ثمة أشياء تبدو خالية تماماً من أي منطق، واهية الأساس، باختصار لا تدخل الدماغ . وعلى العاقل عندئذ أن يجد لها منطقاً يجعلها تدخل المخ عن قناعة وتسليم . ذلك النوع من الأشياء لا يخلو عادة من الطرائف والمفارقات . وعندما يتعلق الأمر بأقوال، فإن على المتلقي أن يتحلى برحابة الصدر وظرافة الردود . عندما يكون المتحدث مجنوناً، فإن على السامع أن يكون عاقلاً .
أحداث مصر حفلت بباقة من هذه العجائب، بعد طيران كرسي مرسي . وبما أن الأمور مفتقرة بطبعها إلى المنطق والموضوعية وحتى العقل أحياناً، فالقارئ الكريم سيعفيني من عناء ترتيبها بطريقة منطقية مقنعة منضبطة من حيث التحرير الإعلامي . لكن هذا لا يعني أن العالم العربي ليس أمام ظاهرة بالغة الخطورة، فوصول الإخوان ومن لف لفهم إلى سدة الحكم كارثة لا تخفف وطأتها وعواقبها المضحكات المصاحبة .
بصراحة، لم تعجبني الطرائق التي قوبلت بها تخريفات نزول جبريل، عليه السلام، على ميدان رابعة العدوية . من علماء الدين من شهر سيف الردّ . أحدهم دكتور أزهري أسهب وأطنب في فضائية مصرية، وبرهن على أنه لا ينزل إلا ليلة القدر، مع أدلة كثيرة أخرى . تمنيت أن لو تحلى الذين هبوا للرد بشيء من الدعابة اللاذعة، وقالوا للقوم الخوانجية: صدقتم، لقد نزل فعلاً، ولكن ليحسم الأمر . وقد قضي الأمر الذي فيه تفترون .
هذا ذكرني بطرفة . يروى أن جلال الدين الرومي كان يفسر في الحلقة آيات، فجأة أمسك، سئل عن السبب، فقال: سمعت صوت باب الجنة . فقال أحد مريديه: وأنا أيضاً . قال الصوفي الكبير: لكنني سمعته وهو يفتح، وسمعته أنت وهو يوصد .
لا شك في أن هذه الفئة التي تهدف إلى قمع الأذهان والنفوس، قبل قمع الأجسام، وهي لا تتورع عن القتل، تشكل خطراً على طموح الشعوب والأمة إلى النهوض والتقدم . فماذا يتبقى للناس حين يصبح إقدام الشعب على تصحيح الخطأ أخطر من هدم الكعبة؟ مثل هذا الكلام لم يقل حتى في قلعة ألموت في سبحات جماعة الحسن الصباح . كيف يُعقل أن يقول أحد يدّعي العقل والإسلام: إن فقدان مرسي كرسيه أشد هولاً من هدم بيت الله؟ هنا أيضاً، لابد من البحث عن سبب منطقي: محمد بديع المرشد طبيب بيطري، خلطت عليه المهنة الأمور، فلم يعد يدري أنه يخاطب أمة من العقلاء .
لزوم ما يلزم: أخطر ما في الأمر، هو أن ما نراه سخفاً سياسياً: هو في أذهان الجماعة أقدس من المقدسات .