبرتها أساساً لخيرية عالمية جديدة، ومثلما رفعت أوروبا شعار مسؤولية الرجل الأبيض عن تحضير العالم بأجناسه المختلفة، تبريراً لسياساتها الاستعمارية، فإن أمريكا غلَّفت سياساتها الإمبريالية بخليط من المصطلحات الميتافيزيقية كالعدالة المطلقة، والحرية اللانهائية، والحرب العادلة، وجعلت منها خيوط تقسيم مانوي للعالم، يصطف الأخيار على يمينه والأشرار على يساره، واعتبارها بالطبع قائداً وحيداً لمعسكر الأخيار ضد الأشرار، 

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه