ليست كل الأوطان سواء، فحين تهبّ العواصف، وتشتد الأزمات، ينكشف المعدن الحقيقي للأوطان، فهناك دولٌ تتراجع خطوةً إلى الخلف، تاركةً شعوبها تواجه قسوة الأيام وحدها، وتتحمل وطأة الأزمات من دون سند، ودولٌ تُحمّل الإنسان كلفة ارتباك العالم وأثمان أزماته، فيما تُجيد أخرى صناعة الشعارات أكثر من قدرتها على صناعة الطمأنينة، بينما تقف بعض البلدان على مسافةٍ من آلام الناس وكأن الوجع شأنٌ فردي لا يعنيها، لكن تبقى أوطانٌ استثنائية لا يُعرف قدرها في الرخاء بقدر ما تتجلّى عظمتها في الشدائد، لأنها ببساطة لا تترك أبناءها وحدهم.
ذات يوم، قال لي أحد الأساتذة الكبار، خلال نقاشٍ طويل عن الإمارات، وهو يتأمل حديثي عنها بإعجابٍ امتزج بدهشةٍ صادقة:«بلادكم جميلة، وأنتم أبناء الوطن.. لماذا لا تُبرزون دور بلادكم بصورة أكبر؟»
ابتسمت، وتوقفت لحظة، ليس لأن السؤال بسيط، بل لأن الإجابة كانت أكبر من اللغة نفسها، فبعض الأوطان يصعب اختزالها في كلمات، وبعض التجارب الإنسانية تعجز البلاغة عن الإحاطة بها، ثم قلت له بهدوء ويقين الواثق بما يرى، لا بما يسمع:«لو كتبنا عن الإمارات كل يومٍ طوال العمر.. فلن نوفيها حقها».
ولم تكن تلك مجاملة عاطفية، ولا حماسة وطنية عابرة، بل حقيقة يدركها كل من عاش على هذه الأرض وتأمل كيف تُدار العلاقة بين القيادة والإنسان، لا باعتباره رقماً في سجل، ولا مجرد مواطن يؤدي واجباته، بل باعتباره جوهر الحكاية كلها.. قيمة عليا تُصان كرامتها، وتُحفظ إنسانيتها، وتُصاغ السياسات والقرارات على قاعدةٍ راسخة مفادها أن الإنسان يظل دائماً الأولوية الكبرى، والغاية الأسمى، إذ تُقدّم الإمارات نموذجاً مختلفاً، نموذج دولة لا تتخلى عن إنسانها أبداً، ولا تتركه وحيداً في مواجهة القلق والمجهول.
ففي ذروة أوقات المحن، لم نرَ وطناً يُضيّق على شعبه أو يحمّله كلفة العالم الثقيلة، بل رأينا دولة تقترب أكثر، وتمنح أكثر، وتقول بلغة الأفعال قبل الكلمات: الإنسان أولاً.
من دعم المديونين، وتخفيف الأعباء عن المتقاعدين، وتيسير سبل العيش الكريم، إلى المنح السكنية والأراضي، ووصولاً إلى المبادرات الإنسانية بالإفراج عن المسجونين ولمّ شمل الأسر، لا تبدو هذه القرارات مجرد ملفات إدارية أو حزم دعم عابرة، بل تعكس فلسفة وطنٍ آمنَ بأن استقرار الدولة يبدأ من طمأنينة الإنسان.
وربما تكمن عظمة هذه التجربة في أن الخير فيها بات مألوفاً إلى درجة أن البعض لم يعد يلتفت إلى استثنائيته، فثمة نِعَمٌ تتكرر حتى يظنها الناس حقائق ثابتة لا فضل فيها، بينما حقيقتها أنها استثناء نادر. أن يصبح الأمان النفسي جزءاً من تفاصيل الحياة، وأن يتحول الاحتواء إلى نهج، والكرامة إلى حقٍ أصيل لا يُنتزع.
الإمارات لم تنتظر الأزمات لتقترب من شعبها، ولم تجعل العطاء ردّ فعلٍ مؤقتاً تفرضه الظروف، بل حوّلته إلى فلسفة دولة ونهج قيادة.
وتبدأ الحكاية الحقيقية للتماسك من البيوت، من أُمٍّ تغرس في قلب طفلها معنى الانتماء قبل أن يتعلّمه، وتزرع فيه الامتنان لوطنٍ أعطى، وأن تغرس فيه الإحساس بالمسؤولية تجاه منجزاته، ومن أبٍ يُعلّمه أن ما ينعم به من أمنٍ واستقرار لم يولد صدفة، بل صنعته رؤيةٌ حكيمة وجهودٌ عظيمة وتضحيات كبيرة. فالأوطان القوية لا تحرسها الحدود والقوانين وحدها، بل تحرسها قلوبٌ مؤمنة بها، وأجيالٌ تنشأ وهي تدرك أن الحفاظ على المكتسبات لا يقل قداسةً عن صناعة الإنجازات نفسها.
ولعلّ ما يمنح التجربة الإماراتية فرادتها الحقيقية، أنها لم تضع الإنسان والاقتصاد في كفّتين متقابلتين، ولم تتعامل مع الرعاية الاجتماعية باعتبارها عبئاً على التنمية، بل صنعت معادلة تبدو نادرة في هذا الزمن، كلما ازداد الاستثمار في الإنسان.. ازداد ازدهار الوطن.
الحديث عن الإمارات لا يجب أن يُختزل في الإنجازات العمرانية أو المؤشرات الاقتصادية أو الأرقام الباهرة، مهما عظمت، فالوطن الحقيقي ليس مجرد أرضٍ نعيش عليها، بل معنى كبير يسكننا، وحضن يحتوينا، يربّت على كتف المتعب، ويفتح أبوابه للمحتاج، ويقف بجوار أبنائه حين تضيق الدنيا، وقيادة حكيمة ليست بعيدة عن تفاصيله الصغيرة قبل أحلامه الكبيرة، وهنا تحديداً تتجلى عظمة الإمارات.
ولهذا قلت للأستاذ الكبير في ختام حديثي معه، وأقولها اليوم بيقينٍ أشد رسوخاً:إن بعض الأوطان تُكتب عنها المقالات، وهناك أوطان أخرى تعجز المقالات عن الإحاطة بها، والإمارات واحدةٌ منها، فهي لا تحتاج إلى من يُبالغ في وصفها، لأن أثرها يتكلم عنها.
ومهما كتبنا عن الإمارات، سيبقى دائماً جزء من الحكاية أكبر من اللغة، وأعمق من البلاغة، وأوسع من أن تحتويه الكلمات، فالأوطان العظيمة تُعرَف بما تزرعه في أرواح الناس من طمأنينة، وما تمنحه لقلوبهم من يقينٍ بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الحياة، وأن خلفهم وطن إذا ضاقت الأيام.. اتّسع لهم واشتد بهم لا عليهم.
