يطلق المرضى على أي ألم نابض يشعرون به في الرأس اسم الصداع، ولكن تتفاوت شدته وأعراضه من شخص لآخر بحسب أسبابه والحالة المرضية المصاب بها، فربما ينتج عن بعض الانفعالات النفسية التي يرافقها قلق وتوتر وغضب، أو بسبب مشكلة صحية، وتعتبر الشقيقة أو الصداع النصفي من أكثر الأنواع شيوعاً وترتفع معدلات الإصابة بها عند النساء أكثر من الرجال، وتظهر علاماتها على شكل آلام شديدة وغثيان وقيء، إضافة إلى الحساسية من الأصوات والأضواء الساطعة، وتدوم الأعراض لساعات قليلة أو تتواصل لثلاثة أيام، وفي معظم الحالات تسبقها أو تليها نوبات متكررة تمتد من 10 إلى 15 دقيقة مصحوبة بوخز مستمر، وهناك العديد من الأسباب التي تعمل على تهيج الحالة مثل الإجهاد، ممارسة الرياضة البدنية العنيفة، تغير الهرمونات عند الإناث، عدم انتظام مواعيد النوم وغيرها.
يقول الدكتور راج شكر مختص الأمراض العصبية أن الشقيقة تعد أكثر المشكلات شيوعاً بين الأشخاص، ويصاب بها نحو 20% من الأشخاص وتستهدف النساء أكثر من الرجال، ويمكن أن تحدث كجزء من مشكلة معقدة مثل داء الصرع، ويطلق عليها أحياناً «الصرع الشقيقي»، أو باعتبارها أحد أعراض الإصابة كما في الصرع القذالي، أو اضطرابات المتقدرات، وربما تنجم الشقيقة عن أمراض أخرى مثل التهاب الجيوب الأنفية، التوتر والقلق، تناول بعض العقاقير، وهناك نوعان من الأعراض التي تظهر على المريض عند الإصابة، فعندما تسبق الصداع يشعر بتغير في المزاج، التثاؤب المفرط، النعاس، انخفاض مستويات اليقظة، سرعة الانفعال والشعور بآلام بسيطة في فروة الرأس، أما التي يرافقها صداع شديد، فيبدأ عادة في منطقة وجهة واحدة، ثم يمتد إلى مناطق أخرى، وربما يصيب الرأس بأكمله، مع الإحساس بالدوخة مع أو من دون تقيؤ، إضافة إلى وجود ألم متزايد عند النظر إلى الضوء أو الصوت، ويكون عادة التشخيص عن طريق الفحص السريري للمريض، ويمكن تشخيصه في حال الإصابة بصداع متكرر على مدى 6 أشهر ووجود نمط معتاد للأعراض، إضافة إلى استبعاد مسببات أخرى عبر الفحوص مثل تصوير الدماغ وغيرها من الاختبارات الأخرى.
اضطرابات حسية
ويوضح الدكتور فيفيك كاران مختص السكتة الدماغية والتداخلية أن الشقيقة تُعتبر مرضاً وراثياً يظهر على شكل نوبات من الصداع المترافق باضطرابات حسية، وتتلخص الآلية الإمراضية في حدوث اضطراب في استجابة الدماغ للمعلومات الحسية، وتسهم التغيرات الفيزيولوجية مثل تغيير عادات النوم وممارسة الرياضة والجوع في تحريض تكرار ذلك الاضطراب، وتصنف الشقيقة كنوع من أنواع الصداع، وترافقها عدة أعراض سريرية، حيث إن هناك بعض المرضى الذين يشكون من صداع شديد، ويعاني آخرون من تشوش الرؤيا والحساسية تجاه الضوء والأصوات والروائح، إضافة إلى الغثيان والإقياء، وتستمر هذه النوبات لعدة ساعات، وربما تؤثر بشكل مباشر في نوعية العمل والعلاقات الاجتماعية.
أنواع الشقيقة
ويذكر د. فيفيك أن الأنواع الرئيسية للشقيقة يمكن تصنيفها ضمن فئتين، فهناك الشقيقة غير المسبوقة بنسمة، ويُصادف هذا النوع في الحالات بنسبة من 70% إلى 90%، والأخرى المسبوقة بنسمة، وتُشاهد في 10% إلى 30% من الحالات، وتعرف النسمة بأنها مصطلح يُستخدم لوصف عرض الشقيقة العصبي، إذ يعاني أغلبية المرضى من اضطرابات بصرية تتضمن رؤية بقع لامعة وخطوط متموجة أو بقع عمياء في الساحة البصرية، وتشتمل الأعراض الأخرى على الشعور بالغثيان والوهن في نصف عضلات الجسم، وتنقسم الأنواع الفرعية للشقيقة المسبوقة بنسمة إلى:
* شقيقة جذع الدماغ، وهي حالة نادرة جداً، وتتضمن الأعراض التي تظهر على المريض اضطرابات بصرية في كلتا العينين، صعوبات في التكلم، مشاكل في السمع، الشعور بالوخز في اليدين والقدمين، الغثيان، الدُوار، طنين الأذنين.
* الشقيقة الفالجية نوع فرعي نادر الحدوث يتمثل في ضعف مؤقت في نصف واحد من الجسم.
* الشقيقة الحيضية، ويُعزى سبب حدوثه إلى انخفاض مستويات هرمون الأستروجين في الجسم، يمكن تلخيص أسباب الإصابة بها في انخفاض مستوى الأستروجين ضمن الدورة الطمثية الطبيعية، أو إفراز البروجسترون الطبيعي أثناء الثمانية وأربعين ساعة الأولى من الطمث.
* الشقيقة البطنية التي يعاني منها الأطفال بشكل رئيسي، وترتبط بمتلازمة الإقياء الدوري.
عوامل مرضية
يشير د. فيفيك إلى أن هناك بعض البحوث التي أظهرت العديد من عوامل الخطر التي تزيد من احتمال إصابة الشخص بالشقيقة، والتي تتضمن التاريخ العائلي، حيث تمتلك الأغلبية العظمى من مرضى الشقيقة سوابق عائلية في نفس المرض، إذ يرتفع احتمال الإصابة بشكل كبير لدى الأشخاص الذين يمتلكون أقارب من الدرجة الأولى، كما تصيب الشقيقة عادةً الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15-55 عاماً، ويصاب الأغلبية بالنوبة الأولى من الشقيقة قبل عمر 40 عاماً، وتُعتبر النساء أكثر عرضة للإصابة مقارنة بالرجال، كما يرتبط الاكتئاب والقلق والسكتة والصرع وارتفاع الضغط الشرياني بالإصابة بالشقيقة، إضافة إلى التغيرات الهرمونية، حيث لاحظت النساء المصابات بالمرض تكرار النوبات بشكل دوري قبل بدء الدورة الشهرية أو بعدها بوقت قصير، وربما يتغير تواتر النوبات أثناء الحمل أو بعد سن اليأس.
نوبات متكررة
يوضح د. فيفيك أن الشقيقة تُعتبر صداعاً وعائي المنشأ، إلا أن السبب لم يتم اكتشافه حتى الآن، ويظن بعض الخبراء أن نوبات الشقيقة تحدث نتيجة تغيرات شاذة في الدماغ تحرض على حدوث التهاب في الأوعية الدموية، وهو ما يؤدي إلى تورمها وانضغاط الأعصاب بها والشعور بالألم، كما اكتشف الباحثون وجود بعض العوامل التي تحرض على حدوث النوبات المتكررة التي ترافق الإصابة، وتختلف هذه المحرضات من شخص لآخر، وربما تتضمن اضطرابات النوم والقلق وتبدلات الطقس وانخفاض مستوى سكر الدم والتجفاف والأضواء الساطعة، والأصوات المرتفعة والتغييرات الهرمونية والأطعمة الحاوية على مادة الأسبرتام والتيرامين (الفول والأجبان المعتقة ومنتجات الصويا ...إلخ)، إضافة إلى الكافيين والكحول، وحتى الآن لم يتم إيجاد علاج لنوبات الشقيقة لكن يمكن إدارة الأعراض بمساعدة مقدمي الرعاية الصحية، كما تتوفر للمرضى العديد من الأدوية لتخفيف الألم والوقاية من حدوث نوبات مستقبلية، كما ينصح الأطباء المصابين بتغيير أسلوب الحياة بغرض التعرف إلى العامل المحرض المحتمل وتجنبه.
مضاعفات ومخاطر
تبين الدكتورة أناندي داموداران اختصاصية الأمراض العصبية أن الصداع النصفي هو ثاني أبرز أنواع الاضطرابات العصبية، ويصيب نحو 1 من كل 7 أشخاص في جميع أنحاء العالم، وغالباً ما تستهدف الأعراض الجهاز العصبي اللاإرادي، ويتميز بنوبات صداع متكررة، وغالباً ما تكون في جانب واحد من الرأس، وفي بعض الحالات تكون مرتبطة بأعراض بصرية أو حسية تنشأ في أغلب الأحيان قبل الشعور بالآلام، ويمكن أن يكون الألم شديداً للغاية، وربما يستمر لفترة تتراوح من 4 ساعات إلى ثلاثة أيام، وعادة يزداد الألم عندما يتحرك المريض أو يتعرض للأصوات والأضواء الساطعة، وربما يشعر المصاب بالصداع النصفي بالغثيان والقيء عندما يكون الألم في ذروته، ومع النوبات والهجمات المتكررة يتأثر جانبا الرأس، حيث ترافقها الاضطرابات البصرية، والغثيان والتقيؤ والدوخة والحساسية الشديدة للصوت والضوء، واللمس والشم، والوخز أو التنميل في الأطراف أو الوجه، وتجدر الإشارة إلى أن نحو 25 في المئة من الذين يعانون من الصداع النصفي يواجهون اضطراباً بصرياً يسمى هالة، وتستمر عادة أقل من ساعة، و15-20 في المئة من المرضى الذين يتعرضون للهجمات تحدث لهم أعراض عصبية أخرى قبل ألم الرأس الفعلي، وتستمر هذه النوبات عادة بين 4 و72 ساعة.
طـرق علاجية
تؤكد د. أناندي على أنه لا يوجد علاج فعال للصداع النصفي في الوقت الحالي على الرغم من توفر عدد من العلاجات للمساعدة في تخفيف الأعراض، وربما يستغرق الأمر بعض الوقت للتوصل إلى أفضل خطة علاجية للمريض، وفي بعض الحالات تكون هناك حاجة إلى أنواع أو مجموعات مختلفة من الأدوية قبل أن يجد المصاب النوع المناسب له والأكثر فاعلية، وفي الحالات المتقدمة من المرض يتم علاج آلام الصداع النصفي بمسكنات الألم، ويمكن أن يساعد تغيير نمط الحياة، على سبيل المثال عادات الأكل الصحية وممارسة التمارين الرياضية أيضاً في تقليل تواتر نوبة الشقيقة، وتشير بعض الأبحاث إلى أن الأدوية التي تعالج هذا المرض لا تؤدي إلى ركوده، لكنها يمكن أن تجعل الأعراض أكثر اعتدالاً والهجمات أقل تواتراً، لذلك يمكن أن تكون مفيدة في المساعدة في السيطرة على الصداع النصفي وإن لم توقفها.
«الإقياء الدوري»
تصيب متلازمة الإقياء الدوري الأطفال في الأعمار من 3 إلى 7 سنوات من دون سبب واضح، ولكن يرجح العلماء أنها ربما تحدث نتيجة العوامل الوراثية، وخاصة من لديهم أقارب يعانون الصداع النصفي أو الشقيقة، أو اضطرابات في الجهاز الهضمي، واختلالات هرمونية وعوامل أخرى متعددة، كما تصنف ضمن الأمراض التي يصعب تشخيصها بسهولة، حيث إن القيء أحد أعراضها الأساسية، ويشترك في العديد من المشكلات المرضية الأخرى، وتبدأ علاماتها بنوبات مستمرة من القيء، وتستمر لساعات أو أيام، يرافقها غثيان، آلام في البطن، إسهال، دوخة، حساسية من الضوء، وعند تشخيص الحالة والتأكد من وجود متلازمة الإقياء الدوري ينصح الطبيب بتغيير نمط الحياة والغذاء للطفل، وتناول مضادات الغثيان، كما أن جلسات علاج الشقيقة تساعد بشكل كبير في الحد من حدوث المضاعفات والنوبات المتكررة من القيء.