تسبب برنار أرنو رجل الأعمال الأشهر في العالم بسجال فرنسي فرنسي هو الأول من نوعه منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، تاريخ تسلّم الاشتراكيين زمام السلطة في باريس . فقد أعلن أنه يريد الحصول على الجنسية البلجيكية، وأنه تقدم بطلب لهذه الغاية في يوليو/ تموز الماضي . وقد فسر محامون هذا الطلب بكونه رداً على إجراء ضريبي جديد اعتمده فرانسوا هولاند في برنامجه الرئاسي، ويقضي برفع الضريبة إلى نسبة 75 في المئة على مداخيل الأشخاص الذين يحصلون سنوياً على أكثر من مليون يورو . في حين يعد النظام الضريبي البلجيكي ملائماً أكثر لرجال الأعمال الكبار، علماً أن الرجل صرح بأنه سيظل خاضعاً للنظام الضريبي الفرنسي ولن ينتقل ضريبياً إلى بلجيكا، وأن الحصول على الجنسية غرضه تطوير مشاريعه واستثماراته في بلجيكا، إلا أن أحداً لم يصدق هذه المزاعم التي فاقمت السجال عوضاً عن الحد منه . وقبل الإشارة إلى السجال في مبادرة أرنو، لا بد من التذكير بأنه يحتل الموقع الأول في ترتيب الثروات الشخصية في فرنسا وأوروبا، والمرتبة الرابعة في حجم الثروات الشخصية في العالم بأسره، وتقدر أمواله ب 41 مليار يورو . وقد سبق له أن انتقل لمدة ثلاث سنوات إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1981 خوفاً من الإجراءات الضريبية الاشتراكية بعيد انتخاب الراحل فرانسوا ميتران رئيساً للجمهورية .

ويوصف برنار أرنو الذي يقف على رأس مجمع للصناعات الفاخرة في بلاده (لويس فيتون وكريستيان ديور . . إلخ)، بأنه بطريرك الليبرالية المطلقة، وكان عراباً لزواج نيكولا ساركوزي من زوجته الثانية كارلا بروني، وأحد أبرز مهنئيه بالرئاسة في عشاء الفوكيتس الشهير عام 2007 بعيد إعلان النتائج .

بدا الهجوم على أرنو شاملاً في المعسكر اليساري ( . . جبان وهارب من الخدمة . . هربه يعكس عدم إيمان النخب بفرنسا . . إنه يبين أن رأس المال لا وطن له . . طلبه الجنسية البلجيكية مهين للفرنسيين والأوروبيين والبلجيك ولو كنت بلجيكياً لشعرت بالإهانة، فالرجل يريد الجنسية من أجل الجشع والربح لا لشيء آخر . . يجب إنشاء ضريبة خاصة لمعاقبة الهاربين من دفع الضرائب . . من يرفض دفع الضريبة يرفض قاعدة التشارك في المواطنة . . إلخ)، أما في الشطر اليميني المعارض فقد التزم معظم القادة الصمت، ولم يدافع الذين تكلموا مباشرة عن موقف رجل الأعمال، ولكنهم حملوا على ضريبة ال 75 في المئة، معتبرين أنها تدفع نحو نتيجة كارثية، كتلك التي نراها في مبادرة أرنو، بحسب فرانسوا فيون رئيس الوزراء السابق .

تقتضي الموضوعية الإشارة إلى أن حال أرنو ليس فريداً من نوعه في هذا المجال، فأصحاب الرساميل في كل مكان ربطوا حياتهم برساميلهم وهم لا يحبون المخاطر، ولا أي نوع من أنواع الصعوبات، وطالما أن قاعدة رأس المال الذهبية هي الربح المطلق والجشع، فإنه لا يطيق القيود ومن بينها الضرائب والنزعة القومية والوطنية، ويفضل العمل في بلدان تمنح الرساميل حرية مطلقة وفق القاعدة الرأسمالية التقليدية . .دعه يعمل دعه يمر .

والحق أن فرنسا اليعاقبية كانت حتى وقت قريب تفتخر بأنها بلد الرأسماليين وكل الطبقات الأخرى، يتشارك الجميع في الضريبة وفي سائر الواجبات الوطنية، ويستفيدون من المنافع الوطنية المختلفة ومن ضمنها على سبيل المثال شن حروب، وفتح أسواق جديدة من أجل توفير فرص الربح الأكبر للرساميل الوطنية وأصحابها، علماً أن الذين ماتوا في حروب فرنسا الكولونيالية لم يكونوا من أصحاب الرساميل .

والواضح أن المشكلة ليست لدى برنار أرنو وحده، فقد قررت باريس التخلي عن يعاقبيتها الوطنية عندما اختارت الاندماج الأوروبي العابر للقوميات والوطنيات خدمة للرساميل وأصحابها، ولضمان بقائها وتركزها وتوسيع نشاطها ضمن الإطار الأوروبي، وللحؤول دون تركّزها، حيث الربح حصراً، وعليه لا يحق لمناهضي رأس المال الفرنسيين اعتبار أرنو خائناً لوطنية طالما اختارت القوى السياسية الفرنسية تجاوزها عبر مساواة الوطنية البلجيكية بالوطنية الفرنسية وإلغاء الحدود بينهما .

عندما تجعل فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية السوق هدفاً للمشروع الأوروبي الذي جرد من كل مضمون اجتماعي وأخلاقي، بعبارة أخرى عندما تحطّم فرنسا ودول أخرى الوطنيات والقوميات الموروثة خدمة لرأس المال، فلا يحق لها الندم من بعد عندما يقرر الرأسمالي الأكبر فيها الانتقال في السوق الأوروبية من بلد إلى بلد خدمة لمصالحه تماماً، كما فعل في العام 1981 عندما ذهب إلى الولايات المتحدة خدمة لمصالحه، معتبراً أن السوق الغربية هي حدوده وليست الفرنسية حصراً .

ولعل الناقمين اليوم على أرنو يتذكرون أن الحكومات الاشتراكية الفرنسية كانت شاهداً على انتقال الرساميل والاستثمارات الوطنية إلى الخارج، للإفادة من رخص اليد العاملة في شمالي إفريقيا والأسواق الآسيوية، ومن بينها الصين الشعبية، وكانوا بذلك يطعنون مستخدميهم في الظهر ويتركونهم نهباً لسوق البطالة، ولعل الاشتراكيين يتذكرون أيضاً أنهم غضوا الطرف عن إجراءات حكومة نيكولا ساركوزي الذي دفع

ونظراؤه الأوروبيون مئات المليارات لإنقاذ الرأسماليين الأوروبيين من لعبة مضاربة جهنمية وجشعة صنعوها بأنفسهم .

لم يكن رأس المال يوماً في فرنسا وغيرها وطنياً إلا عندما كانت الوطنية وسيلة للربح والجشع، ولم يكن رأس المال شريكاً للعمال والمستخدمين إلا عندما كانوا يموتون من أجله، ولم يكن يوماً يرأف بمصير الطبقات الدنيا، فهو يلغيها تباعاً لمصلحة الربح بواسطة التنكولوجيا، وذلك كله يعرفه اليسار الفرنسي المصعوق اليوم إزاء جنسية برنار أرنو البلجيكية . . حقاً لا مطرح للمفاجأة، فهذا الرأسمالي فعل كما كان ومازال يفعل أصحاب الرساميل منذ انبثاقهم أي: تمريغ الأخلاق الوطنية والقومية بالوحل عندما تعترض طريقهم، وكل تفسير آخر لا يعول عليه .