ماذا يقول ناطور المدرسة الأمي للأجيال التي تخرجت بين يديه؟

اللقطة ينقصها بعض الضوء، لكن المعنى يتحقق عربياً على نطاق واسع بالتأكيد. الحارس الذي لا يقرأ ولا يكتب يحرس مصائر تلاميذ القراءة والكتابة، يحمي وجوههم البريئة ويحصن ابتساماتهم وضحكاتهم وركضهم في الشوارع والبيوت والبساتين المحيطة بمدارسهم. الحارس يحرس التلاميذ في منتصف التيه. يذهب الطفل إلى طفولته وإلى اللعب فيتابعه حارس المدرسة بعين من المحبة والخوف والحنان. تطير الحقيبة المدرسية على ظهر التلميذ الصغير، ثم تضيع في فضاء اللهاث حتى تسقط على الأرض، فينتبه ناطور المدرسة،يتجه نحو الكتاب والأرض. يشيل الكتاب بأهداب عينيه ويقدمه إلى التلميذ.

منذ حوالي خمسين عاماً وحارس المدرسة يمارس طقوسه اليومية في الحراسة على وتيرة واحدة، منذ اليقظة الصباحية المبكرة حتى زمن انصراف التلاميذ. يعيش الحارس حياته كأنه ينتقل من مخاض إلى مخاض. هو يحرس الفكرة حيناً كما يحرس الوهم حيناً آخر. هو أيضاً يمارس مهنة يعتاش منها، لكن الخبرة المتراكمة منذ حوالي خمسين عاماً تحول المهنة التي قد يعتبرها البعض اعتيادية إلى عنصر خلاق من الإبداع والعطاء. الحارس يحرس، ويحب زوجته وأولاده كما يحب تلاميذ المدرسة جميعاً ويعتبرهم أولاده.

ترى كم مر عليه منذ أول ما ابتدأ نوبة الحراسة قبل خمسين عاماً؟ ترى ومن أين وإلى أين؟.. تخرّج من تخرّج وتسرّب من تسرّب وعاش من عاش ومات من مات. بعضهم ذهب الى الغنى وبعضهم اكتفى بالكفاف. بعضهم نبغ وبعضهم الآخر فشل وتراجع. بعضهم أدمن الشجاعة والبعض الآخر عاقر الخيانة. بعضهم سافر وعاد وبعضهم سافر ولم يعد. أصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين وكباراً، لكنهم جميعاً ظلوا في مخيلة حارس المدرسة صغاراً يلعبون في ساحة المدرسة وفي الشوارع القريبة، كما ظل شادي رفيق طفولة فيروز يلعب حتى يومنا هذا على التلة.

المفارقة أن عدداً من التلاميذ الذين كان يحرسهم ناطور المدرسة كبروا وتحول كل منهم الى ناطور جديد. المدارس لا تكبر وحدها، فكذلك يفعل النواطير والأسوار.

[email protected]