كثيرة هي الانتهاكات والمضايقات والحملات التي يتعرض اليها المسلمون في فرنسا من جهات متعددة تضم، على الخصوص، اليمين العنصري المتطرف، والأوساط الصهيونية وغلاة العلمانيين الذين يعتبرون العلمانية نقيضا للدين عامة وللإسلام خاصة. وتتنوع تلك الانتهاكات والمضايقات والحملات متخذة حينا شكل تدنيس لقبور مسلمين دفعوا حياتهم من اجل تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، ومتخذة حينا آخر، شكل مصادرة لحقوق المسلمين في إقامة مساجد يمارسون فيها شعائرهم. وإلى جانب ذلك يجري التهجم على المعتقدات والرموز الإسلامية، ويجري تخويف ذوي الأصول الفرنسية من غزو واكتساح إسلاميين مزعومين لفرنسا خاصة ولأوروبا عامة.
وعلى الرغم من أن أصوات المسلمين في فرنسا ترتفع بين الفينة والأخرى بالتنديد والاحتجاج فإن وضعية الجمعيات والهيئات التي تزعم تمثيل المسلمين في فرنسا، وتتجرأ على التحدث باسمهم، وضعية بائسة لا تزال تلعب الدور الأساسي في إعاقة تحويل القوة الكمية التي يمثلها المسلمون في فرنسا بملايينهم الخمسة تقريبا إلى قوة نوعية على الصعد الدينية والاقتصادية والسياسية.
ولم تقتصر مظاهر الوضعية البائسة لحركة المسلمين في فرنسا على التأخر الزمني الكبير الذي عرفه تأسيس مجلسهم التمثيلي: المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. فعلى الرغم من الدور الذي لعبه مسؤولون حكوميون فرنسيون في تشجيع جمع شمل المنظمات الإسلامية وحفزها على تأسيس مجلسها، فقد تطلب الأمر انتظار سنوات طويلة من المماحكات، وتطلب الأمر كذلك حدوث تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/ايلول 2001 في واشنطن ونيويورك، وتطلب الأمر أيضا وصول نيكولا ساركوزي إلى وزارة الداخلية الفرنسية واضطراره إلى ممارسة ضغوط قوية وتدخلات مباشرة قبل أن ينجح في إخراج المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إلى حيز الوجود سنة 2003.
وإذا كان المهندس الفرنسي الذي اشرف على إقامة مجلس الديانة الإسلامية، وهو نيكولا ساركوزي وزير الداخلية سابقا ورئيس الجمهورية حاليا، قد أولى الاهتمام الأكبر للتناقض الذي كان يشق حركة المسلمين في فرنسا إلى معتدلين ومتطرفين. فإن الوقائع والتحقيقات العمومية الفرنسية نفسها قد أكدت أن هؤلاء الأخيرين يظلون محدودي العدد والتأثير ولا يسيطرون على أكثر من عشرين مسجدا من مجموع المساجد في فرنسا التي تقدر بحوالي 1500 مسجد.
ولم يكن صعبا على متابعي شؤون حركة المسلمين في فرنسا أن يعاينوا التناقضات الحقيقية التي كادت تفتك بها، وهي تناقضات ضعيفة الارتباط بالوضع الفرنسي وبمصالح المسلمين في فرنسا باعتبار معظمهم مواطنين فرنسيين، وشديدي الارتباط بسياسات ومصالح الدول التي ينحدرون منها أو التي تمنحهم أموالها. وبسياسات ومصالح بعض حركات الإسلام السياسي التي توجهها.
وبالإضافة إلى المراقبة الأمنية الكثيفة التي تمارسها السلطات الفرنسية من اجل استباق كافة المخاطر التي قد تأتي من بعض جماعات المسلمين المصنفين في خانة التطرف، سعت تلك السلطات إلى معالجة تناقضات منظمات المسلمين المعتدلين في فرنسا بواسطة آليتين اثنتين:تتمثل الآلية الأولى في مراقبة مالية هذه المنظمات من حيث مصادرها ومجالات صرفها. وتتوخى هذه المراقبة الحيلولة دون تمكن أطراف خارجية من السيطرة على المنظمات المذكورة من خلال التمويل. كما تتوخى هذه المراقبة منع صرف موارد تلك المنظمات في غير ما خصصت له من مشاريع وأنشطة. وتتمثل الآلية الثانية في الإشراف على تكوين الأئمة على المستويين الديني واللغوي لضمان اعتدالهم وإدراكهم للواقع الفرنسي.
ولكن المثير للانتباه أن منتقدي معيار المساحة والمعترضين والمحتجين عليه والمهددين بمقاطعة انتخابات المندوبين التي تجري على أساسه، كانوا يسحبون اعتراضاتهم، ويشاركون في الانتخابات مقابل تنازل الفاعليات الإسلامية التي تنتمي إليها أغلبية المندوبين، عن حقها في رئاسة مجلس الديانة الإسلامية وموافقتها على منح تلك الرئاسة لعميد مسجد باريس الكبير الذي لا تتوافر له الأغلبية اللازمة من المندوبين للظفر بذلك الموقع.
والأكثر إثارة للانتباه أن الاستثناء الذي سمح لممثل الأقلية برئاسة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لم يقتصر اللجوء إليه على الفترة الحرجة التي خرج فيها المجلس المذكور إلى النور سنة ،2003 بل تم اللجوء ثانية إلى نفس الاستثناء، وأعيد عميد مسجد باريس إلى رئاسة المجلس في ولاية ثانية سنة 2005 دون أن يستند إلى الأغلبية المطلوبة.
وإذا كان مجلس الديانة الإسلامية في فرنسا قد خرج بأقل الخسائر من معركة الحجاب، وكسب تأييدا شعبيا واسعا نتيجة الموقف الواضح الذي اتخذه خلال أزمة الرهينتين الفرنسيتين في العراق سنة ،2004 ونتيجة الجهود التي بذلها بعض قادة هذا المجلس في سبيل الإفراج عن الرهينتين المذكورتين، فإن التطاحن بين مكوناته عاد ليتسيد الوضع. والخطير في هذا التطاحن انه وإن كان يدور فوق التراب الفرنسي، وفي إطار مؤسسة فرنسية، ويشارك فيه مواطنون فرنسيون، فإنه في واقع الأمر يجري بين دولتين مغاربيتين متناحرتين هما الجزائر والمغرب.
ويبدو أن العواقب الوخيمة لهذا التطاحن آخذة في الانتشار والاتساع، وتدفع العديد من الفاعليات الإسلامية الفرنسية النزيهة والمنحدرة من أصول مختلفة افريقية وآسيوية إلى التذمر والنفور من المجلس، وإلى جانب ذلك، فإن المجلس الغارق في صراعاته المدمرة ظل في حاجة مستمرة إلى تدخل وزارة الداخلية في تهدئة هذه الصراعات، ولم يكن بمستطاعه، في ظل هذا الوضع أن يحقق القدر المعقول من الاستقلالية، أو أن يملأ المجالات المفتوحة أمامه في تمثيل المسلمين لدى رئاسة الدولة، وفي التحول إلى قوة اقتراحية باسمهم، وفي تدبير شؤون المسلمين في كثير من جوانب الإرشاد والتوجيه، وفي تحسين ظروف أداء شعائرهم.
وبدل أن تتجه مكونات حركة المسلمين في فرنسا إلى الالتفاف حول ما يجمعها، وأن تحتكم إلى قواعد الديمقراطية في معالجة خلافاتها وتنظيم منافساتها، وان تحقق لمجلس الديانة الإسلامية ما يفتقر إليه من استقلالية ومصداقية، بدل ذلك يتواصل الضغط من أجل تكريس الاستثناء غير الديمقراطي وقطع الطريق على القاعدة الديمقراطية، ويجري للمرة الثالثة التلويح بمقاطعة انتخابات المندوبين في يونيو حزيران المقبل، والترويج لولاية ثالثة للرئيس الحالي لمجلس الديانة الإسلامية.
* كاتب مغربي