أدى التقدم المتسارع في علوم الروبوت والذكاء الاصطناعي في الآونة الأخيرة، إلى زيادة الاعتماد على الروبوتات في أداء مهمات متنوعة في المجالات كافة، لتحل فعلياً محل البشر في وظائف عدة، ولكن ماذا عن التعليم؟ هل يستطيع الروبوت أن يهيمن على ساحة العلم؟ وإلى أي مدى وصلت كفاءته ليصبح معلم المستقبل؟ وما آثاره على مستقبل معلمينا في الميدان التربوي؟ وكيف استعدوا لمواجهته من أجل البقاء على منابر العلم؟أسئلة كثيرة تشغل بال الخبراء والتربويين والمعلمين في الميدان، لاسيما أن قضية إعداد المعلم وتأهيله وتطوير أدائه، تستحوذ على مساحة كبيرة من الاهتمام والتركيز، إذ إن إعداده وتنمية قدراته، باتت من الاحتياجات الرئيسية للمستقبل، وظهور المعلم «الروبوت» مؤخراً، يعد إنذاراً يستنهض طاقات الكوادر التدريسية، ويضع معلمي اليوم في مواجهة جديدة مع الوافد الجديد في ساحة العلم.
يرى خبراء التكنولوجيا، أن الروبوتات الحالية غير مؤهلة، ولا تملك كفاءات كاملة، تمكنها من الهيمنة على وظيفة المعلم، ولكنها قادرة على تعزيز نتائج التعليم، ولديها فرصة كبيرة للمزيد من التطوير والتأهيل للانخراط في مختلف وظائف التعليم، وهذا يعني أن التحدي مازال قائماً أمام معلمي اليوم.
وأكدت قيادات تربوية، أن التطوير يعد أكبر التحديات التي تواجه المعلم الحالي، ومن تتجمّد طرائقه وتصبح روتينية لا يصلح للقيادة والتوجيه في المستقبل، لاسيما أن مستوى تطويره ينعكس على أسلوبه التعليمي، ورغبته في التغيير وتحسين علاقاته وكفاءاته الشاملة.
«الخليج» تناقش مع خبراء وقيادات تربوية ومعلمين، المخاوف التي تهدد مستقبل بقاء المعلمين في الميدان، وكيفية مواكبة المتغيرات الحاصلة في التعليم، والسمات الأساسية الواجب توافرها في معلم المستقبل، لاسيما أن الروبوت يؤهل نفسه للانخراط في العمل في ميادين العلم,
تحدٍّ جديد
«إيمان غالب، ومنى الأحمدي، وريبال غسان العطا، وسارة عبد الله، وإبراهيم القباني»، معلمون ومعلمات اعتبروا أن انخراط الروبوت في العملية التعليمية وقيامه ببعض أدوار المعلم، أبرز التحديات الجديدة التي تفرض على المعلمين التطوير المستدام، لمواكبة سرعة ودقة الوافد الجديد في العملية التعليم، موضحين أن «المعلم الروبوت» ليس ظاهرة وقتية، بل سيأتي يوم وسيكون منافساً قوياً للمعلمين في الميدان.
وأكدوا أهمية تطوير المعلمين لمواكبة المستجدات العالمية في طرائق التدريس واستراتيجياته، إذ إن أكبر تحديات المعلم في الوقت الراهن تكمن في كيفية المحافظة على تطوير مهاراته، في ظل الزحف التكنولوجي، وحتمية مواكبة المتغيرات من أجل البقاء، لاسيما أن التكنولوجيا باتت منافساً قوياً لاستمرارية المعلمين في العملية التعليمية بعد نجاحها في أداء العديد من مهام المعلم.
وطالبوا بالمزيد من التدريب وساحات التأهيل، استنادا إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لتمكين المعلم من إدراك دوره في العملية التعليمية في المستقبل القريب، بحيث يكون قادراً على استخدام تكنولوجيا الواقع الافتراضي، وتقديم محتوى تعليمي مبتكر، لا يستند في مضمونه إلى المناهج فحسب، بل يدخل في نطاقه الطالب فكرياً وعلمياً، من خلال بيئة رقمية يتفاعل فيها المتعلم ليصبحوا جميعاً مؤثرين ومتأثرين في آن واحد.
قدرات الروبوت
وحول ما آلت إليه قدرات الروبوت في مجال التعليم، ومدى كفاءاته ليحل محل المعلم، أثبتت دراسات حديثة، أن الروبوتات يمكن أن تضطلع بدور مهم في تعليم الصغار، ولكنها لا تستطيع أن تحل مكان المدرس البشري بالكامل.
وأكدت أن قدرة الروبوتات الاجتماعية تقتصر على تدريس مجالات علمية ضيقة مثل المفردات اللغوية والأرقام، ولكن مازال لديها قصور في عمليتي الحديث والتفاعل الاجتماعي، لذا لم تتجاوز كفاءته مهام مساعد المعلم.
روبوتات التعليم
وترى التربوية حصة الطنيجي عضو مجلس إدارة جمعية المعلمين، أن الآونة الأخيرة شهدت تطوير روبوتات لغرض التعليم، يمكنها فعليا أن تدرس مختلف المراحل العمرية، للاستفادة منها في المستقبل بدلا من المعلم الحالي، بهدف تخفيف الضغوط على ميزانيات ونفقات التعليم، والدعوات إلى إيجاد نظام تدريس ذاتي، موضحة أن الروبوتات الحالية مؤهلة، لتكون جزءاً من البنية التحتية التعليمية، بحيث تقوم بتوفير الوقت للمعلم للتركيز على الجوانب التعليمية الأساسية مثل تقديم تجربة تعليمية شاملة ومثمرة.
وأفادت الطنيجي بأن إدخال الروبوتات في المناهج التعليمية يمكن أن يشكل تحدياً لوجستياً كبيراً بل وقد ينطوي على بعض المخاطر، حيث يمكن أن يؤدي إلى اعتماد الطلاب بشكل كبير على الروبوتات بدلا من مجرد الاستعانة بخدماتها عند مواجهة صعوبات تعليمية.
التوجه العالمي
في وقفة معها أكدت جوليا جيلارد، رئيسة مجلس إدارة هيئة «الشراكة العالمية من أجل التعليم»، أن العالم ينفق ما يقارب 1.3 تريليون دولار على التعليم المدرسي سنوياً؛ وسيرتفع هذا الرقم ليصل إلى حوالي 3 تريليونات دولار بحلول عام 2030، في وقت يعاني نقص الكوادر التعليمية، والحاجة إلى ملايين المعلمين لسد هذا النقص، فضلاً عن أن التحدي الكبير يتمثل في تدريب المعلمين الحاليين وتأهيلهم.
وترى أن التوجه العالمي في التعليم، يأخذنا إلى الاعتماد على الروبوت في المستقبل القريب، لتوفير كل هذه النفقات، فضلا عن الجودة ودقة الأداء التي يتمتع بها الروبوت، ولكن أكدت أهمية وجود حملات تعليمية على المستوى العالمي، وتوحيد الرؤى والبرامج التدريبية، التي تعنى بتأهيل المعلم وإعداده للمستقبل، وفق المتغيرات والتطورات المتسارعة التي يشهدها التعليم، فضلاً عن أهمية تحويل مشكلة نقص المعلمين إلى حراك عالمي، يحشد الجهود كافة لاستقطاب المعلمين وتأهيلهم وتدريبهم بوسائل جديدة ونظم مطورة.
صمام الأمان
وزارة التربية والتعليم، ترى أن أبرز القضايا التربوية التي تعتبر صمام الأمان للحفاظ على مظاهر تطور التعليم، تلك التي تتعلق بالطاقات والكوادر التربوية التعليمية، وأكبر التحديات أمام القائد في الساحة التعليمية حالياً، تكمن في ضرورة إحداث تطوير في أداء وفكر المعلم، من حيث تغليب الفكر الإبداعي والمنهجي، واستخدام أساليب التعلم الخلّاقة، التي تثري العملية التفاعلية داخل الصف الدراسي.
وتركز جهود الوزارة على بناء معلم واثق ومؤهل، ينظر إلى التغيير بإيجابية، إذ إن المعلم يعد القدوة والمثل الأعلى للطالب، والأقدر على غرس القيم والأفكار الإيجابية والدافعية لدى الطالب، وتعول الوزارة على برنامج تدريب تخصصي مستمر، يسهم في تحقيق احتياجات النظام التعليمي وتوظيف مهارات القرن 21، ويستهدف جميع الفئات في الميدان التربوي، ويمثل خطوة مهمة نحو توفير فرص منهجية للتعليم المستمر للكوادر التعليمية في مختلف التخصصات.
خمسة مرتكزات
الخبير التربوي الدكتور عبد الله مصطفى، يرى أن هناك خمسة مرتكزات مهمة، تشكل مستقبل المعلم، تضم تأهيل المعلم وتدريبه وفق برامج هادفة تواكب في مضمونها المتغيرات والتطورات في مختلف المراحل، وتمكين جميع المعلمين من تكنولوجيا الواقع الافتراضي، وتطوير البيئة التعليمية وفق المتغيرات، وبناء جيل جديد من القيادة المدرسية القادرة على مساندة المعلم في مسيرة بناء الأجيال، فضلاً عن إيجاد استراتيجيات تعليمية متنوعة تحاكي مختلف فئات المتعلمين.
وأكد أنه إذا كان مستوى الذكاء الاصطناعي الحالي للروبوتات يحد من قدراتها على إدراك أقوال الطلاب وأفعالهم بشكل كامل، وكيفية التعامل معهم، إلا أن عملية التطوير مستمرة ولن تتوقف، وهذا يعني أن التحدي مازال قائماً، ويفرض على المعلمين التطوير المستمر في الأداء المهني والتقني لمواجهة الوافد الجديد في مجال التعليم، مع التركيز على ماهية التدريب ومحتواه، وطرائق التأهيل ومرتكزات إعداد المعلمين في المرحلة المقبلة.
دروس بسيطة
طورت الصين مؤخراً، روبوتاً يتكلم الصينية والإنجليزية ويعطي دروساً بسيطة في الرياضيات ويمازح محدثيه، كما يقترح عليهم بعض الألعاب، وجسدته في حجم طفل عُرض أخيراً في شنغهاي كأحد الابتكارات اللافتة القائمة على الذكاء الاصطناعي.
تقليص النفقات
أكد خبراء أن الفرصة كبيرة للروبوت للانخراط في العمل بمجال التعليم، لاسيما أن دول العالم تعاني نقصاً في الكوادر التعليمية، وميادين العلم في حاجة إلى ملايين المعلمين لسد هذا النقص، فضلاً عن أن استخدام الروبوت يسهم في تقليص النفقات الكبيرة للدول على التعليم، مع دقة أدائه وسرعته وقلة تكلفته.