يصح القول، بل هو صحيح تماماً، إن قمة دمشق، وأظن أنها ستكون الأخيرة، لم تكن تختلف عن سابقاتها في شيء رغم أن نصف القادة والمؤثرين منهم خاصة، قد تغيبوا عنها لأسباب أو من دون أسباب، وإن حضورهم، من وجهة نظر عميقة، لم يكن ليغير في الأمر شيئاً أو يضيف إلى الحالة الراهنة جديداً. كما أن توصيات ومقررات القمة لن تكون أفضل أو أسوأ مما بدت عليه، فهي توصيات ومقررات روتينية معدة سلفاً وجاهزة لتقال في كل اجتماع يأخذ شكل القمة أو ما دونها قد تختفي جملة قديمة بمعنى ما لتظهر جملة جديدة تحمل المعنى نفسه أو ما يقاربه.

وفي هذه الإشارات ما يرفع الحرج عن الذين حضروا القمة الأخيرة ويرفعه أيضاً عن الذين لم يحضروا، فالتحديات التي على الأمة العربية أن تواجهها أكبر مما تستطيع القمم الدورية او الاستثنائية أن تفعله. ولا قدرة لمن حضر هذه القمة أو تخلف عنها على التأثير في مجرياتها بالعقلية والأساليب السائدة وبمحاولات الترقيع التي تتخذها الأنظمة العربية وبما يقوم بينها من علاقات باردة أو ساخنة. ولا يستطيع المتطرفون والمعتدلون، إن كان هناك اعتدال أو تطرف، أن يغيروا من الواقع وهم جميعاً يراوحون في مكان واحد وفي مواقف ثابتة بجمودها وببلادتها.

مسكينة إذاً، الأمة العربية، التي تتألف من هذا الكم الهلامي من البشر الذين فاق تعدادهم الثلاثمائة مليون، يقفون على أرض هي الأغنى والأهم، وهي مسكينة بأن الله ابتلاها بأنظمة لا تعمل حتى لمصالحها الخاصة ولا تدري كيف تحمي نفسها من أخطار واقعية ودائمة، ولا كيف تحافظ على وجودها وهي في هذه الحالة من الاستلاب المريب. وأن يعاديك الآخرون ويتآمرون عليك لسبب أو لآخر هذا شأنهم وذلك قدرك أما أن تعادي نفسك وتتآمر على حاضرك ومستقبلك فتلك هي المأساة، ويا لها من مأساة تجمع بين ما هو كوميدي مثير للضحك الذي يشبه البكاء وتراجيدي يثير الحزن والرعب والهلع.

ومن حصيلة آخر قمة بمقدماتها ونتائجها يتبين لكل ذي عقل أنه من المستحيل على قمة واحدة أو عشرات القمم التي يمكن للعرب أن يعقدوها في كل عام، في هذه العاصمة أو تلك، في البر والبحر أو الفضاء، أن تغير ما بأنفسهم أولاً، أو تغير ما بواقعهم العربي ثانياً، أو أن تضع حداً للفشل الذريع الذي يواجه صباح مساء أعمالهم منفردة أو مجتمعة، لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى التحديات ولم يقتربوا بإخلاص وصدق من الحد الأدنى الذي يضمن الوقوف في وجه العدوان الذي بات لا يمس الأرض والكرامة فحسب، وإنما صار يمس المبادىء والمقدسات ويعرض الأمة بأكملها لما لم يكن في الحسبان.