وردت أحاديث كثيرة،‮ ‬تتضمن فوز الكثيرين من الصحابة بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ويا سعادة من دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هؤلاء السعداء من قال عن نفسه‮ «‬فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي‮ ‬به» فمن هذا الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بخير الدنيا والآخرة؟‮!‬

إنه أنس بن مالك رضى الله عنه وعن الصحابة أجمعين صاحب العمر المديد والعلم الوفير،‮ ‬تربت على‮ ‬يديه أجيال من المخلصين لدعوة رب العالمين وكيف لا وهو صاحب كنوز سنة رسول الله صلى الله عليه‮ وسلم.‬
يقول عنه الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء‮»: ‬«أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري‮ ‬الإمام،‮ ‬المفتي،‮ ‬المقرئ،‮ ‬المحدث،‮ ‬راوية الإسلام،‮ ‬أبو حمزة الأنصاري،‮ ‬الخزرجي،‮ ‬النجاري،‮ ‬المدني،‮ ‬خادم رسول الله‮ -‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وقرابته من النساء،‮ ‬وتلميذه،‮ ‬وتبعه،‮ ‬وآخر أصحابه موتاً. روى عن النبي‮ -‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬علماً جماً،‮ ‬وعن‮: ‬أبي‮ ‬بكر،‮ ‬وعمر،‮ ‬وعثمان،‮ ‬ومعاذ،‮ ‬وأسيد بن الحضير،‮ ‬وأبي‮ ‬طلحة،‮ ‬وأمه أم سليم بنت ملحان،‮ ‬وخالته أم حرام،‮ ‬وزوجها عبادة بن الصامت،‮ ‬وأبي‮ ‬ذر،‮ ‬ومالك بن صعصعة،‮ ‬وأبي‮ ‬هريرة،‮ ‬وفاطمة النبوية،‮ ‬وعدة»‮.‬
وعنه روى خلق عظيم،‮ ‬ أي‮ ‬نقل عنه العلم منهم‮: ‬الحسن،‮ ‬وابن سيرين،‮ ‬والشعبي،‮ ‬وأبو قلابة،‮ ومكحول،‮ ‬وعمر بن عبد العزيز،‮ ‬وثابت البناني،‮ ‬وبكر بن عبد الله المزني،‮ ‬والزهري،‮ ‬وقتادة،‮ ‬وابن المنكدر،‮ ‬وإسحاق بن عبد الله بن أبي‮ ‬طلحة،‮ ‬وعبد العزيز بن صهيب،‮ ‬وشعيب بن الحبحاب،‮ ‬وعمرو بن عامر الكوفي،‮ ‬وسليمان التيمي،‮ ‬وحميد الطويل،‮ ‬ويحيى بن سعيد الأنصاري،‮ ‬وكثير بن سليم،‮ ‬وعيسى بن طهمان،‮ ‬وعمر بن شاكر‮.‬
ومن مواقفه التي‮ ‬يحكيها الذهبي في السير‮: ‬كتب ابن الزبير بعد موت‮ ‬يزيد إلى أنس بن مالك؛ فصلى بالناس بالبصرة أربعين‮ ‬يوما. وقد شهد أنس فتح تستر،‮ ‬فقدم على عمر بصاحبها الهرمزان،‮ ‬فأسلم،‮ ‬وحسن إسلامه‮، ‬رحمه الله.‬

شكوى ضد الحجاج

قال الأعمش‮: «‬كتب أنس إلى عبد الملك بن مروان‮ (‬لما آذاه الحجاج)‮:‬ إني‮ ‬خدمت رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬تسع سنين،‮ ‬والله لو أن النصارى أدركوا رجلًا خدم نبيهم،‮ ‬لأكرموه‮، فماذا كان رد عبد الملك بن مروان على كتاب أنس بن مالك رضي الله عنه لما وصل إليه وقرأه وهذا ما وثقه الذهبي في سيره‮ ‬يقول‮ «‬فقال‮ ‬يا‮ ‬غلام‮! ‬اكتب إلى الحجاج‮: ‬ويلك‮! ‬قد خشيت ألا‮ ‬يصلح على‮ ‬يدي‮ ‬أحد،‮ ‬فإذا جاءك كتابي،‮ ‬فقم إلى أنس حتى تعتذر إليه. فلما أتاه الكتاب،‮ ‬قال للرسول‮: ‬أمير المؤمنين كتب بما هنا؟ قال‮: ‬إي‮ ‬والله؛ وما كان في‮ ‬وجهه أشد من هذا. قال‮: ‬سمعاً وطاعة،‮ ‬وأراد أن‮ ‬ينهض إليه‮.‬ فقلت‮: ‬إن شئت،‮ ‬أعلمته‮.‬ فأتيت أنس بن مالك،‮ ‬فقلت‮: ‬ألا ترى قد خافك،‮ ‬وأراد أن‮ ‬يجيء إليك،‮ ‬فقم إليه. فأقبل أنس‮ ‬يمشي‮ ‬حتى دنا منه،‮ ‬فقال‮: ‬يا أبا حمزة‮! ‬غضبت؟ قال‮: ‬نعم،‮ ‬تعرضني‮ ‬بحوكة البصرة؟ قال‮: ‬إنما مثلي‮ ‬ومثلك كقول الذي‮ ‬قال‮: ‬إياك أعني‮ ‬واسمعي‮ ‬يا جارة،‮ ‬أردت ألا‮ ‬يكون لأحد علي‮ ‬منطق‮.‬

«رأيت اثنتين وأرجو الثالثة»

وأما عن فوزه بدعاء النبي فهذا ما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس رضي‮ ‬الله عنه قال‮: ‬دخل النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم على أم سليم،‮ ‬فأتته بتمر وسمن‮. ‬قال‮: «‬أعيدوا سمنكم في‮ ‬سقائه وتمركم في‮ ‬وعائه فإني‮ ‬صائم ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى‮ ‬غير المكتوبة،‮ ‬فدعا لأم سليم وأهل بيتها‮.‬ فقالت أم سليم‮: ‬يا رسول الله إن لي‮ ‬خويصة قال‮: «ماهي‮ ‬؟‮» ‬قالت‮: ‬خادمك أنس‮. ‬فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي‮ ‬به‮: ‬اللهم ارزقه مالاً وولداً‮،‮ ‬وبارك له‮. ‬فإنني‮ ‬لمن أكثر الأنصار مالًا‮.‬

وفي‮ ‬رواية عنه،‮ ‬قال‮: ‬قالت أم سليم‮: ‬يا رسول الله،‮ ‬خادمك أنس ادع الله له‮. ‬فقال‮: «‬اللهم أكثر ماله وولده،‮ ‬وبارك له فيما أعطيته‮». ‬وفي‮ ‬أخرى عن الإمام مسلم والترمذي قال‮: ‬جاءت بي‮ ‬أم سليم إلى النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم وأنا‮ ‬غلام فقالت‮: ‬يا رسول الله،‮ ‬أنيس ادع الله له‮.‬ فقال‮: «‬اللهم أكثر ماله وولده‮ ‬،‮ ‬وأدخله الجنّة‮».‬ قال‮: ‬فلقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة‮.‬
وروى الترمذي عن أبي‮ ‬خِلْدة‮ ‬،‮ ‬خالد بن دينار‮، رحمه الله،‮ ‬قال‮: ‬قلت لأبي‮ ‬العالية‮: ‬سمع أنس من النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم ؟ قال‮: ‬خدمه عشر سنين،‮ ‬ودعا له النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم،‮ ‬وكان له بستان‮ ‬يحمل في‮ ‬السنة الفاكهة مرتين،‮ ‬وكان فيهما ريحان‮ ‬يجد منه ريح المسك‮.‬
ثم تأتي المنية لهذا الصحابي الجليل وعن هذا‮ ‬يحدثنا الذهبي في سيره فيقول‮ «‬وأما موته‮: ‬فاختلفوا فيه،‮ ‬قال الأنصاري‮: ‬اختلف علينا في‮ ‬سن أنس،‮ ‬فقال بعضهم‮: ‬بلغ‮ ‬مئة وثلاث سنين. وقال بعضهم‮: ‬بلغ‮ ‬مئة وسبع سنين‮.‬ فرضى الله عنه وعن الصحابة أجمعين‮».‬