د.عبد العزيز المقالح
كلما توقعنا أن الانفراجات المحدودة التي تمر بالحياة العامة بإمكانها أن تعبر المسافة في وقت قصير، إلا أن عبورها يبقى محدوداً أيضاً، وقد تكون هذه الكلمات متشائمة، وتمنع نجاح المتفائلين، غير أن هذا ما تؤكده كل الشواهد الحاضرة والغائبة.
غير أن علينا أن لا نُضيع الوقت بين تعابير التفاؤل والتشاؤم، وأن نتوجه بكل ما نمتلكه من وعي وخبرة ومعرفة إلى تغيير الواقع، والخروج به من واقع شديد التخلف، إلى واقع أكثر حيوية وحياة وانطلاقاً نحو المستقبل الذي ينتظره الجميع.
وفي بلادنا العربية كما في سائر شعوب العالم تحدث حالة من السباق، بين باحث عن التطور ومتراجع إلى التخلف، والمسافة التي نقطعها بين الأمس واليوم لا تكاد تُعبر عن طموحاتنا ولا عن أحلامنا، وربما كانت طموحاتنا أكبر من قدراتنا، وهو ما يجعلنا نتصور أن رحلة اليوم لا تكاد تختلف عن رحلة الأمس، وكأننا نراوح في مكاننا، لا نتحرك يميناً ولا يساراً.
وهذا التصور هو من صُنع اليأس، ولا علاقة له بالواقع وما تتبلور في حناياه من تغيرات هي قيد التطور والانطلاق، ويصح القول إن شعوب العالم في هذه المرحلة قادرة على تجاوز كل ما من شأنه أن يعيق خطواتها، أو يجعلها تتعثر في مكانها.
إن الحياة تفرض نفسها، وتَفرض معها وسائلها للتغيير، وإذا تعثرت بعض الشيء أو تأخرت فلِكَي تتقدم، فمسيرة الحياة لا تعرف التوقف أو الانتكاس، والملاحَظ أنه لا يوجد في أقطارنا العربية ما يوجد في أقطار شعوب العالم من رصد لحركة التغيير وما يرافقها من حركة المجتمع كله، ولو في إطار محدود، وإذا امتلكنا كغيرنا حركة رصد شامل لَمَا حدث ما يَحدث على الأرض العربية من تغيرات لا تقف عند موضوع واحد، ولا عند قضية واحدة، وليس عسيراً أن يتم استحداث هذا المرصد الذي يتابع بدقة ووضوح شديدين علاقة الواقع ومتغيراته وما توحي به المؤشرات التي تؤكد ما سبقت الإشارة إليه.
إن نجاحنا في أن نتبين الملامح العامة وتغيراتها، وإن كانت محدودة، سيمكن من قدرتنا على الفصل الواعي بين التوجه نحو المستقبل والتراجع نحو الخلف، ولا مناص لشعوبنا العربية من أن تأخذ نماذجها من أفضل ما في الحياة، ومن حسن الحظ أن النماذج كثيرة، وفي مقدورنا أن نأخذ أفضلَها ونقتدي بما هو أفضل لنا ولأقطارنا العربية. وفي أوروبا وأمريكا تكمن الكثير من النماذج المشار إليها، وفيها ما يُغيرنا ويُحقق أحلامنا، وليس عيباً أن نقتدي، وحتى أن نقلد، فالحياة بأطرافها الواسعة قابلة للأخذ والرد والعطاء.
[email protected]
كان الحديث عن النازحين على وسائل الرأي العام من صحافة، وإذاعة، وتلفاز، يتردد يومياً رغم أن أوضاعهم لم تتبدل، وهو الآن لا يأخذ سوى حيز ضيق في هذه الوسائل. فهل اختفى النازحون، أم أن وسائل الإعلام هي التي قصرت في أداء واجبها نحو هذه الإشكالية الكبيرة التي تواجه الأمة، وتعصف بكل محاولة لإصلاح ما دمرته، وتدمره، فسيكون من الأفضل دائماً الخروج من هذا المأزق الحالي والبحث عن طريق آخر هو من الوضوح بمكان
فهل آن لهذه الأمنية أن تتحقق، وأن يستعيد الإنسان ما افتقده من حال تبعده عن هذه الحسنة المؤثرة والقائمة على حقيقة أن الإنسان لا بد له أن يتحرر روحياً وجسدياً من كل ما يعيق حالته ويؤثر في مسيرته.
إننا نحاول، ونحاول، ولا بد في نهاية الأمر أن ننجح، هكذا قالت الحقيقة، وهكذا يقول الواقع، وقد اقترب الحل، ولا بد أن نتابع ونتابع حتى لا نتراجع ونعود إلى المناخ السابق نفسه مناخ النزوح وتبديد الطاقة في مواجهة النزوحات المستمرة، والآتية من هنا، وهناك .
علينا كما سبقت الإشارة أن نواجه كل المحاولات الهادفة إلى أن نتراجع ونستعيد زمن النزوح بكل ما فيه من انكسارات، وعلينا مهما كانت التضحية، أن نتجه إلى المستقبل، وأن نتجاوز حالة الركود والجمود، وإذا فعلنا ذلك فنكون قد نجحنا نجاحاً باهراً، وحققنا الخطوة الأولى على طريق ما نبتغيه ونبحث عنه، وهو أمر ميسور وسهل وفي مقدورنا تحقيقه إذا ما واصلنا النجاح والاعتماد على كل ما يقودنا إلى الأمل الكبير وإلى النتيجة الواضحة .
هل مضى زمن النازحين ببؤسه وسوء أيامه؟ لا يجوز الاستمرار في الدوران حول ذلك الزمن، وما يفيض في جنباته من تخلف ومحاولات الانتكاس على الطموح اليومي الهادف إلى هذه النقلة الجديدة بكل احتمالاتها، وتطلعاتها، ولنا أن ندافع بقوة عما نحلم به، ونتطلع إلى تحقيقه، ولا نقبل بأي حال التراجع عن هذا الهدف الكبير، وإلا نكون فقدنا الخطوات الأولى نحو ما يساعدنا على نجاح كل خطوة نخطوها، وتشدنا نحو الأقوى والأفضل .
قضية النزوح مستمرة ومتواصلة وعلى العالم تحمل مسؤولياته تجاه هذه المأساة الإنسانية المديدة.
[email protected]
يبدو إعلام بعض الأقطار العربية في غاية العجب، وهو لا يختلف كثيراً عن تلك التلفازات التي توجد في الفنادق وفي بعض المستشفيات، حيث يُعرَض فيها فيلم واحد لا يتغير ولا يتبدل، ومن أراد أن يُشاهده شاهَد، ومن أراد أن يَرفُضَهُ رَفَض. فقد يُوضع في هذا المكان فيلم للأطفال، ولكنه كما سبقت الإشارة لا يتغير، فيظل هذا الطفل أو مجموعة الأطفال (لفترات) يمارسون أعمالهم وأدوارهم في هذه الأفلام على مدار الشهور والأعوام. وقد يعتبر بعض الإعلاميين أن هذه مجالات حرة، ولا يتدخلون في شأنها للعرض على مشاهديها وكسب رضاهم أو سخطهم.
وقد وقعتُ الأسبوع الماضي في محنة، أرى أنه لا مانع لدي من تسميتها بالمحنة. فقد نزلتُ في أحد الفنادق ووجدتُ نفسي بحاجة إلى التسلية ومتابعة فيلم من الأفلام القديمة أو الحديثة، أو متابعة مسلسل تمثيلي مِن تلك التي تبعث في الروح النشاط، لكني فُوجئت بأن الفيلم الذي يعرضه الفندق كان للأطفال فقط، وبرؤية مكررة، يتكرر فيها المشهد أحياناً لساعات وليس لساعة واحدة، كأن هذه المحطات التي تعرض هذه الأفلام بهذا الشكل، موحية بألا تحمل أي معنى، وأن تكون مجرّد عرض عابر لتسلية بعض الأطفال في تلك المجالات.
إن الإعلام العربي بحاجة إلى إعادة النظر في كل المستويات، سواء في الأعمال الخاصة أو الأعمال العامة، فأي خطأ يحدث لا ينسبه الناس إلى أصحابه في القطاع الخاص، وإنما يسارعون إلى تحميله للإعلام الذي يظل يتفرّج على هذه التفاهات الصغيرة التي لا ترتقي بالإنسان، ولا تحرص على مستواه الفكري والثقافي. وأرجو ألا يحسب البعض هذا نوعاً من التجني؛ بل هو اجتهاد خاص لوضع حد لمثل هذه اللُعب التي لا تُغني الثقافة ولا تُسمِن الفكر، ولا تضيف جديداً إلى معلوماتنا؛ بل هي شخبطات كتلك التي في بعض الصحف وبعض المجلات التي توهمنا بأن هذه الشخبطات نوع من أنواع الفن العظيم، وهي ليست كذلك على الإطلاق.
وإذا كانت هذه اللُعب التي تبدأ من الفندق قد حازت بعض المشاهدين، فإن الأغلبية لا تراها إلا نوعاً من الضحك على الذقون، وعدم احترام للمشاهد من ناحية، والفكر والثقافة من ناحية أخرى. نَربَأ بإعلامنا أن يَسقط به بعضُ مَن يدّعون الفهم وهم لا يعرفون شيئاً في الكتابة، خاصة أولئك الذين لا يميزون بين الشجر والبقر.
وبعد هذه الإشارات التي قد يكون بعضها ساخراً أو خارجاً عن المنطق، أرجو أن يجد إعلامنا العربي طريقَه إلى تصحيح المفهومات عملياً لا نظرياً.
د. عبد العزيز المقالح
هي قرية سودانية لا يزيد عدد بيوتها على أربعة أو خمسة بيوت عندما زرناها وكان عدد سكانها أيضاً، قليلاً، لكن دورها الديني كان في غاية الأهمية. فقد احتفظت بتدريس القرآن الكريم على مدى خمسة قرون، حيث يأتي محبّو القرآن إلى هذه القرية كل عام، ويتعلمون قرآنَه وتفسيره، ثم يرجعون إلى قراهم ومدنهم ليقوموا بدورهم في التعليم والتحفيظ.
وما من شك في أن قرية «أم ظوبان» أو «قرية النار المقدسة»، قد قامت بدور عظيم في المحافظة على آيات الله دون تحريف، حين زرتها أنا ورفاقي العرب وكنا في تلك الأيام منخرطين في ندوة لتعليم اللغة الإنجليزية، وكان يرأس الندوة بريطانيون، وما زلت أتذكر اسم أحدهم وهو ركس كنج، وكيف كان يُظهر التعاطف مع الشعب العربي السوداني الذي كان يعيش في بحبوحة من النعم، فقد كان كيلوجرام الليمون بربع جنيه، وكان قنب الموز أو كما يسمونها «القتنة» لا يحملها إلا عامل إلى سيارة المشتري، أو إلى بيته، ولم تكن السياسية قد ضربت وجدان هذا الشعب. وقبل أيام من حضورنا إلى الخرطوم كان الرئيس إبراهيم عبود، قد تخلى عن رئاسة الجمهورية باختياره؛ البلاد في أمان واستقرار، ومستوى المعيشة يزداد ارتقاء، وكان المواطنون يشاهدون الرئيس السابق إبراهيم عبود، وهو يشتري الخضار واللّحمة كأي مواطن لم يكن له مقام في تاريخه.
ولا أنسى أنني شاهدته في أحد الأسواق وهو يشتري متطلبات اليوم، وكاد زميلي ينكر أنه هو إبراهيم عبود الرئيس السابق للسودان، واقتربت منه بخطوات وحيّيته، وسألته: كيف حال الرئيس الديمقراطي؟ فضحك ضحكته السودانية العالية الصدى، وقال: «أنا بخير وفي حالة من الاستقرار، وذلك ما أطلبه لشعب يستطيع أن يُنتج ويكسب الخطوات الأولى على طريق الأساليب الحضارية والتحديث».
إن الشعب العربي في السودان شعب عامل ونشيط، وليس كما يصوره البعض شعباً كسولًا، وهو شعب يحب الفرح. فعندما تقام الأعراس تبدأ الأصوات تعلو بكلمة واحدة: «أبشر.. أبشر»، وهي حالة من البهجة لم نشهدها في أي بلد عربي إلا في هذا البلد المحب للفرح، والمؤمن بأن المستقبل بحاجة إلى قوم يحبّون وطنَهم ويحبّون أن يفرحوا معه، ويفرحون به.
وكما يحب هذا الشعب العربي الفرح، يحب الموسيقى أيضاً، فهو لا يتوقف جسده عن الحركة وأحدهم يغني أو يعزف، وتلك كما يقول الباحثون، طبيعة الشعوب الحية والمناضلة في سبيل الخروج من ربقة التخلف والارتقاء بالإنسان إلى مصافّ الأمم الراقية، كما سبق وتكررت الإشارة.
ولا أنسى هنا مستوى التعليم في هذا البلد، فقد كان أرقى منه في سائر الأقطار العربية، وقد حاولت بشهور عديدة أن أدرس الثانوية العامة في مدرسة «حنتوب»، وما أحرزت إلا القليل من النجاح، وكان الفشل حظي؛ إذ دعاني أحدهم إلى أن أنتقل إلى مصر حيث التسامح العلمي مع الشباب العربي خاصة، وقد ترددت كثيراً في العمل باقتراح المذكور.
[email protected]
بعد السنوات الطوال من زراعة الأرز باليمن، لا نريد أن ننافس العالم، لكننا فقط نريد أن نذكّر بما كانت عليه الأحوال.
أتمنى على القارئ ألَّا يسارع ويعتقد أن هناك بين الأرز المعروف في الأسواق نوعاً اسمه الأرز اليمني، لكن ذلك لا ينفي أنَّ اليمن عرف نوعاً من الأرز المتميز في المنطقة الجنوبية الشمالية وذلك قبل أن تسيطر شجرة القات وتلتهم الأراضي التي كانت تنتج الأرز والبن.
وأتذكر عندما كنت طفلًا أن الحكومة كانت تصرف لأبي جزءاً من راتبه من الحبوب من الأرز، وعلى العكس من ذلك صنعاء والمناطق المحيطة بها التي لم تكن تعرف الأرز في الخمسينات عند بدء استيراده من عدن. وكانت صنعاء وأهاليها والمحيطون بها لا يطيقون أكل الأرز، ولهم طعامهم الخاص، ولم ينتشر أكل هذه المادة إلَّا بعد أن زاد عدد البشر وزاد التواصل مع شرق آسيا وبدأت أطنان الأرز يتزايد حضورُها عامًا بعد عام.
إن في الحديث عن الأرز اليمني شيئاً من الطرافة لكنه حقيقة ثابتة، عرفتُ ذلك بعيني وذقته بفمي، وأتذكر تماماً كيف كانت شتلات الأرز تنتشر فوق الصخور ويأتي الفلاحون لجنيها، قبل أن يعتدي القات على الأرض والشجرة وتتحول إلى غابات من الأشجار المسماة بالقات، والتي وجدت لها رواجاً في أنحاء كثيرة من البلاد، لا سيما في المناطق التهامية التي تستخدم هذا المستوى البديع من القات الذي يسمونه ب«الشامي» نسبة إلى الأرض التي تنتجه.
وللتاريخ، والتاريخ وحده، فقد كانت اليمن تنتج الأرز وتستخدمه في بعض مناطقها، وأكرر القول إن هذا ما عرفتُهُ وشاهدتُه وأكلتُه، وكان يمكن لهذه الأمور الاقتصادية أن تسير على ما هي عليه لولا ما طرأ على البلاد في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية من تطورات سياسية عكست نفسها على الحياة بكل جوانبها. ومن المؤسف أن هذه الصفحة من تاريخ الوطن أصبحت في حكم المنسية إن لم تكن منسية تماماً، وما هذه الإشارات إلَّا من باب التذكير بما أصبح جزءاً من التاريخ المنسي.
ومن المؤسف أيضاً أن أبناء المنطقة التي كانت تنتج هذه الأنواع من المواد الغذائية لم تعد تتذكر عنها شيئاً، ولم يعد حتى المُسِنُّون من أبناء المنطقة يهتمون بشيء من ذلك، مع أن ذلك يهمهم بالدرجة الأولى، كما يهم بقية أبناء اليمن الذين قامت الثورة لإحيائهم على أسس تتناسب والحياة الجديدة.
التوقف عند مادة الأرز يجعلنا ننتقل إلى الحديث عن إنتاج الحبوب، لا سيما الوفيرة منها في منطقة تهامة الغنية بتربتها وخيراتها المادية. وقد قيل بعد فترة وجيزة من قيام الثورة إن تهامة أو المنطقة المعنية تضم الكثير من الأراضي التي في مقدورها أن تزود كل اليمن من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، إلا أن التصرفات السياسية العابثة والانشغال بصغائر الأمور أضاعت الأمنيات، وبدلت حال هذه الأرض الممتدة من الشمال إلى الجنوب عبر وديان غنية بالمياه العذبة، ولا يزال الأمل حتى هذه اللحظة قائماً بأن تنجح الدولة اليمنية في السيطرة على مواردها والتحكم في مقدراتها الثابتة والدائمة.
نحن الآن، بعد السنوات الطوال من زراعة اليمن للأرز، لا نريد أن ننافس العالم، أو يكون لنا إنتاج من هذه المادة، لكننا فقط نريد أن نذكر بما كانت عليه الأحوال، وبما ينبغي أن تكون عليه، إذا صلحت الأحوال واستقرت أمور البلاد. جدير بالذكر هنا التنوع الذي تتعدد مناخاته وتنعكس آثاره على الواقع المطلوب من تحرر الإنتاج ومن حماية المستهلك من الضغوط الخارجية التي من شأنها أن تهدر حقوق المواطنة أولًا، والعدل الاجتماعي ثانياً. وإذا تم ذلك فستكون البلاد قادرة على إنتاج ما يريده إنسانُها ويتمناه لها أبناؤها المخلصون.
[email protected]
لم يعد هناك أدنى شك في أن الكسوف والخسوف آيتان من آيات الله، وأن الأرض لا علاقة لها بما يحدث.
لم يعد كسوف الشمس أو خسوف القمر يثيران من الإشكاليات ما كانا يثيرانه في الزمن القديم عندما كانت الأمور تفسر بالخرافة، ولم يكن العقل قد تدخل في حل المشكلات كما هو الآن. ومن حسن الحظ أن الحديث النبوي الشريف قد تصدر هذا الحديث. والشمس والقمر لا ينكسفان ولا ينخسفان إلاَّ لشيء أراده الله. وعندما توفي ولد الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام خرجت جماعة تقول إن الشمس أكسفت لوفاة ابن الرسول، فجاء الحديث الصادم والصارم ليقول: الشمس والقمر لا ينكسفان ولا ينخسفان لشيء يخص البشر سواء أكان من المستوى العالي أو المستوى العادي، وقد آن الأوان ليعرف الإنسان دينه وما يترتب عليه من قيم وأحلام وما يبشر به من صفحات جديدة لمستقبل ناهض ورؤية عميقة. وما أجمل تلك الصفحات التي يقضيها الإنسان على شواطئ البحر في أي مكان كان، وهو ما يجعلنا ننسى الآثار المترتبة على الكسوف والخسوف.
ولنا أن نتساءل كما يتساءل الآخرون: هل أصبح لدينا اقتناع تام بما ورد في الحديث الشريف وهو الأمر الذي يربط الإنسان بخالقه وقيمه ولا يمكن تجاوزه بحال من الأحوال؟
وربما لفت انتباهي كثيراً ذلك الأذان الذي يقول صلوا في بيوتكم وصلوا في رحالكم. وفي حالة الكسوف والخسوف الصلاة واجبة، وهي فرض ديني لا يمكن تعديه والابتعاد عن أهدافه المحددة التي يعرفها الصغير والكبير، والإنسان العاقل والإنسان الجاهل. ونحن في هذه البلاد الطيبة لا ينقصنا شيء مما دعا إليه الذكر الحكيم «والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين»
ولم يعد هناك أدنى شك في أن الكسوف والخسوف آيتان من آيات الله، وأن الأرض لا علاقة لها بما يحدث، فالشمس والقمر - كما سبقت الإشارة في هذا الحديث أكثر من مرة - لا ينكسفان ولا ينخسفان بشيء يمسه البشر أو يدركه أهل الأرض.
وما أروع منظر الأطفال وهم يستقبلون الحدث بضحكات جميلة ورقصات بديعة ويفرحون ويهزجون، وذلك شأن الإنسان السوي، فالإنسان شاء له الله أن يكون واعياً ومقدراً لأمور الحياة وما يحدث فيها ولها، ولله الأمر من قبل ومن بعد وإليه ترجع الأمور.
وإذا كان الكسوف أو الخسوف قد ترك أثره في واقعنا وأوجد حالة من القلق والتوتر في بعض النفوس، فإنه يظل أثراً زائلاً وهو - كما سبقت وتكررت الإشارة - آية من آيات الله إلى ما يتركه هذا الحادث في حياة الناس. ومهما قيل ويقال، فإن الوعي يزداد وينصرف الإنسان إلى أموره بعيداً عن كل ما يثير القلق ويبعث الألم والخوف من نهاية العالم المرتبطة بهذين الحدثين؛ الكسوف والخسوف. فالله وحده هو الذي يعلم نهاية العالم وأثر كل شيء يحدث من تحولات في عالمنا. وقد كان للمرأة دور في التوعية ونشر الحقائق بعيداً عن كل ما تألفه الخرافات وأمثالها من الحقائق ومن المعلومات العابرة التي لا تعتمد على حقيقة واحدة وتبقى سابحة في الفضاء، وكأي شيء عائم لا يدرك حقيقته إلاَّ خالقه. ورغم تطور الإعلام وما حدث في هذا العالم من تقدم مثير للدهشة، فإن الموضوع يظل تحت سيطرة القادر المقتدر.
[email protected]