يعاني بعض الأطفال مشكلة عسر القراءة أو ما يسمى بمرض الديسلكسيا، وهو من أكثر صعوبات التعلم شهرة وغرابة بين الأطفال، ويستحوذ على اهتمام الكثير من الباحثين والعلماء، فمن الطبيعي أن يبدأ الصغير في عمر رياض الأطفال في إظهار قدرته على تعلم القراءة، وإن تأخر فيكون في سن الصف الأول من المدرسة.
الأطفال المصابين بمرض الديسلكسيا ليس لديهم قدرة على فهم واستيعاب أساسيات القراءة في هذا العمر، وهذا المرض يمثل مشكلة كبيرة للطفل، لأن تعلم القراءة من المهارات الرئيسية التي تعد الطفل لتعلم جميع المناهج الدراسية، وشق طريقه إلى التعلم والفهم لكل النصوص المكتوبة، فهي تمثل أساس البناء لمنظومة التعليم ككل، ومع فقدان هذه القدرة لا يستطيع الطفل التحرك خطوة واحدة في طريق الدراسة التعليمية، وسوف يحتاج هؤلاء التلاميذ إلى مجهود شاق للغاية من أجل تعلم أشياء بسيطة، وهو ما يسبب ضياع الوقت والجهد وتعطيل مسيرة الفصل التعليمي للتلاميذ الآخرين، وهذه الحالة المرضية لا يعرف الكثير من الأشخاص تفاصيل عنها، نتيجة غموض أعراضها وضعف درجة الوعي بها وعدم التعرف على مسبباتها، حتى الوسط التعليمي يجهل هذه المشكلة ولا يسمع عنها، وهو ما يؤدي في الغالب إلى عزل الطفل المصاب بها وتهميشه داخل الفصل الدراسي، مع عدم توفر العناية الخاصة بهذا الطفل المصاب ليتخلص من الصعوبات التي تواجهه، والمحاولة في التأقلم الفعال والإيجابي مع أقرانه في الفصل والدراسة والأنشطة، وكذلك الانخراط في المجتمع الخارجي والانسجام مع الآخرين، وفي هذا الموضوع سوف نوضح تفاصيل مرض الديسلكسيا وأسباب هذه المشكلة وأعراضها التي تظهر، كما نوضح الكثير من طرق التغلب عليها وعلاجها بالطرق والأساليب المختلفة والمبتكرة.

صعوبة القراءة

يعرف مرض الديسلكسيا على أنه تعسر وصعوبة في القراءة يصيب بعض الأطفال، أو اضطراب في تعلم القراءة والهجاء لدى الأطفال، ويسمى إعاقة القراءة ويحدث لبعض الصغار الذين يتوفر لديهم قدرات الذكاء الجيد، وتتاح لهم الفرص الاجتماعية الطبيعية والثقافة المناسبة، وتنتج هذه المشكلة عن حدوث إعاقة في جانب من الناحية الإدراكية الأساسية وتمثل خللاً صحياً، ويصعب تشخيص هذا المرض في عمر مبكر، ولكنه يظهر واضحا عند سن البلوغ، ويصاب الآباء بالدهشة من هذه الحالة لأن طفلهم يتمتع بالذكاء الطبيعي، ولكنه لا يتقدم في عملية تعلم القراءة والهجاء، ولا يستطيع قراءة كتيب سهل وبسيط، ومرض الديسلكسيا ليس له علاج يخلص الطفل من هذه الصعوبة، ورغم ذلك يمكن استخدام أسلوب تعليمي خاص بهؤلاء الأطفال يمكنهم من النجاح وتكملة الدراسة، ويختلف هذا المرض عن صعوبة القراءة الناتجة عن عوامل أخرى، ومنها إصابة الطفل بمشاكل في السمع أو الرؤية فينعكس ذلك على ضعف وصعوبة القراءة، وكذلك نتيجة ضعف مستوى الطفل في قدرات التعلم مما يؤدي إلى عدم استجابته لتعلم القراءة، ويرجح العلماء أن هذه المشكلة ناجمة عن اختلال عصبي، ورغم ذلك لا تصنف على أنها إعاقة ذهنية، لأن هذا المرض يصيب أطفالاً بدرجات ذكاء متباينة، ومنها من هو عالي الذكاء وآخر ذو ذكاء طبيعي وغيرهم من قليلي الذكاء، وتكشف الدراسات أن أطفال الديسلكسيا يعانون خللاً وظيفياً عصبياً في دوائر القراءة بالنصف الأيسر الخلفي من المخ، وهذا هو السبب الرئيسي لهذه الحالة، بالإضافة إلى أنها مشكلة وراثية بالدرجة الأولى.

فقدان الحفظ والتخليص

تظهر أعراض مختلفة لدى الأطفال المصابين بمرض الديسلكسيا بشكل كبير، حيث تتباين من طفل لآخر ومن فترة عمرية إلى أخرى، ففي السن الذي يسبق الالتحاق برياض الأطفال أو المدرسة يصعب اكتشاف هذا المرض، ولكن تظهر بعض العلامات التي لا يلتفت إليها المحيطين، مثل تأخر مرحلة الكلام عند الصغير، وصعوبة واضحة في تعلم الكلمات الجديدة مع بطء ملحوظ، كما تظهر بعض المشاكل في نطق الكلمات، ويظهر على الصغير ضعف القدرة على تعلم الأساسيات ومنها الحروف والألوان والأرقام، وعند وصول الطفل إلى سن المدرسة، تبدأ أعراض هذا المرض في الظهور، حيث تظهر مشاكل الطفل في صعوبة التعلم عند بداية القراءة والكتابة، وتبدو قراءة الصغير بمستوى أقل بكثير من الدرجة المتوقعة بالنسبة إلى عمره، وتظهر مشاكل عدم استيعاب ما يسمع وصعوبة في فهم التعليمات، وعدم المقدرة على فهم أكثر من تكليف في ذات الوقت، ويخلط الطفل بين الكلمات والحروف، نتيجة صعوبة اكتشاف الفروق وأوجه التشابه والاختلاف بين الحروف والكلمات، حيث يخلط بين الحروف المتشابهة مثل حروف «ب وت وث» وكذلك «ج وح وخ»، ويجد صعوبات بالغة في تعلم العلاقة بين شكل الحرف وطريقة نطقه، ويرى الطفل المصاب الحروف والكلمات معكوسة، وهذه الحالة منتشرة بين الأطفال الصغار ولكنها أكثر تعمقاً بين الأطفال المصابين بمرض الديسلكسيا، كما يتعرض هذا الصغير لمشاكل في الكتابة ويفتقد إلى المهارات الحركية التي تحتاج إلى درجات من الدقة، وتظهر عليه صعوبة الهجاء وصعوبات كبيرة في تعلم اللغة الأجنبية، وتظهر أعراض أيضا في مرحلة المراهقة للأطفال المصابين بمرض الديسلكسيا، وهي غالبا ما تتشابه مع أعراض مرحلة سن الدراسة، مثل مواجهة مشاكل في القراءة والكتابة والهجاء، بالإضافة إلى صعوبة بالغة في الحفظ والتركيز، وكذلك صعوبة في عمل التلخيصات للقصص والرويات أو للمواد التعليمية أو كتابة موضوعات التعبير، طبعا مع مشاكل كبيرة في تعلم اللغات المختلفة.

برنامج متخصص

ابتكر العلماء بعض الطرق والأساليب التي يمكن أن تحسن من مستوى تعلم الطفل المصاب بمرض الديسلكسيا، ولكن هذا المرض ليس له علاج شاف من هذه الأعراض، وتم تدريب بعض المتخصصين على التعامل مع الطفل المصاب بهذا المرض، ليقدموا المساعدة في معالجة بعض الكلمات وطرق القراءة للطفل المصاب، ويتم عمل ذلك من خلال برنامج تعليمي مخصص لهذه الحالات، ويقوم بتطبيقه مختص تعلم القراءة ومعالجة الكلمات، ويمكن استخدام تقنيات حديثة للسمع والرؤية واللمس، لتساهم في تحسين مهارات القراءة لدى هؤلاء الأطفال، وتتوقف نتيجة تحسين حالة الطفل على التشخيص والاكتشاف المبكر للمشكلة، وبالتحديد في مرحلة رياض الأطفال والصف الأول الدراسي، وهذا الاكتشاف المبكر يساهم في العلاج بصورة جيدة وسهلة، ويجب على الأم أن تكون ملمة بمعلومات كافية عن هذا المرض من أجل التعامل مع طفلها المصاب، وتتابع أحدث نتائج الدراسات الحديثة في هذا الموضوع، وتستعين بأصحاب الخبرة من الآباء الذين تعايشوا مع حالات مماثلة، ويمكن أن يصبحوا مصدراً ثميناً للمعلومات والمساندة المعنوية والنفسية، كما يمكن القراءة أمام الطفل في سن مبكرة بصوت عال عند وصوله عمر 5 أشهر، وفي سن أكبر يفضل قراءة القصص مع الطفل مرة ثانية، ومن الضروري مشاركة الطفل في عمل الوجبات المنزلية، لمساعدته وتوفير المكان والهدوء المناسب لهذه المهمة، ويمكن الاستعانة ببعض المدرسين المتخصصين لتوفير إمكانيات أكثر، ولابد أن تساعد الأم هذا الطفل المصاب في تأدية بعض الأنشطة المحببة إليه، ومنها ممارسة الرياضة والفن والرسم والأنواع الأخرى من الأنشطة غير المدرسية، لأنها سوف تمثل متنفساً إيجابياً يساعده على تجاوز الصعوبات والعقبات وإحراز التفوق، وعلى الأم البحث عن جوانب التميز والتفوق لهذا الطفل المصاب، ثم تقوم بصقلها من خلال التشجيع والثناء والتحفيز على مزيد من التقدم في هذه الجوانب، ولابد أن تتابع الأم طفلها وتقييم أساليب العلاج وتتأكد من أن الطفل بدأ يظهر عليه بعض التحسنات، وأن طرق العلاج بدأت تثمر وتسير على الطريق الصحيح، وفي حالة حدوث حالة من الاكتئاب والإحباط لدى هذا الطفل، فيجب على الأم الذهاب إلى الطبيب النفسي أو الأخصائي المناسب لمثل هذه المشكلات لحل المشاكل النفسية التي يتعرض لها.

فرط النشاط

تبين دراسة حديثة أن مرض الديسلكسيا لا يتم تشخيصه إلا بعد مرور حوالي 7 شهور كحد أدنى من بداية تعلم القراءة والكتابة، وتشير بعض الإحصائيات الحديثة إلى أن هذا المرض يصيب حوالي 2% إلى 9% من الأطفال في سن التمدرس، وذلك في كل الأصول العرقية والجغرافية المتباينة، كما يصيب حوالي 5% إلى 12% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، ومرض الديسلكسيا أكثر انتشاراً لدى الذكور عن الإناث، وتوضح الدراسة أن حوالي 27% من الأطفال المصابين بمرض الديسلكسيا يعانون كذلك فرط النشاط ونقص الانتباه، وتكشف دراسة أخرى أن مشكلة عسر القراءة ليس لها علاقة بالتخلف العقلي، لأن الأطفال المصابين لديهم قدرة على الإبداع في جوانب أخرى، بمعنى أنها إعاقة مختلفة تماماً عن الإعاقة العقلية والحسية، ولا ترتبط بعوامل بيئية أو اجتماعية أو ثقافية أو برفض الرغبة في التعلم، وهذه الحالة من خصائصها الاستمرار لفترات زمنية طويلة أو مزمنة، ويعود مسمى مرض الديسلكسيا إلى كلمة يونانية الأصل وتعني صعوبة الكلمة المقروءة، ويرجع استخدام هذا المصطلح لأول مرة إلى عالم فرنسي سنة 1873، وتمت تسميته فيما بعد ببعض المسميات الأخرى.