تدرك طهران فلسفياً أن «مسبار الأمل» الإماراتي الذي انطلق في مهمته بتاريخ 20 يوليو/تموز 2020 ليخترق الفضاء، والمدن الذكية التي تطاول السحاب ليست مجرد مظاهر عمرانية، بل هي إدانات حضارية متلاحقة لنموذج «ولاية الفقيه» الإيراني.
عقدة النقص الإيرانية مأساة وجودية تعيشها أمة علقت بين ماض لا يستطيع الحاضر تحمله، وحاضر مأزوم مسكون برعب الانكسار والانعزال.
هذه «العقدة» جعلت الاعتداءات الإيرانية الإرهابية، تستهدف منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية، في محاولة يائسة للنيل من أمن دولةٍ، جعلت من الاستقرار والسلام نهجاً راسخاً في مسيرتها.
الإمارات بقيادة صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، والتي شُيّد كيانها على الإرادة الصلبة، واجهت هذا العدوان الإرهابي بثبات وكفاءة عالية، مستندة إلى منظومة مؤسسية متقدمة، وقوات مسلحة تمتلك قدرات دفاعية متطورة، ودبلوماسية نشطة تحظى بثقة المجتمع الدولي.
إن الكراهية الإيرانية لدول الخليج، وللإمارات بشكل خاص، ليست ناتجة عن خلافات سياسية عابرة، بل هي أزمة هوية ونقص بنيوي يعانيه النظام الإيراني. فكل قمة اقتصادية في أبوظبي، وكل مشروع ريادي في دبي يذكّر طهران بحجم عزلتها وتخلّف مشروعها، وتعده التهديد الأكبر للسردية الإيرانية البائسة، رغم أن تلك المشروعات يستفيد منها العالم بأسره.
وعلى النقيض، فإن دولة الإمارات تأسست على قيم التسامح، والتعايش حتى أصبحت موطناً لأكثر من 200 جنسية تعيش في أمن وازدهار.
وطالما بقي النظام الإيراني أسيراً لأوهام التوسع وعقدة النقص تجاه جيرانه، فسيظل عاجزاً عن بناء علاقات طبيعية، وسيبقى يرى في نجاح وتطور الإمارات مرآةً تعكس بوضوح إخفاقاته.
ومما لا شك فيه، أن عقدة النقص كرّست لدى النظام الإيراني ما يعرف بتصدير الثورة، عبر أذرع مسلحة ووكلاء في عدة دول، رغبة في ملء ما يمكن تسميته ب «الفراغ الوجودي» للنظام، رغم أن ذلك لا يعكس قوة حقيقية، بل يعبّر عن قلق عميق من الداخل، إذ يبدو الوجود الإيراني مشروطاً بقدرته المستمرة على التمدد، بحيث إذا توقف هذا التمدد، واجه النظام تحديات شرعيته.
بيد أن تلك العقدة تتجلى بوضوح عندما نقارن، بين أولويات دولة الإمارات العربية المتحدة وأولويات طهران، فبينما تستثمر الإمارات في الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، وبناء مهارات إنسان المستقبل، وتجسد قيّم التعايش، يستنزف النظام الإيراني مقدرات شعبه في تمويل الميليشيات العابرة للحدود.
الإمارات تشكل اليوم المرآة الجارحة التي ترفض إيران النظر إليها، لأنها ترى فيها الرؤية التي تحولت إلى واقع، والتحدي الذي أصبح سيادة، والمستقبل كيف صار حاضراً، بينما في إطار المرآة «الضفة الأخرى» الصورة الحقيقية لطهران التي تعاني الفقر والعزلة التي صنعتها بيدها الآثمة.
وتظل المعضلة الكبرى كامنة في بنيوية النظام الإيراني نفسه، إذ إن التحول من «الميليشيات والوكلاء إلى الدولة»، يتطلب المراجعة باحترام السيادة، وحسن الجوار.
