على امتداد رحلة العمر التي تقدمت بسرعة خارقة غير مكترثة بأي اعتبار أو بإنسان، قوياً كان أو ضعيفاً، غنياً أو فقيراً، حاكماً أو محكوماً، ظالماً أو مظلوماً وجدت نفسي حيث أنا اليوم أحمد الله تعالى الذي مدّ بي العمر ليأخذ المشهد أمامي صورته الواقعية صورة الشيء ونقيضه في آن واحد، وهذا واقع لا نستطيع التأثير فيه، ولكن لابد من تقديم الشكر والثناء للواحد الأحد الذي بفضل نعمته عليّ منذ طفولتي التي ابتدأت بصراع مع الحياة من أجل البقاء إلى أن وصلت إلى ما أنا عليه من سعة الحال كما العديد من أبناء الإمارات، إن لم أقل أبناء الخليج .
لقد كانت رحلة صعبة ترافقت فيها أبناء جيلي على اختلاف مشاربهم من أبناء جلدتي وغيرهم تقاسمنا معاً هموم الفرقة والبعد عن الأهل ومخاطر ركوب البحر . . رحلة لابد منها للجميع .
تعرفت خلال رحلة العمر إلى رجال ثقافة وعلم ومعرفة وآخرين من البسطاء هم ملح الأرض الذين يشكلون الغالبية العظمى، هؤلاء نتعلم منهم الكثير وخاصة فهم الحياة ودروبها .
وفي الوقت ذاته لكل منا خصوصيته ودائرته التي يتحرك في داخلها، وأقصد بها الوطن الصغير والأرض التي كانت سبب وجودنا والتي أصبحت بفضل الله تعالى مصدر سعادتنا وسعادة آلاف، لا بل ملايين البشر من الوافدين .
لقد حباها الله بكل شيء من أمن وعمل ورفاهية، نعمة يحسدنا عليها الكثير حتى من أبناء الدول العريقة التي تضرب جذورها بعيداً في التاريخ، وهنا علينا أن نقف وقفة تأمل حقيقية لما قام به الآباء المؤسسون الذين كانوا بعد الله سبباً في هذه الرفاهية وهذه السعادة .
واجب علينا أن نعترف لهم بالجميل وأن نعلم أبناءنا أن يذكروا مناقبهم وما قدموه لمستقبل هذا البلد قبل حاضره .
وأخص منهم المؤسس الباني الراحل الشيخ زايد، رحمه الله، ورفاقه ورعيلاً من الرجال الذين رافقوهم والذين ساهموا معهم في وضع أسس دولتنا الحديثة .
لقد غادرنا كل هؤلاء الرجال تاركين لنا بلداً جميلاً موحداً يتطلع أبناؤه إلى المستقبل من دون خوف أو وجل على مستوى وحدتهم ورفاهيتهم والسمعة الطيبة التي يحظون بها لدى الآخرين، واستمرار عملية البناء على جميع المستويات .
وبعد هذه المقدمة المختصرة جداً والتي لم أجد بداً من ذكرها أردت الحديث عن شخصية إماراتية فريدة ومتفردة من نوعها، إنها شخصية الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان أبو سعيد الإنسان، اعترضها طريق عمري ووجدت فيها نموذجاً يقتدى به بعد قيادتنا التاريخية والحالية، هي شخصية معاصرة لكنها امتداد بالتأكيد لنماذج عدة في هذا البلد المعطاء، إنها تنتمي إلى عائلة كريمة مجيدة وفيها من المستقبل أكثر من الماضي في العطاء والنبل والأخلاق، هي شخصية اجتماعية أكثر منها سياسية بالرغم من الدور السياسي الذي تلعبه على مستوى الوطن والشعب وخاصة في تسلمها مناصب وزارية مهمة جداً .
هي وجه اجتماعي بهيج قريب جداً من قلوب الذين عرفوه ويتمنى من لم يعرفه أن يكون قريباً منه بسبب كثرة ما سمع عنه من الآخرين .
هو إنسان تجده في كل مناسبة اجتماعية فضلاً عن المناسبات الرسمية ومجلسه العامر مملوء دائماً بأناس من مختلف المشارب، منهم المواطن والأجنبي، منهم الفقير والغني، العالم والأمي، إنهم خليط لا يجمع بينهم جامع إلا ذلك الإنسان الذين يودون أن يكونوا قريبين منه . وهنا اتحدث عن الإنسان مع حفظ الألقاب والشارات والمناصب، الذي يملك من المناقب ما يأسر به عقول وقلوب كل من التقى به، وهذا ما دفعني إلى هذه الكلمة بنية مخلصة وخالصة .
صحيح أنني مهما كتبت لن أضيف شيئاً إلى ما هو راسخ في نفوس كل من عرف هذا الرجل الإنسان .
مسؤولون كثر يستحقون منا أن نشير إليهم بالتقدير والاعتزاز وفي مقدمتهم ودائماً الراحل الشيخ زايد، رحمه الله، لكن هذا الرجل محل حديثي وجدت له مكاناً متميزاً في نفسي باعتباره أخاً وصديقاً له من المواقف والمناقب ما أعجز عن ذكرها كلها .
ولذلك سأقف على بعضها، وأولاها البر بالوالدين، ونعرف عنه بره بوالده الذي رافقه في مرضه وشيخوخته، لقد كان بالنسبة إلى والده جليساً وصديقاً وصاحباً وخادماً وفي ذات الوقت قائماً بواجباته الوطنية والاجتماعية وتقديم كل ما يمكنه من أجل إسعاد الآخرين .
استطاع بذلك التوفيق بين بر الوالد والواجب الوطني سواء على المستوى الرسمي أو المستوى الاجتماعي كلما وجد إلى ذلك سبيلاً . فأية خصلة تتقدم على بر الوالدين بعد الله؟
وأية خصلة تتقدم على إسعاد الآخرين وخاصة من خلال تأديته الواجبات الاجتماعية بلا كلل أو ملل، وتحديداً في مشاركة أهله وعشيرته من أبناء الإمارات أفراحهم واتراحهم بابتسامة ذات معنى وسعة صدر وكرم أخلاق، وهل هناك أحلى من أن يكون أحدنا سبباً في إسعاد الآخرين ذلك هو، ويبين هذا الإنسان وكيف ستكون منزلته عند الله تعالى إن كان سبباً في شفاء مريض سواء بزيارته أو تقديم يد العون له وتمكينه من العلاج والدواء .
إن اسمه سابق له شخصياً داخل وخارج الفريج وأعني به الوطن الكل يسأل عنه يسأل عن الكل يقدم الطعام بيديه لضيوفه ويسأل عن كل واحد منهم دونما استثناء .
قال بحقه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، أطال الله في عمره، في إحدى المناسبات ما يؤكد قناعات الجميع، وأسمح لنفسي بأن اقتبس هذه العبارة حيوا معي هذا الرجل واصل الأرحام، عائداً لذوي الأسقام، جابر عثرات الكرام .
وأمام هذه الجملة الجامعة المانعة أحيي الشيخ نهيان صديق الجميع وحبيبهم الذي يملك من النبل والشهامة ما يستحق منا الثناء والشكر والدعاء إلى العلي القدير أن يمد في عمره ويكثر من أمثاله على امتداد وطننا الحبيب .