بعد الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في حق سكان قطاع غزة، في نهاية العام المنصرم وبداية العام الجاري والمظاهرات التي جرت في العديد من دول الاتحاد الأوروبي الأساسية، وشاركت فيها بصورة كثيفة الجاليات العربية والإسلامية، أولى المسؤولون السياسيون والأمنيون في الاتحاد المذكور مزيداً من الانتباه والاهتمام بما يعتبرونه تنامياً للتشدد وسط الشبان المسلمين في العديد من دول هذا الاتحاد، خصوصاً منها فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ونسبت يومية لوموند الفرنسية الصادرة في الثاني عشر من الشهر الجاري إلى منسق سياسة مناهضة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي دعوة إلى التمسك بالاستراتيجية المعتمدة سنة 2005 في هذا المجال من جهة، وإلى تعميق هذه الاستراتيجية من جهة ثانية. وأشارت اليومية نفسها إلى عدد من الأبحاث والتحقيقات التي أنجزها خبراء ينتمون إلى مراكز دراسات مختلفة، وتحدثت بعض هذه الأبحاث عن المواقع والمجالات التي يجري فيها نشر أفكار التشدد، وتعبئة وتجنيد الشبان من أجل الجهاد، وحددتها على الخصوص في السجون، والمؤسسات التعليمية، وشبكة الانترنيت. وصاغت عدداً من التوصيات منها ما يتعلق بإعداد توجيه موحد للعاملين في المؤسسات السجنية الأوروبية، ومنها ما يرتبط بتشديد الرقابة على المواقع الالكترونية. وبموازاة مثل هاتين التوصيتين اللتين تحملان طابعاً بوليسياً ضيقاً، صاغ أحد مراكز الدراسات في العاصمة البريطانية توصيات أوسع أفقاً نسبياً حينما دعا إلى إشراك منظمات المجمتع المدني الإسلامية في إعداد مخطط عمل بصورة استعجالية. وإلى جانب هذه الالتفاتة المتأخرة لإشراك المعنيين، دعا مركز آخر الدول الأوروبية إلى تمويل تدريس اللغات الأصلية للشبان المسلمين. وعلى الرغم من أن هذه الالتفاتة تأتي في صيغة هجوم قوي على المراكز الإسلامية التي تتهم ب احتكار تدريس تلك اللغات، وأن المراكز المذكورة حاولت فقط الحد من الفراغ العمومي في هذا المجال، وهو فراغ لا يعبّر فقط عن إهمال الدول الأوروبية ونقص اهتمامها بتدريس اللغات الأصلية لأبنائها المسلمين، بل يعبر عن رفض تلك اللغات ومحاربتها.
على الرغم من ذلك، فإن الإقرار بأهمية تدريس اللغات الأصلية وبضرورة الإنفاق العمومي على هذا التدريس يمثل خطوة مهمة ينبغي تثمينها والمطالبة بالعمل الجاد على تنفيذها. وفي سياق التوصيات الإيجابية تجدر الإشارة إلى أهمية الاهتمام بالمؤسسات التعليمية والقيام بعمل جاد ومتواصل يستهدف توعية وتنوير التلاميذ والطلاب على قاعدة مفاهيم الهوية والمواطنة والتعدد الثقافي. ويعتمد على تكوين متقدم للمدرسين في هذا المجال.
وصاغ أحد مراكز البحث الفرنسية توصية على قدر كبير من الأهمية حين دعا إلى التوقف عن تقديم الإسلام بصور نزاعية، وإلى العمل، بدلاً من ذلك، على تشجيع ثقافة جماهيرية أوروبية للإسلام في اتجاه الشبان المنحدرين من الهجرة. وعلى الرغم من أن أبحاثاً تشير إلى أن العديد من المسلمين المتشددين الذين استجوبتهم في إطار الدراسة، يربطون بين مواقفهم المتشددة وجمود الدول الغربية تجاه الصراع في الشرق الأوسط، فإن تلك الأبحاث لا تقيم الحد الأدنى من الاعتبار لهذا الأمر، وتكتفي بتوصية مائعة تشير إلى أنه قد يكون من الملائم القيام بدراسة متنبهة للفكرة، التي تفيد بأن حلاً للصراع المذكور قد يكون له الأثر القوي المضاد للتشدد في أوروبا. ويتبين من الإشارات سالفة الذكر أن المسؤولين السياسيين والأمنيين في الاتحاد الأوروبي لا يقفون عند اختزال المشكلة من جهة في ما يصفونه بالمجموعات الصغيرة المتشددة، وعند اعتبار هذا الأمر، رغم اختزاله كمصدر خطر جدي على دول الاتحاد، بل يتجاهلون العديد من أسبابه الأساسية، ويتهربون من اعتماد الحلول والعلاجات الحقيقية. وهكذا يصر المسؤولون المذكورون على أن المشكلة تنحصر في تنامي المجموعات الصغيرة المذكورة، متناسين أن المشكلة أكبر من ذلك بكثير كما بينت ذلك المظاهرات والاحتجاجات الواسعة التي شهدتها أوروبا في بداية العام الجاري، ليس ضد الجرائم الإسرائيلية في غزة فقط، بل ضد المواقف الأوروبية التي أيدت، وبررت، وسكتت عن تلك الجرائم. ولقد شاركت في تلك المظاهرات والاحتجاجات جماهير غفيرة من مواطني دول الاتحاد المنحدرين من البلاد العربية والإسلامية، إلى جانب المواطنين الأصليين لدول الاتحاد المذكور الذين رأوا بأم أعينهم كيف تحول ضحايا المحرقة إلى منفذين لمحرقة جديدة ضد الفلسطينيين الذين لم يكن لهم أي ذنب في المحرقة القديمة. وإذا لم يتقدم مسؤولو الاتحاد الأوروبي في تجاوز النفاق الصارخ المتمثل في التلاعب بالإسلام والمسلمين حسب الأهواء والمصالح الضيقة عن طريق الاعلاء من شأنهم تارة لاستخدامهم ضد السوفييت سابقاً وضد الروس حالياً، وعن طريق الحط من قدرهم واعتبارهم خطراً جهنمياً عند ما يطالبون بحقوقهم الأولية أو يتجرأون على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، إذا لم يتقدم مسؤولو الاتحاد في تجاوز هذه السياسة المدمرة، فإن نجاحهم في حفظ الاستقرار والتماسك والتفاعل الايجابي لمجتمعاتهم سيبقى بعيد المنال، ويمثل الانحياز السافر للعديد من الدول الأوروبية ليس ل إسرائيل وجرائمها فقط، بل كذلك لجزء من مواطنيها اليهود القلائل ضد مواطنيها المسلمين الكثيرين.
لقد شهدت الفترة الأخيرة أشكالاً لا تصدق من هذا الانحياز الأخير، حيث تشددت العقوبات السجنية ضد المسلمين الذين يشاركون في النزاعات الجارية في العراق أو أفغانستان. وفي مقابل ذلك لا يجد عدد من اليهود الفرنسيين مثلاً أي حرج حين يتطوعون لخدمة الجيش الإسرائيلي ويشاركون في أنشطته العسكرية ثم يعودون إلى الوطن الفرنسي مفتخرين بإنجازاتهم. وتحدثت وسائل الإعلام كثيراً في الأيام الأخيرة عن الحملة العلنية التي شهدتها مدينة ستراسبورغ الفرنسية لصالح التطوع في الجيش الإسرائيلي. وبالإضافة إلى هذا وذاك بادر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الوقوف عسكرياً إلى جانب إسرائيل بإرسال فرقاطة عسكرية إلى ساحل غزة لمنع تزود المقاومة الفلسطينية بالسلاح، بعد أن طالبته شخصيات سياسية وحقوقية وفكرية بإرسال سفينة مستشفى إلى ذلك الساحل للمشاركة في إغاثة ومعالجة جرحى غزة. وليس مطلوباً من الاتحاد الأوروبي أكثر من الالتزام بحد أدنى مما يعتبرها قيمه المتعلقة بحرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، وبمناهضة التمييز العنصري والديني، وباحترام القانون الدولي الإنساني واحترام الشرعية الدولية. وباعتماد هذه القيم وممارستها على أرض الواقع يمكن للاتحاد الأوروبي أن يساهم في تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، ويقدم دعماً كبيراً للسلام العالمي، ويدعم الاستقرار والتماسك داخل دوله، ويكسب ولاء وحب مواطنيه المسلمين، ويعزز دورهم في خدمة مصالحه المشروعة. وإذا كانت مثل هذه الدعوة أقرب إلى الحلم اليوم، فإن ما يعزز هذا الحلم هو التقدم المتواصل، رغم العقبات والردات، لتلك القيم، والتحسن المستمر، الكمي والنوعي، لدور الإسلام والمسلمين في أوروبا.
تستعد الجزائر لتنظيم الانتخابات الرئاسية الرابعة التي تجري في إطار التعددية الحزبية والسياسية التي انتقلت إليها البلاد بعد انتفاضة اكتوبر/تشرين الأول - من سنة 1998.
وكانت الانتخابات الأولى قد جرت سنة 2006 وفاز فيها الجنرال اليمين زروال، في حين جرت الثانية والثالثة في سنتي 1999 و،2004 وفاز فيهما عبد العزيز بوتفليقة.
وتتميز الانتخابات الرئاسية الرابعة التي ستجري في ابريل/نيسان المقبل عن سابقاتها الثلاث كونها ستستند إلى الدستور الذي عرف تعديلين مهمين في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، يتعلق الأول بتدعيم صلاحيات رئيس الجمهورية على حساب رئيس الحكومة الذي تحول إلى وزير أول تتحدد مسؤولياته في تنفيذ برنامج الرئيس وتنسيق العمل الحكومي.
ويتعلق الثاني بإلغاء قيد الولايتين الرئاسيتين وإفساح المجال أمام رئيس الجمهورية المنتهية ولايته الثانية ليترشح مرات أخرى إلى الانتخابات الرئاسية.
وعلى الرغم من أن تعديل الدستور الجزائري قد سلك الطرق القانونية، وحظي بتأييد واسع من المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة اللذين عقدا جلسة مشتركة للبت في الأمر، فإن أصواتا معارضة كثيرة لشخصيات وأحزاب قد ارتفعت منددة ومنتقدة.
ورأى بعضها في التعديل المذكور دسترة لرئاسة بوتفليقة مدى الحياة، وتكريسا للاستبداد، وإغلاقا لطريق التناوب على الحكم. ويلاحظ المراقبون، قبيل انطلاق عملية الترشح إلى السباق الرئاسي، وجود حالة واسعة من الاستنكاف عن الترشح.
حيث لم يصدر عن الشخصيات الجزائرية التي اعتادت على المشاركة في السباق الرئاسي ما يفيد عزمها على إعادة التجربة.
وأعلنت شخصيات أخرى راج الحديث عن إمكانية ترشحها، مثل الرئيس السابق اليمين زروال، عن عدم استعدادها للترشح. وبالإضافة إلى ذلك أكد كل من التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية مقاطعتهما للانتخابات الرئاسية المقبلة، وأعلن حزب النهضة، من جانبه، مقاطعة الانتخابات المذكورة بسبب ما سماه الأجواء السياسية غير المشجعة على المشاركة في تلك الانتخابات.
أما حركة الإصلاح الوطني، المنقسمة على نفسها وشبه المشلولة فلا طاقة لها على المشاركة الفعلية أو المقاطعة الفعلية. وقد وصل الأمر بيومية لوموند الفرنسية إلى الحديث عن إضراب عن الترشح إلى الانتخابات الرئاسية في الجزائر. وكعادتها في الترويج للاتجاهات التغريبية، نوهت بموقف المقاطعة الذي تم اتخاذه من قبل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المحسوبين على منطقة القبائل.
واعتبرت لوموند في عددها السابع والعشرين من يناير/كانون الثاني المنصرم أن مقاطعة التجمع تحرم الحكم من عنصر مهم في الديكور الانتخابي.
ويبدو أن حصيلة السباق الرئاسي في سنة 2004 لا تزال حاضرة في أذهان الجميع، فقد حصد بوتفليقة 85% من أصوات الناخبين، ولم يحصل أهم منافسيه يومئذ على أكثر من 7،5% من الأصوات.
أما بقية المنافسين، فقد تقاسموا نسبة هزيلة من الأصوات . وكانت الكثير من المؤشرات توحي بأن علي بنفليس، المنافس الرئيسي لبوتفليقة في تلك الانتخابات، سيحقق نتيجة مهمة استنادا إلى سجله الشخصي النظيف، وكفاءته المشهود بها على رأس الحكومة الجزائرية، وعلى رأس حزب جبهة التحرير الوطني، واستنادا كذلك إلى الدعم الذي قيل إنه كان يحظى به لدى بعض مكونات المؤسسة العسكرية. ولكن هزيمة بنفليس جاءت مدوية، وأجبرته على مغادرة صدارة المشهد السياسي الجزائري . وإذا كان بوتفليقة قد حصد نصراً ساحقاً استناداً إلى حصيلة ولايته الرئاسية الأولى.. فمن غير المستبعد أن يحقق نصرا مماثلا استنادا إلى حصيلة ولايته الثانية الأكثر أهمية وخاصة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. ولكن اللافت في مواقف وردود أفعال عدد من الشخصيات والأحزاب السياسية الجزائرية، شأنها في ذلك شأن نظيراتها في عدد من البلاد العربية، هو تحويل العجز الذاتي إلى منصة لإطلاق الصواريخ على الآخرين، واعتبار الفشل في المشاركة الانتخابية الفعالة سلاحاً ضد الحكم يحرمه من استكمال الأثاث الانتخابي. وقد دفع هذا المنطق غير السليم شخصيات نكن لها الكثير من الاحترام إلى متاهات كانت بعيدة عنها كثيرا.
وهكذا رأينا الرئيس الجزائري السابق الجنرال اليمين زروال يعيد صياغة أسباب استقالته قبل إكمال الولاية الرئيسية التي انتخب من أجلها سنة ،1996 ويقول إنه فعل ذلك لتدعيم ثقافة التناوب على الحكم.
فمتى كان التقاعس عن إكمال ولاية رئاسية وحيدة يمثل دعماً للتناوب على الحكم؟
ويراهن العديد من الداعين إلى المقاطعة للتستر عن عجزهم، على عزوف المواطنين عن المشاركة في الانتخابات. وكانت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية لسنة 2007 قد انخفضت إلى ما دون 35% من المسجلين في القوائم الانتخابية. وعلى الرغم من أن الانتخابات الرئاسية لسنة 2004 قد عرفت نسبة مشاركة عالية، فمن غير المستبعد أن تعرف الانتخابات الرئاسية المقبلة تدنيا في نسبة المشاركة. وعندها ستتعالى صيحات النصر في صفوف دعاة المقاطعة زاعمين أن معظم غير المشاركين في التصويت استجابوا لدعوتهم وأيدوا موقفهم. ولكن دعاة المقاطعة هؤلاء يتناسون أنهم عندما يشاركون في المنافسات الانتخابية لا يكسبون إلا القليل من الأصوات، ويتناسون ما هو أهم وهو السبب الحقيقي لتدني نسبة المشاركة. ولقد بينت التجربة الجزائرية أن نسبة عالية من المواطنين تتوجه إلى صناديق الاقتراع عندما يكون الأمر جديا، ويتعلق بمصير البلاد.
فقد تحدى الجزائريون تهديدات الجماعات المسلحة بالقتل والتفجير، وشاركوا بكثافة في الانتخابات الرئاسية لسنة 1996 التي نظمت في ظرفية حالكة. وعرفت الانتخابات المحلية والتشريعية تراجعا متواصلا في نسبة المشاركة يعود إلى نظرة المواطنين لدور المجالس المنتخبة وإلى الدور الفعلي المحدود لهذه المجالس. وإذا استمر الإضراب على الترشح، فإن المشاركة في الانتخابات الرئاسية قد تتراجع ليس تجاوباً مع دعوة المقاطعة، ولكن اطمئناناً إلى فوز بوتفليقة الذي لن يواجه منافسين حقيقيين.
كشف العدوان الإسرائيلي الذي استهدف، خلال أكثر من ثلاثة أسابيع بليلها ونهارها، سكان قطاع غزة وبيوتهم ومساجدهم ومدارسهم ومختلف مرافقهم، كشف نذالة الاتحاد الأوروبي والعديد من دوله البارزة. وعلى الرغم من أن الاتحاد المذكور وأهم دوله كان شريكاً ل إسرائيل في خنق وتجويع قطاع غزة منذ سنة 2006 فإن الكثيرين لم يكونوا ينتظرون أن يصل الأمر إلى تأييد وقح ل إسرائيل عبرت عنه الرئاسة التشيكية للاتحاد حين اعتبرت أن إسرائيل لا تمارس إلا دفاعاً مشروعاً عن النفس، أو أن يصل الأمر بدول أوروبية دوخت الدنيا بالخطب عن حقوق الإنسان، مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، إلى التحول إلى شياطين خرساء أمام الجرائم الإسرائيلية تتهرب من مجرد الموافقة على القيام بتحقيق موضوعي في إطار الأمم المتحدة، واستناداً إلى القانون الإنساني الدولي.
ومن جانبها حرصت معظم وسائل الإعلام الأوروبية، في مرحلة أولى، على تجاهل العدوان الإسرائيلي سالف الذكر، ثم عمدت إلى تهميشه، ثم اندفعت في تزييف وقلب حقائقه متحدثة عن الإرهاب الفلسطيني وعن ضرورة حماية إسرائيل من القذائف الحرفية للمقاومة الفلسطينية.
وسواء تعلق الأمر بالاتحاد الأوروبي وبدوله الرئيسية أو بمعظم وسائل الإعلام الأوروبية المرئية والمسموعة والمكتوبة، فإن القاسم المشترك بينها تمثل في تغييب أمرين جوهريين، يتعلق الأمر الأول بتغييب واقع الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ ستين سنة والمتصاعد عن طريق توسيع المستوطنات. وعندما يتم تغييب هذا الواقع تنقلب المفاهيم والأشياء، ويتحول المحتلون إلى ضحايا. ويتعلق الأمر الثاني بتغييب المشروعية الديمقراطية الفلسطينية التي اكتسبتها حركة حماس بفوزها في آخر انتخابات تشريعية فلسطينية. ولا يعكس هذا التغييب قناعة زائفة بالديمقراطية المتغنى بها فحسب، ولكنه يعكس كذلك تمييزاً عنصرياً في حق المواطنين الفلسطنيين الذين عبروا عن موقفهم في تلك الانتخابات.
و لكن صور المذابح التي تعرض لها سكان غزة بأطفالهم ونسائهم ورجالهم، والتدمير الجنوني الذي مسح الأحياء والمقار والمنازل ومخازن الغذاء والدواء، وجدت طريقها إلى تلفزيونات وصحف العالم رغم أنف المنع الإسرائيلي والتعتيم والتجاهل الأوروبيين، وحركت الجماهير العربية والإسلامية، وانتقل التحرك إلى معظم الدول الأوروبية، وساهم فيه إلى جانب العرب والمسلمين سياسيون ونقابيون وجمعويون ومواطنون أوروبيون عاديون.
وإذا كانت مظاهرات ومسيرات الاحتجاج قد عمت معظم الدول الأوروبية، فإنها تفاوتت من حيث أعداد المشاركين فيها، ومن حيث انتشارها على صعيد كل دولة أوروبية على حدة. وكسبت فرنسا قصب السبق، حيث شهدت عاصمتها باريس أضخم المظاهرات خارج المنطقتين العربية والإسلامية. وشهدت مدينتا ليون ومرسيليا مظاهرتين من حجم كبير وغير مألوف في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. وبالإضافة إلى ذلك شهدت عشرات المدن الفرنسية في مختلف الجهات مظاهرات احتجاجية ضد العدوان الإسرائيلي وضد النذالة والنفاق الفرنسيين والأوروبيين.
وبفضل هذه التحركات ومثيلاتها التي جابت الشوارع الإسلامية والعربية، بدأت الوسائل الأوروبية والفرنسية المناهضة لحق الشعب الفلسطيني تراجع نفسها، وتفسح المجال، شيئاً فشيئاً للرأي الإنساني، والموقف العربي والفلسطيني من دون أن تتخلى، بين الحين والآخر، عن تزييف الحقائق، وترويج الأكاذيب السامة.
وعلى الرغم من أن الصهاينة ومناصريهم لم يدخروا جهداً في مناصرة العدوان الإسرائيلي وفي تسويد حركة المقاومة الفلسطينية، ووصل بهم الأمر إلى ترديد النشيد الوطني الإسرائيلي في إحدى التظاهرات التي دعا إليها وأطرها المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية لفرنسا، على الرغم من ذلك فإن حركتهم ظلت معزولة وضعيفة الأثر، وابتعدت عنها شخصيات يهودية بارزة في عالم الفكر والثقافة رفضت ارتكاب الجرائم باسمها. ولمواجهة هذه الوضعية التي تكاد تكون غير مسبوقة رفع الصهاينة وأنصارهم فزاعة معاداة السامية، وتعالى صراخهم ضد ما يزعمونه تصاعداً للخطب والممارسات اللاسامية.
وعلى الرغم من أن ظرفية الجرائم الإسرائيلية ضد أهالي غزة بمن فيهم النساء والأطفال، وتمجيد صهاينة فرنسا وأوروبا لهذه الجرائم، يؤديان إلى ردود فعل لا تميز أحياناً بين المجرمين وعامة اليهود، فإن قائمة الأعمال والألفاظ المصنفة في خانة معاداة السامية قد اتسعت بصورة مثيرة، ولم تعد تميز بين هذه الظاهرة ونقد وإدانة الجرائم الإسرائيلية. وهكذا يضع الصهاينة المذكورون ما يزعمونه شيطنة إسرائيل في تلك الخانة متجاهلين أن إسرائيل هي التي تشيطن نفسها بما ترتكبه من جرائم. وإلى جانب ذلك حاول أولئك الصهاينة البكاء على النصب التذكاري الذي كانوا قد أقاموه لاسحاق رابين في احدى حدائق مدينة ليون الفرنسية، واعتبروا بعض الخدوش التي تعرضت إليها شجرة الارز المغروسة إلى جانب النصب اعتداء على السامية. وقد تناسى هؤلاء، مرة أخرى، أن إسحاق رابين لم يغتله إرهابي عربي ولكن اغتاله صهيوني متطرف.
ويتطلع صهاينة فرنسا وأنصارهم، عن طريق استخدام فزاعة معاداة السامية ودعوة الدولة والمجتمع الفرنسيين إلى اعتبار القضية قضيتهم، إلى الخروج من العزلة الخانقة التي ضربوها على أنفسهم بعد تبنيهم للجرائم الإسرائيلية ضد سكان غزة. وعلى الرغم من أن هؤلاء سيواصلون العزف على هذه النغمة المتجاوزة، وسيعملون على اقتراف اعتداءات ضد اليهود، كما فعلوا في السابق، لترويج فزاعتهم، فإن مناهضي الجرائم الإسرائيلية مطالبون بضبط النفس والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يسهل على الصهاينة تأليب المجتمعات الأوروبية على العرب والمسلمين.
وإلى جانب فزاعة معاداة السامية رفع الصهاينة وأنصارهم شعار الامتناع عن استيراد صراع الشرق الأوسط إلى الساحة الفرنسية. ودعا المسؤولون الحكوميون الفرنسيون إلى نفس الأمر. والطريف في الموضوع أن مثل هذا الشعار لم يكن له مكان عندما كان وزن الأوروبيين والفرنسيين المنحدرين من أصول إسلامية وعربية هزيلاً وغير مؤثر. وحينئذ كان الصهاينة يتحكمون في الساحة الأوروبية عامة والفرنسية خاصة ويستخدمونها لدعم الاغتصاب والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية. والأطرف في الموضوع أن الصهاينة الذين يدعون إلى وقف الاستيراد لا يتورعون عن ممارسة استيراد فاضح للجرائم الإسرائيلية، وعن تبن كامل للمخططات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي، وعن دفاع مستميت عن الاحتلال والقمع الإسرائيليين.
أما دعوة المسؤولين الرسميين إلى نفس الأمر فإنها غير ذات مصداقية ولا تستند إلى أسس موضوعية، لأن فرنسا، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، وخاصة بريطانيا ثم ألمانيا، ساهمت بصورة حاسمة في إقامة الدولة العبرية، وتشريد الشعب الفلسطيني، ولا يمكنها اليوم أن تتنصل من تلك المسؤولية، وتعتبر نفسها غير معنية بالصراع العربي الإسرائيلي الذي هي جزء منه.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن على فرنسا أن تنتبه إلى أن قسماً لا يستهان به من مواطنيها المنحدرين من الهجرة العربية والمسلمة لا يناصرون الفلسطينيين انطلاقاً من القيم الإنسانية والدينية ومن الأصول القومية فحسب، بل يتماهون معهم انطلاقاً مما يعانونه في ضواحي المدن الكبرى من تمييز وانعزال وقبضة أمنية ثقيلة تتشابه أحياناً مع معاناة الفلسطينيين.
وقبل أن تدعو فرنسا ومثيلاتها إلى الامتناع عن استيراد صراع الشرق الأوسط إلى معتركها، يتعين عليها أولاً أن تتخذ موقفاً ايجابياً من الصراع العربي الإسرائيلي بناء على قرارات الأمم المتحدة وعلى القانون الدولي، وثانياً أن تعتمد سياسات حقيقية تقنع مواطنيها من أصول عربية ومسلمة بتبنيها الفعلي لهم وباحتضانها الصادق لهم، وثالثاً بالتزام أنصار إسرائيل باحترام انتمائهم إلى فرنسا وإلى غيرها من الدول الأوروبية.
استقطبت غينيا اهتمام مراقبي الشؤون الإفريقية خلال الأسبوع الأخير من العام المنصرم، ليس بحدث وفاة الرئيس لانياناكوتي في الثاني والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول، بل بحدث استيلاء ضابط صغير على السلطة العليا في تلك البلاد. ويتعلق الأمر بالنقيب موسى داديس كامارا. وقبل التساؤل عن طبيعة الانقلاب وعلاقته بالمؤسسات الشرعية القائمة وأجندته الأساسية، جرى التساؤل عن الوضعية الغينية الخاصة التي تسمح لنقيب بالوصول إلى السلطة العليا وبإعلان نفسه رئيساً للجمهورية في حضرة أكثر من عشرين جنرالاً. ويتعين البحث عن جواب لهذا التساؤل الأخير في وضعية الجيش الغيني من جهة، وفي الوضعية التي آلت إليها البلاد من جهة ثانية. والمعروف أن تأسيس الجيش الغيني سنة ،1959 أي السنة الثانية من بعد حصول البلاد على استقلالها عن فرنسا، لايستند إلى أية نواة ثورية تبلورت ونضجت في إطار الكفاح ضد المستعمر كما حصل في عدة تجارب وطنية إفريقية، بل استند إلى العسكريين الغينيين الذين خدموا في صفوف القوات الفرنسية، وخضعوا بعد ذلك، مع بقية الملتحقين الآخرين بهذا الجيش، إلى تأطير أيديولوجي وطني وتقدمي بمنظار ستينات القرن الماضي التي كان خلالها الرئيس الغيني الأول الراحل أحمد سيكوتوري أحد أقطاب الجناح الوطني التقدمي في إفريقيا إلى جانب آخرين مثل الراحلين كوامي نكروما رئيس غانا، وجمال عبدالناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة يومئذ. وبدأ الجيش الغيني يفقد بعض انسجامه وتماسكه بعد محاولة انقلابية فاشلة سنة 1970 بادر على إثرها الرئيس سيكوتوري بإنشاء الميليشيا الوطنية لإحصاء حركات وسكنات هذا الجيش، وتدهور الوضع أكثر في السنة الثانية من حكم الرئيس لانساناكونتي، حين قام هذا الأخير سنة ،1985 اثر محاولة انقلابية ضد حكمه، بفصل عدد مهم من الضباط، ودمج الميليشيا الوطنية في الجيش، ويسر بذلك نوعا من الهيمنة لبني اثنيته من السوسو على الصفوف العليا من هذا الجيش. وخلال هذه الفترة بدأت الانقسامات العرقية تفرض نفسها على المؤسسة العسكرية الغينية، وبدأ شرخ أفقي يتسع بين قاعدة الجنود وضباط الصف من جهة وبين كبار الضباط من جهة أخرى. وكانت سنة 1996 سنة متميزة في تاريخ تلك المؤسسة العسكرية، بما شهدته من تمرد واسع للجنود وضباط الصف ضد القيادة العسكرية وضد الحكومة اللتين لم توليا الاهتمام الكافي لظروف عيشهم، ولم تعتنيا إلا بالحياة المترفة لكبار الضباط. ولقد استفحل أمر تذمر القاعدة العسكرية ضد الحكومة وقيادة الجيش، وأصبحت تتناوب مع المدنيين في الاحتجاج، وهكذا فما أن هدأت المظاهرات الدامية التي قادتها النقابات في الشهرين الأولين من سنة 2007 حتى تلتها تمردات الجنود وضباط الصف. وفي الوقت الذي لم يتحرك فيه الشارع ضد إقدام الرئيس لانساناكونتي على إقالة حكومة لانساناكوياتي التي تشكلت بتوافق مع الحركة النقابية، نزل الجنود وضباط الصف إلى الشارع في أواخر مايو/ ايار وأوائل يونيو/ حزيران المنصرمين مطالبين بتسلم أجورهم وتعويضاتهم الموقوفة منذ تسعة أشهر، ووصل بهم الأمر إلى المطالبة بإحالة القيادة العسكرية على التقاعد. وما يستحق الإشارة أن النقيب موسى داديس لم يلمع فقط خلال أدائه لمهامه وتحديه لكبار القادة، وبفضل علاقاته الجيدة مع الجنود، بل لمع خلال استعانة المسؤولين به للتدخل في مناقشة المتمردين وإقناعهم بالعودة إلى ثكناتهم على أساس تأييد مطالبهم المشروعة، والدفاع عنها، وبعد تحقيق مطلب إقالة وزير الدفاع. ولم تتدهور أوضاع الجيش الغيني وحدها بل تدهورت معها، وفاقتها في التدهور أوضاع البلاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وازدادت هذه الأوضاع تفاقما في السنين الأخيرة التي ساءت فيها الحالة الصحية للرئيس لانساناكونتي، وأفسحت المجال واسعاً أمام بطانته من كبار الموظفين ورجال المال لينهبوا المال العام على محدوديته، وليحولوا حياة المواطنين إلى معاناة قاسية أصبح معها نصف سكان البلاد يعيشون تحت عتبة الفقر. ولم تعرف غينيا في عهد الرئيس كونتي إلا فترة قصيرة من الانفتاح السياسي الذي كاد يعم إفريقيا في نهاية ثمانينات القرن الماضي بضغط من الدول الغربية بعد كسبها للمعركة ضد ما كان يسمى الاتحاد السوفييتي. ولكن النظام الغيني سرعان ما عاد إلى طبيعته الاستبدادية، وهمش المعارضة، وفقد بعد ذلك الدعم السياسي الخارجي، ووصل به الأمر إلى حد مقاطعة المؤسسات المالية الدولية له وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي. ووجدت غالبية المواطنين نفسها مجبرة على النزول إلى الشارع في مظاهرات حاشدة، كانت أبرزها مظاهرات الشهرين الأولين من سنة 2007 التي قادتها النقابات عوض الأحزاب السياسية التي ابتعدت عن الصدارة خوفا من أن يشكل الطابع الاثني الغالب على معظم التشكيلات السياسية فرصة يهتبلها الحكم القائم لدمغ الحركة الاحتجاجية بطابع عرقي معاد لإثنيته. وعلى الرغم من آلة القمع التي قادها نجل الرئيس وأودت بحياة 200 مواطن، فإن ذلك لم ينجح في ايقاف المتظاهرين الذين لم يعودوا يخافون الموت بعد أن أصبحت حياتهم أشبه بالموت.
وفي ظل هذه الأوضاع يبدو استيلاء النقيب موسى داديس كامارا والمجلس الوطني للديمقراطية والتنمية على السلطة وقطعه الطريق، في آن واحد، على بطانة الرئيس الراحل التي خربت البلاد، وعلى كبار ضباط الجيش الذين كانوا شركاء في التخريب، والتزامه بتنفيذ أجندة محددة تقوم على تقويم أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية من جهة، وعلى إعداد متطلبات الانتخابات التشريعية والرئاسية وتنظيم هذه الانتخابات والعودة بعد ذلك إلى الثكنات، نوعاً من الأمل بالنسبة لغينيا التي طالت معاناتها، وتعثرت كثيراً في تحقيق التنمية والاستقرار أسوة بجيرانها واعتماداً على ما يتوافر من مؤهلات اقتصادية منجمية وزراعية كبيرة.
وبالنظر إلى أوضاع غينيا شديدة التدهور فإن حركة النقيب موسى داديس كامارا تمثل أكثر مما مثله الرئيس الزاهد سوار الذهب بالنسبة للسودان، وأكثر مما مثله العقيد علي ولد محمد فال في موريتانيا. ويبدو أن الحركة المذكورة تستحق التأييد الواضح الذي عبرت عنه المعارضة الغينية بتنظيماتها وشخصياتها البارزة. وبفضل هذا التأييد، وبفضل الجدية والحزم اللذين أبدتهما هذه الحركة، فإن مختلف المسؤولين السابقين في الدولة والحكومة والجيش قد سلموا بالأمر الواقع. وقد تعزز حزم وجدية قادة غينيا الجدد من خلال الحكومة التي شكلوا معظمها من المدنيين، ومن خلال إحالة حوالي عشرين جنرالاً على التقاعد، ومن خلال العزم القوي على القيام بتدقيق للحسابات لإنجاز تشخيص سليم لأوضاع البلاد يحدد مكامن القوة ونقط الضعف ويسمح بالتقويم. وسواء تعلق الأمر بالقوى الوطنية الغينية أو بالقوى الدولية فإن موقفها المتفهم أو المؤيد للمجلس الوطني للديمقراطية والتنمية ينبغي أن يظل مشروطاً بتنفيذ هذا الأخير لما التزم به، وبأخذه لآراء الفرقاء الوطنيين بعين الاعتبار.
عجزت الطبقة السياسية في بلجيكا طوال الثمانية عشر شهراً، التي مرت على الانتخابات التشريعية الفيدرالية، عن تشكيل حكومة اتحادية منسجمة ومستقرة تعكس النتائج التي أفرزتها تلك الانتخابات. واضطر إي لوتيرم زعيم الحزب السياسي الذي احتل المركز الأول في تلك الانتخابات، وآل إليه أمر تشكيل الحكومة الاتحادية إلى تقديم استقالته، المرة تلو الأخرى، مسجلاً بذلك رقماً قياسياً متمثلاً في أربع استقالات خلال أقل من عام ونصف العام.
والمثير في التجربة البلجيكية أن التعايش الإيجابي الطويل نسبياً بين مكونيها الرئيسيين، المكون الفلاماني والمكون الوالوني، لم يؤد إلى تناسي وتجاوز سلبيات الماضي التي تمثلت على الخصوص في هيمنة طويلة للمكون الثاني على صعيد اللغة والسياسة والاقتصاد، وفي تمزق شديد خلال الحرب العالمية الثانية التي مال خلالها الفلامانيون نحو المعسكر النازي كرد فعل ضد الوالونيين الفرانكفونيين الذين وقفوا في صف الحلفاء.
وعلى الرغم من أن الفرقاء البلجيكيين توافقوا بعد الحرب العالمية الثانية على اعتماد تنظيم خاص لبلادهم يقوم من جهة أولى على تكريس انقسامها إلى إقليمين بسلطات واسعة لكل إقليم، ويقوم من جهة ثانية على تقسيمها إلى ثلاث مناطق لغوية: منطقة صغيرة في الشرق تسودها اللغة الألمانية إلى جانب المنطقتين الفرانكفونية في الجنوب والفلامانية (الهولندية) في الشمال، إلى جانب العاصمة بروكسيل مزدوجة اللغة، على الرغم من ذلك، فإن الفلامانيين الذين تعززت قوتهم الانتخابية والسياسية بفضل تعدادهم المرتفع ونظام النسبية الانتخابية الذي يكرس هذه القوة، وتعززت كذلك قوتهم الاقتصادية بناء على الأنشطة الصناعية والاقتصادية الجديدة وعلى حساب المنطقة الوالونية التي كانت تهيمن على الصعيد الاقتصادي اعتماداً على القطاعات الكلاسيكية المتعلقة بالمناجم والصلب، التي أصبحت متجاوزة منذ عقود، أصبحوا يطالبون بالمزيد من المكتسبات، ويتطلعون إلى صلاحيات أوسع لإقليمهم ولمنطقتهم اللغوية، وأصبحت مواقف بعض القوى الفلامانية تتخذ أشكالاً تكاد تكون انتقامية من المنطقة الوالونية، وتتجه إلى مزيد من تقليص نفوذ هذه الأخيرة والحد من انتشار اللغة الفرنسية. وعلاوة على ذلك، فقد شهد الإقليم الفلاماني في السنوات الأخيرة تنامياً مثيراً للقوى المحافظة والمتطرفة التي لم تعد تخفي ملامحها النازية، وتطالب علنا بالاستقلال التام للإقليم الفلاماني وبإنهاء حياة المملكة البلجيكية الموحدة.
وجاءت الانتخابات التشريعية الفيدرالية التي جرت في العاشر من يونيو/ حزيران من سنة 2007 في غير مصلحة الوحدة البلجيكية، حيث خسر فيها الاشتراكيون مقاعد مهمة، وفقدوا المركز الأول. ولم يقف أمر هذه الانتخابات عند احتلال المسيحيين الديمقراطيين الفلامانيين للمركز الأول، بل تعقد أمر الوحدة بالتقدم الذي سجله اليمين المتطرف الفلاماني الذي أصبح يكبل الديمقراطيين المسيحيين، ويزايد عليهم، ويفرض عليهم مواقف متشددة إزاء موضوع الوحدة مقابل التحالف معهم ودعمهم في البرلمان.
وفي هذا السياق أضاف إي لوتيرم إلى تشدده الشخصي والحزبي تشدد المتحالفين معه والمزايدين عليه، وسعى إلى فرض شروط مغالية على الأحزاب الوالونية التي يتوقف عليها بناء أغلبية برلمانية وتشكيل حكومة اتحادية. ونظراً إلى التشدد المشار إليه في موضوع توسيع الصلاحيات الإقليمية وتقسيم إحدى الدوائر مزدوجة اللغة، لم يفلح لوتيرم في إجبار شركائه المنتظرين على التسليم بمطالبه، واضطر إلى الاستقالة والاعتذار عن تشكيل الحكومة، ثم اضطر بعد ذلك إلى تقديم استقالة الحكومة التي كوّنها وترأسها مرتين، قبل أن يضطر مرة رابعة إلى الاستقالة في التاسع عشر من ديسمبر/ كانون الأول المنصرم.
ولكن الاستقالة الأخيرة تختلف كثيراً عن سابقاتها، ويمكن أن تفتح باب الأمل أمام إمكانية حلحلة الأزمة البلجيكية وإعادة الطبقة السياسية أو جزء وازن فيها إلى الرشد.
وأتت استقالة لوتيرم الرابعة في ظرفية خاصة عنوانها الكبير الأزمة البنكية والمالية والاقتصادية العالمية.
ولم تتزامن هذه الأزمة، على الصعيد البلجيكي، فقط بالركود الاقتصادي، وتنامي المخاوف الاجتماعية من انعكاس ذلك على الشغل والقوة الشرائية، بل تزامنت كذلك بهزة كبرى زلزلت مؤسسة فورتيس البلجيكية الرائدة في عالم البنوك والتأمينات. ومن أجل تجنب إفلاس هذه المؤسسة التي تعد مفخرة لبلجيكا، اتخذت حكومة لوتيرم موقفاً يؤيد اندماج المؤسسة المذكورة مع المؤسسة المالية الفرنسية العملاقة ب، ب. إن باري با بعد شراء هذه الأخيرة لمعظم أسهم الأولى.
وبالإضافة إلى هذا أو ذاك، تزامنت استقالة الوزير الأول البلجيكي السابق، مع تدهور صورة السياسيين لدى الجمهور البلجيكي الواسع بسبب الأزمة التي طالت أكثر من اللازم، وبسبب الأساليب المتدنية التي يستعملها السياسيون في النيل من بعضهم.
وفي الوقت الذي كان فيه لوتيرم يتطلع إلى إعادة الاعتبار، إلى السياسيين وإلى العمل السياسي، وجه، من حيث لا يحتسب، ضربة قاسية إلى نفسه وإلى حزبه وإلى الطبقة السياسية، عندما ضبطت حكومته متلبسة بالضغط على القضاء من أجل إصدار حكم مؤيد لموقف الحكومة المتعلق ببيع أسهم فورتيس إلى المؤسسة المالية الفرنسية سالفة الذكر. وأقر رئيس محكمة النقض البلجيكية، في تقرير في الموضوع، وجود عدد لا يستهان به من المؤشرات المتشابهة التي تدل على ممارسة ضغوط حكومية على القضاء لحمله على إصدار حكم يؤيد بيع مؤسسة البنك والتأمين البلجيكية الأولى.
وفي ضوء ما سبق من إشارات، يمكن تلمس بعض عناصر النعمة في طيات نقمة الأزمة البلجيكية الخانقة. ومن بين هذه العناصر يمكن أولاً أن نذكر الهزة القوية التي ضربت الاتجاه المتشدد في الأزمة البلجيكية ممثلاً على الخصوص في لوتيرم وحزبه وحلفائه الفلامانيين. ولا تتردد أوساط سياسية وصحافية بلجيكية واسعة في القول إن الاستقالة الرابعة للوتيرم كانت ضربة قاضية على زعامته السياسية لأنها لم تأت كسابقاتها لإحراج وتعجيز المخالفين بل أتت أولاً لإدانة التدخل في شؤون القضاء، وأتت ثانياً لتؤكد الفشل الذريع للوتيرم في تحقيق أي من أهدافه.. فقد ترك المسؤولية الحكومية دون أن يفلح في إعداد الميزانية الفيدرالية، أو ينجح في إقرار مخطط لمواجهة الأزمة المالية والاقتصادية. أما هدفه المتعلق بإعادة المصداقية إلى الطبقة السياسية فقد تطايرت أشلاؤه بعد انكشاف الضغوط الحكومية التي مورست على القضاء.
ومن غير المستبعد أن تؤدي هذه الهزة التي لن توفر الحزب المسيحي الديمقراطي وحلفاءه الفلامانيين إلى تقليص نفوذ هؤلاء والحد من غلوائهم وحملهم على الاعتدال.
ومن غير المستبعد أن يسهم التذمر الشعبي الواسع والمتنامي ضد الطبقة السياسية في دفع هذه الأخيرة إلى قدر من مراجعة النفس في اتجاه إعطاء الأولوية للقضايا العامة، والسعي إلى انقاذ الوحدة البلجيكية. وبالإضافة إلى هذا وذاك، فإن ظروف الأزمة المالية والاقتصادية العالمية والتحديات التي تطرحها من شأنها أولاً أن تحد من جموح الفلامانيين، وتقلل من تبجحهم على مواطنيهم الوالونيين بنجاحهم الاقتصادي، ومن شأنها ثانياً أن تعزز الوحدة والروح الجماعية لمجابهة تلك التحديات.
ولذلك، يمكن، هذه المرة، النظر ببعض التفاؤل، إلى تكليف رئيس البرلمان بتشكيل الحكومة البلجيكية الجديدة، لأن استمرار الأزمة أصبح يهدد نفوذ وشعبية القوى السياسية التي تتسبب بها، ولأن هذه القوى مقتنعة بأن تنظيم انتخابات تشريعية فيدرالية مبكرة سيعصف بها ويأتي بمشهد سياسي غير منتظر.
لم تنجح فرنسا حتى الآن في دفع التهم الخطيرة التي وجهتها إليها لجنة تحقيق رواندية أصدرت في منتصف هذا العام تقريرا مرعبا عن الدور الفرنسي في الإبادة التي أودت بحياة حوالي 800 ألف من اثنية التوتسي في رواندا ومن مواطنيهم الهوتو المعتدلين. وأوضح التقرير الذي شارك في إعداده أكاديميون مشهود لهم بالكفاءة والموضوعية معتمدين على كم كبير من الوثائق الرسمية، أن التورط الفرنسي لم يقتصر على العسكريين الذين كانوا يدعمون حكم الهوتو بقيادة الرئيس الراحل هابياريمانا، بل تورط فيه سياسيون فرنسيون من اليمين واليسار كانوا يتعايشون في حكم فرنسا في أوائل تسعينات القرن المنصرم.
و الجدير بالذكر أن الحديث عن التورط الفرنسي في مذابح رواندا لم يقتصر على نظام الرئيس بول كاغامي الذي حكم رواندا بعد هزيمته لمتطرفي الهوتو، بل توفقت لجنة تحقيق برلمانية فرنسية في التطرق إليه قبل عشر سنوات من دون أن يتوافر لها حينئذ الكم الهائل من الوثائق والحجج الذي توافر في السنوات الأخيرة للجنة التحقيق الرواندية.
وبدل أن تعمد السلطات الفرنسية إلى التعبير عن أسفها ولو مبدئيا، وأن تتحاور مع نظيرتها الرواندية، وأن تقوم بمعيتها بتحقيق مشترك ينصف الحقيقة من جهة، ويعزز علاقات التعاون المستقبلي من جهة ثانية، بدل ذلك اندفعت باريس في استخدام قضائها للتهرب من الاتهامات وبوضع متهميها في قفص الاتهام. وفي هذا السياق أصدرت منذ سنتين مذكرات اعتقال دولية في حق عدد من كبار المسؤولين الروانديين تتهمهم بالتورط في مقتل الرئيس هابياريمانا الذي أسقطت طائرته في السادس من أبريل/ نيسان من سنة ،1994 وانطلقت إثر ذلك المذابح ضد التوتسي.
ولم يكتف القضاء الفرنسي بإصدار مذكرات الاعتقال سالفة الذكر، بل انتقل إلى التنفيذ وطلب اعتقال مديرة بروتوكول الرئيس الرواندي التي كانت، في أوائل الشهر المنصرم تزور ألمانيا، وأخضعها بعد استقدامها من فرانكفورت إلى باريس، للإقامة الجبرية في انتظار محاكمتها.
وفي الوقت الذي كانت توجد فيه المسؤولة الرواندية رهن إشارة القضاء الفرنسي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حول رواندا، التي تتخذ من مدينة أروشا النيجيرية قاعدة لها، حكما بالإدانة والسجن المؤبد ضد من يعتبر العقل المدبر للمذابح ضد التوتسي، ويتعلق الأمر بالعقيد تيونيست باغوزورا. ويعتبر هذا الضابط صناعة فرنسية ليس فقط باعتباره خريج مدرسة الحرب الفرنسية، بل وكذلك باعتبار ارتباطه الوثيق بالفرنسيين الذين شكل في سفارتهم بالعاصمة كيجالي حكومة من المتطرفين الهوتو بعد مقتل الرئيس هابياريمانا سنة 1994.
أما قصة فرنسا مع الجزائر فهي أشهر من النار على علم، وسجل فيها العسكريون والمدنيون الفرنسيون أعمالا وحشية ضد أبناء الأرض التي كانوا يعتبرونها ترابا فرنسيا. ولم يتحدث الوطنيون الجزائريون وحدهم عن المذابح الفرنسية المرتكبة ضد شعبهم في مناسبات عديدة، ومنها مذبحة سطيف في الثامن من مايو/ أيار من سنة ،1945 والمذابح التي تعرض إليها الجزائريون خلال الثورة الوطنية، ولم يتحدث عن تلك المذابح بعض المناضلين الفرنسيين الحقيقيين فقط، بل تحدث عنها بعض مرتكبيها والوالغين فيها مثل الجنرال أوسير الذي مجدها في مؤلفات تروج في السوق.
وبدل أن تبادر السلطات الفرنسية، التي تطالب دولا وأمما أخرى بالاعتذار لضحاياها، بتقديم الاعتذار للشعب الجزائري على ما ألحقته به من ظلم هربت إلى الأمام وحاولت أن تمجد ما اقترفته من مظالم في نص قانوني صادق عليه البرلمان، واستدرك أمره الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك. وبالإضافة إلى ذلك شنت باريس هجوما مضادا على الجزائر بدعوى الدفاع عن الجزائريين الذين قاتلوا إلى جانب فرنسا ضد أشقائهم.
ولكن الجديد في الأمر هو استخدام القضاء الفرنسي في تصفية الحسابات التاريخية. وفي هذا السياق اتهم هذا القضاء الدبلوماسي الجزائري محمد زيان الحسني بالضلوع في مقتل المعارض الجزائري الراحل السيد علي المصيلي الذي جرى بباريس سنة 1987. ولم يقف الأمر عند حدود توجيه الاتهام بل تم اعتقال الدبلوماسي الجزائري في الرابع عشر من أغسطس/ آب الماضي، ووضع رهن الإقامة الجبرية، ومازال في هذا الوضع إلى اليوم في انتظار ما سيقرره القضاء الفرنسي على ضوء الضغوط السياسية الجارية.
وإذا كان الدفاع عن قتلة الراحل المصيلي لا يمكن أن يخطر لنا على بال، فإن استخدام هذه القضية من قبل الفرنسيين الذين يتهربون من الاعتراف بجرائم أكبر وأشنع لا ينبغي أن ينطلي على أحد، وخاصة أن الاتهام في هذه القضية يستند إلى شهادة وحيدة تحوم حولها الشكوك، ويحاول صاحبها التهرب من حضور المحاكمة للإدلاء بها كونه مطلوبا من الشرطة الدولية بسبب مذكرة اعتقال صادرة في حقه.
وبعد المحاولات الجزائرية الودية لتسوية الموضوع، بدأ المسؤولون الجزائريون يفقدون صبرهم. وقد أصدرت خارجيتهم في الحادي عشر من الشهر الجاري بلاغا تنتقد فيه بطء الإجراءات القضائية الفرنسية. وإلى جانب هذا البلاغ صدرت تصريحات جزائرية قوية اعتبر فيها وزير الخارجية أن فرنسا بلاد حقوق الإنسان تحتجز أحد أفضل دبلوماسيينا رهينة. أما وزير التضامن الجزائري فقد قال غاضبا إن بلاده ليست جمهورية موز بل إنها دولة ذات سيادة، وهدد بأن بلاده لن تسمح بالإهانة، ولايمكن، في هذا الباب، استبعاد الإجراءات الاقتصادية المضادة.
ويمكن في إطار التهرب الفرنسي من الاعتراف بالسيئات، والإصرار على التظاهر بمظهر الوصي ومقدم الدروس، أن ندرج الحكم الذي أصدرته في الثاني عشر من الشهر الجاري محكمة ستراسبورغ الفرنسية غيابيا بالسجن ثمانية أعوام ضد نائب القنصل التونسي بالمدينة، المتهم بتعذيب زوجة أحد المعارضين التونسيين في مدينة جندوبة سنة 1996 حين كان الدبلوماسي المذكور يشتغل فيها عميد شرطة.
ودون إنكار حق السيدة التونسية التي التجأت إلى القضاء الفرنسي المتمتع بصلاحيات عالمية تسمح له بالنظر في القضايا المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان أينما ارتكبت وكيفما كان مرتكبوها، ودون تبرئة الدبلوماسي التونسي، فإن اعتماد المحكمة الفرنسية فقط على شهادات عامة لمعارضين تونسيين وحقوقيين فرنسيين، لإصدار حكم إدانة وسجن بثمانية أعوام يعبر عن استهتار كبير.
ولكن ما يكشف نفاق السلطات السياسية والقضائية الفرنسية في موضوع حقوق الإنسان والانتهاكات التي يتعرض لها الأفراد والجماعات، هو الموقف السلبي الفرنسي من قضية اختطاف واغتيال المعارض المغربي المهدي بن بركة في التاسع والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني من سنة ،1965 ولا يقف هذا الموقف السلبي عند حدود استمرار رفض السلطات الفرنسية رفع الحظر عن الوثائق المتعلقة بتلك القضية رغم مرور أكثر من أربعين عاما عليها، بل يمتد إلى التقاعس عن تحريك مذكرات الاعتقال الدولية في حق بعض المتهمين المغاربة في تلك القضية.
ومن المستبعد أن يكون الموقف الفرنسي سالف الذكر ناتجا عن تقدير خاص للمسؤولين المغاربة أو للمصالح المغربية. ومن غير المستبعد أن يكون هذا الموقف نابعا من رغبة التستر على تورط محتمل في تلك القضية لعدة أطراف من بينها اسرائيل وفرنسا نفسها.
ويبدو في ضوء ما سبق أن الاستخدام السياسي للقضاء الفرنسي بالإضافة إلى أنه لا يسوي المشاكل السياسية، فإنه يسيء كثيرا إلى القضاء المذكور.