الهجاء من أقدم أغراض الشعر العربي منذ العصر الجاهلي، فيه خطابان مزدوجان داخلي وخارجي، وأخلاقي وسياسي. كلام السب وتعديد العيوب والسخرية والانتقاص والإهانة والتشنيع والتشهير والتعيير والتجريد من الفضائل والرمي بالرذائل، يدخل في باب الدعاية بلغة العصر الحديث.
الهجاء الأخلاقي في إطار الجماعة المقفلة أو الداخلية كالعشيرة والقبيلة له جانب إيجابي لجهة الحفاظ على القيم المجتمعية والتحذير من الخروج عليها. وفي إطار التوجه نحو الجماعة الخارجية يبدو الهجاء شكلاً من الحرب النفسية ضد الخصوم، ورفعاً للروح المعنوية للحلفاء. وعلى المستوى السياسي يهدف الهجاء إلى سلب شرعية السلطة وهيبة من يقوم عليها.
اتخذ الشعراء الهجاء وسيلة للدفاع عن النفس والعاقلة من عشيرة أو قبيلة أو جماعة، وسبيلاً للتكسب والمكافأة عن طريق المنافحة واتقاء الشر بقطع اللسان وبذل المال، ما يدخل بلغة العصر في أغراض العلاقات العامة والرشوة السياسية.
التحليل النفسي للهجاء في العصر الحديث يضعه في خانة الآلية النفسية التي تضع المهجو في وضع دفاعي. ولا يخلو الهجاء من النوازع الذاتية كتقديم الذاتي على الموضوع، والشخص على الآخر، والحاجة القوية للحصول على الإحساس بالقوة والعلو في العلاقات مع الآخرين، والرغبة والحاجة للإحساس بالسيطرة.
الهجاء لم يعد فناً من الماضي، فقد توسعت فيه الدول عبر وزارات الخارجية والإعلام، وحلت أجهزة الإعلام خاصة الفضائيات مكان شعراء التكسب الذين يمدحون نصرة للقبيلة والجماعة، ويهجون كراهة في كل ما يمثله الآخر من وجود وسلوك وقيم ومنافسة، وفي هذا المضمار سادت آليات الابتزاز والتخوين والتنمر والكذب والدعاية السوداء وقلب الحقائق والافتراء وبث ثقافة الخوف.
الشاعر المخضرم الحطيئة الذي حرمه الإسلام من سلطته كشاعر هجَّاء، كان يمارس فنه كلعبة يستمتع فيها بإيذاء الآخرين، ولم يسلم من لسانه أحد حتى قومه وأمه وزوجه وفي نهاية الأمر نفسه حياً وميتاً.
هذا التداعي أثاره هجاء وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني رشيد درباس الطرابلسي مولداً وهوى وهو السياسي المرموق الذي يسترد الشاعر داخله، في هجاء النظام السياسي في لبنان وهو جزء منه.
درباس المحامي الذي كان نقيباً لمحامي طرابلس، والشاعر الذي له دواوين عدة أشهرها «همرة الوصل»، والذي دخل إلى السياسة من باب النضال القومي العربي، خرج من إهاب طبقته السياسية، وارتدى سربال الشاعر الذي يأسف على الدولة التي لم يبق إلا طيفها، وعلى الربيع الذي تاه بعد ما فقد دليله من أجنحة السنونو وأريج زهر الليمون بعدما هجرت الطيور الأليفة أوكانها وانكسرت قارورة العطر، وتثاءب الموج مللاً من غياب السفين.
وهجا من تستهويهم الألقاب الوتيرة والكنى المبرقشة، ومن أتقنوا فن التذمر، والمناكفات السياسية والتعطيل التنموي، والذين تستهويهم المناصب فإذا أدركوها صاروا عليها أنصاباً وهي رجس من عمل الشيطان.
مثل الحطيئة ادخر الوزير الشاعر السهم الأخير لنفسه لا هجاء ولكن من باب النقد الذاتي، واعتبر أن لبثه في الحكومة طال خلافاً للطبيعتين البشرية والدستورية، في إشارة إلى السن والعوار الذي يشوب النظام السياسي. فهل يملك آخرون من أصحاب الحلل الزرقاء والعمائم والألقاب العسكرية السابقة الشجاعة على هجاء أنفسهم أو اقتراف النقد الذاتي.
هجاء الفشل
22 سبتمبر 2015 00:55 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 سبتمبر 00:55 2015
شارك
عثمان النمر