إنه أنس بن مالك رضى الله عنه وعن الصحابة أجمعين صاحب العمر المديد والعلم الوفير، تربت على يديه أجيال من المخلصين لدعوة رب العالمين وكيف لا وهو صاحب كنوز سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول عنه الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء»: «أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري، الخزرجي، النجاري، المدني، خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتاً. روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم - علماً جماً، وعن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاذ، وأسيد بن الحضير، وأبي طلحة، وأمه أم سليم بنت ملحان، وخالته أم حرام، وزوجها عبادة بن الصامت، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وفاطمة النبوية، وعدة».
وعنه روى خلق عظيم، أي نقل عنه العلم منهم: الحسن، وابن سيرين، والشعبي، وأبو قلابة، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، والزهري، وقتادة، وابن المنكدر، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وعبد العزيز بن صهيب، وشعيب بن الحبحاب، وعمرو بن عامر الكوفي، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وكثير بن سليم، وعيسى بن طهمان، وعمر بن شاكر.
ومن مواقفه التي يحكيها الذهبي في السير: كتب ابن الزبير بعد موت يزيد إلى أنس بن مالك؛ فصلى بالناس بالبصرة أربعين يوما. وقد شهد أنس فتح تستر، فقدم على عمر بصاحبها الهرمزان، فأسلم، وحسن إسلامه، رحمه الله.
شكوى ضد الحجاج
قال الأعمش: «كتب أنس إلى عبد الملك بن مروان (لما آذاه الحجاج): إني خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين، والله لو أن النصارى أدركوا رجلًا خدم نبيهم، لأكرموه، فماذا كان رد عبد الملك بن مروان على كتاب أنس بن مالك رضي الله عنه لما وصل إليه وقرأه وهذا ما وثقه الذهبي في سيره يقول «فقال يا غلام! اكتب إلى الحجاج: ويلك! قد خشيت ألا يصلح على يدي أحد، فإذا جاءك كتابي، فقم إلى أنس حتى تعتذر إليه. فلما أتاه الكتاب، قال للرسول: أمير المؤمنين كتب بما هنا؟ قال: إي والله؛ وما كان في وجهه أشد من هذا. قال: سمعاً وطاعة، وأراد أن ينهض إليه. فقلت: إن شئت، أعلمته. فأتيت أنس بن مالك، فقلت: ألا ترى قد خافك، وأراد أن يجيء إليك، فقم إليه. فأقبل أنس يمشي حتى دنا منه، فقال: يا أبا حمزة! غضبت؟ قال: نعم، تعرضني بحوكة البصرة؟ قال: إنما مثلي ومثلك كقول الذي قال: إياك أعني واسمعي يا جارة، أردت ألا يكون لأحد علي منطق.
«رأيت اثنتين وأرجو الثالثة»
وأما عن فوزه بدعاء النبي فهذا ما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سليم، فأتته بتمر وسمن. قال: «أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها. فقالت أم سليم: يا رسول الله إن لي خويصة قال: «ماهي ؟» قالت: خادمك أنس. فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به: اللهم ارزقه مالاً وولداً، وبارك له. فإنني لمن أكثر الأنصار مالًا.
وفي رواية عنه، قال: قالت أم سليم: يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له. فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته». وفي أخرى عن الإمام مسلم والترمذي قال: جاءت بي أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام فقالت: يا رسول الله، أنيس ادع الله له. فقال: «اللهم أكثر ماله وولده ، وأدخله الجنّة». قال: فلقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة.
وروى الترمذي عن أبي خِلْدة ، خالد بن دينار، رحمه الله، قال: قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيهما ريحان يجد منه ريح المسك.
ثم تأتي المنية لهذا الصحابي الجليل وعن هذا يحدثنا الذهبي في سيره فيقول «وأما موته: فاختلفوا فيه، قال الأنصاري: اختلف علينا في سن أنس، فقال بعضهم: بلغ مئة وثلاث سنين. وقال بعضهم: بلغ مئة وسبع سنين. فرضى الله عنه وعن الصحابة أجمعين».