الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إفريقيا وتداعيات التصعيد في هرمز

28 أبريل 2026 00:41 صباحًا | آخر تحديث: 28 أبريل 00:42 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
انعكاساً لنهجٍ دأب النظام الإيراني على توظيفه في أزماته الإقليمية، قائم على توسيع نطاق التكلفة إلى ما يتجاوز أطراف التوتر المباشر، برز تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز بصفته أكثر من مجرد تطور ميداني عابر، فمن خلال فرض واقع ضاغط على أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، يكشف هذا السلوك عن مقاربة أحادية ونفعية لا تكترث بتداعياتها على الاقتصاد العالمي، ولا تلتفت إلى اعتبارات حسن الجوار، أو مقتضيات الاستقرار الإقليمي، وفي ظل هذا التصعيد يبرز تساؤل جوهري هو: إلى أي مدى يمكن لتعطيل ممر بحري واحد أن يعيد تشكيل ملامح الأمن الاقتصادي والغذائي خارج نطاقه الجغرافي؟ وهل نحن أمام اضطراب مؤقت فرضه سياق عسكري محدد، أم أمام نمط متكرر من توظيف الممرات البحرية أدواتِ ضغطٍ جيوسياسي؟ وفي الحالة الإفريقية لا يبدو هذا السؤال نظرياً، بل يعكس واقعاً يتشكل بالفعل تحت وطأة هذه التطورات.
وتُظهر المعطيات أن الحصار الذي تسعى إيران لفرضه على المضيق لم يُحدث صدمة طاقية معزولة فحسب، بل أطلق سلسلة تأثيرات ممتدة طالت الغذاء والنمو الاقتصادي، مع توقعات بدفع الملايين نحو الفقر عالمياً، في ظل ما وُصف ب»الصدمة الثلاثية» المرتبطة بالطاقة، والغذاء، وتباطؤ النمو، ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في إفريقيا، التي تعتمد بشكل هيكلي على الخارج في تأمين احتياجاتها الأساسية، إذ تستورد القارة سنوياً ما تبلغ قيمته بين 70 و100 مليار دولار من الغذاء، إلى جانب أكثر من 6 ملايين طن من الأسمدة، فضلاً عن إنفاق يتجاوز 120 مليار دولار على المنتجات النفطية، ما يجعلها أكثر انكشافاً لاضطرابات الطاقة، وسلاسل الإمداد.
ويفسر هذا الاعتماد سرعة انتقال الأثر، الذي يمكن تفكيكه إلى ثلاث قنوات رئيسية، أولاً، قناة الطاقة، إذ أفضى التصعيد المرتبط بالمضيق إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية -بأكثر من 50%-، ما أدى في المقابل إلى زيادة تكاليف الوقود في العديد من الدول الإفريقية بنسبة تراوحت بين 15% و40%، ما انعكس مباشرة على تكلفة النقل والإنتاج، ثانياً، قناة الأسمدة، إذ يمر نحو ثلث تجارتها العالمية عبر المضيق، ما أدى إلى اضطراب الإمدادات خلال موسم زراعي حرج يمتد من مارس/ آذار حتى مايو/ أيار، مهدداً الإنتاج الزراعي في دول تعتمد أساساً على هذه المدخلات المستوردة، ثالثاً، قناة سلاسل الإمداد، إذ أدت إعادة توجيه السفن عبر رأس الرجاء الصالح إلى زيادة زمن الشحن بما يصل إلى أسبوعين، وارتفاع تكاليف التأمين، وتأخير وصول السلع الأساسية، بما في ذلك الغذاء والمساعدات.
وفي هذا السياق لا تتوقف خطورة الأزمة عند حدود اضطراب الإمدادات، أو ارتفاع تكاليف الشحن، بل تتعمق بالنظر إلى الترابط البنيوي بين الطاقة والغذاء، إذ تشير التقديرات إلى أن أسعار الطاقة تمثل ما يقارب 60% من تكلفة سلاسل إمداد الغذاء، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعار النفط يتحول سريعاً إلى تضخم غذائي، ومن ثمّ فإن توظيف الممرات البحرية لتكون نقاط ضغط لا يعيد تشكيل موازين القوى فقط، بل يعيد توزيع التكلفة على المجتمعات الأكثر هشاشة أيضاً، حيث تتحول الأزمات الجيوسياسية إلى أزمات معيشية وإنسانية.
ومع ذلك لا تتوزع هذه التداعيات بشكل متساوٍ داخل القارة، فالدول المصدّرة للطاقة، مثل نيجيريا وأنغولا، قد تستفيد من ارتفاع الأسعار عبر زيادة الإيرادات، إلا أن هذه المكاسب تظل محدودة ومؤقتة، ولا تعكس تحسناً في الأمن الغذائي، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على الواردات الغذائية. وفي المقابل تواجه الدول المستوردة ضغوطاً مركبة تشمل التضخم، وتراجع العملات الإفريقية، إذ شهدت 29 عملة في القارة انخفاضاً في قيمتها، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة خدمة الديون، ويحد من قدرة هذه الدول على امتصاص الصدمة.
وفي المحصلة لا يمكن قراءة حصار مضيق هرمز بصفته مجرد تطور عسكري عابر، بل بصفته مؤشراً إلى استعداد النظام الإيراني لتوسيع نطاق التكلفة إلى ما يتجاوز ساحات الاشتباك المباشر، ليطول الاقتصاد العالمي، ومناطق هشة مثل إفريقيا، بل يمتد إلى دول ومجتمعات لم تكن أصلاً طرفاً في المواجهة، وتزداد مفارقة هذا السلوك حين يصدر عن نظام دأب على تقديم نفسه في القارة الإفريقية بصفته شريكاً سياسياً وتنموياً، فيما تقود ممارساته عملياً إلى الإضرار باقتصاداتها، وتعميق الضغوط المعيشية على مجتمعاتها، وهنا لا يكون السؤال عن مآلات التصعيد فقط، بل عن حدود هذا السلوك: إلى أيّ مدى يمكن أن يمضي نظام في تعميم الأذى وسيلةً للبقاء؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه