وملنا على الأكوار طربى، كأنما
رأينا العراق، أو نزلنا قبابها
(الشريف الرضي)
السلام عليك يا ضجيع الصوبين.
حُيّيت يا غريب الدار، وغربة الغريب على الخليج، أيها المكرّم بنياشين تموز، المعمد بكافور دجلة، المرفوع على أكتاف الاخوة والرفاق والأحباب، حين عدت من البلد البعيد، إلى البلد البعيد تحرسك روح الماء العالي.
يا سعدك.
كأن أبا غيلان كان يتوجه إليك، وهو في سرّة بحر العرب، إليك أنت ورهط العراقيين المغتربين، المفتونين بتفصيلات تموز، حين أطلق نشيده، وهو في الأعالي، وهو يرى كل شيء.
غرباء يا تموز، ومن دونك الجنان خرائب.
وأحرار يا تموز فنحن...
نُشاقُ إلى أوطاننا وتعوقنا
زيادات سير ما حسبنا حسابها
صدق الرضي، كما صدق أجداده.
وها نحن يا تموز، مثل نخيلنا، نجود بجاني الثمر، فيقذفنا بقايا الرجال، والمخاليق المهازيل، وكسور مرتزقة الجيوش الاستعراضية، بأحجار الذم والدس والنميمة والوقيعة والبشاعة.
نعرف هذا، وأكثر منه الكثير الكثير.
نعرف أن لحم سمكنا لذيذ على الأسمطة، وشهي فوق الموائد، لكنه زفر ساعة يبرق تموز في قصيدة، أو يشرق العراقي في رواية، أو يتسامى السومري في مسرحية، هناك، وهناك وما بينهما.
لحم بحمرة الطمي.
لحم أطفال الحصار. لحم الفلاحين الذين اغتالتهم الطائرات الحليفة. لحم النساء العراقيات المشويات باليورانيوم المنضب، لحم ثيران سومر، لحم قديسات بابل، لحم نساء الأهوار، لحم شباب جسر الأئمة، والأعظمية، والفلوجة، وقد صار زينة على موائد اللئام.
فماذا سيقول النخاسون عندما يسائلهم تموز ذات يوم؟
وماذا يقول الذين تركوا العراقيات، نهباً لتجار اللحم دولار، عندما يجتاز الشهيد الأخير، منطقة النور الأبيض، ويهجع في الغرفة الأخيرة في وادي السلام؟
ماذا ستقولون، أبناء ال ...؟
نعم، نحن مشاريع حياة غير منتهية، مواطنون في وطن كتب أبناؤه كلمة الحرية للمرة الأولى على المسلة الأولى في التاريخ. لكننا أصبحنا علفاً للقروش في المحيط الهادي، وطرائد سهلة لعسس مكاتب الحدود، وكائنات مختبرية في معسكرات اللجوء.
من تزيح خمارها، يا نساء العرب، وتقول للقتلة: كفوا أيديكم عن شعب العراق؟
أمس، وقبل أمس، مر القتيل ما قبل الأخير، على بوابات مكاتب الأمم المتحدة، ونقاط الحدود القريبة والبعيدة، وليس معه إلا تميمته، شمس تموز التي في راحة كفه اليمنى. فليس مع ضجيع ما بين النهرين، إلا بياض العماء الأول، كأنما هو جده قلقاش الذي رأى كل شيء.www.juma-allami.com