«والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون»، (التوبة: 34، 35).
يروي البخاري بسنده عن زيد بن وهب قال: «مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟، قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله)، قال معاوية رضي الله عنه: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إلي عثمان رضي الله عنه أن أقدم المدينة، فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا عليّ حبشياً لسمعت وأطعت».

«تباً للذهب والفضة»

والمفسرون أيضا مختلفون، فعند بعضهم أنها في أهل الكتاب خاصة، وقال السدي: «هي في أقل أهل القبلة، وقال الضحاك: هي عامة في أهل الكتاب والمسلمين، وقال ابن عباس: يريد من المؤمنين.
وروي أنه لما نزلت: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تباً للذهب والفضة»، قالوا: يا رسول الله فأي المال نكنز؟ قال: «قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة صالحة».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار).
لما نزلت الآية كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا يدع لولده ما لا يبقى بعده، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرضت المواريث من أموال تبقى بعدكم)، قال فكبر عمر، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته).

محامي الفقراء

وكانت لأبي ذر قصة مع هذه الآية، وكان رضي الله عنه زاهدا في الدنيا غير متعلق بها، لا يأخذ منها إلا كما يأخذ المسافر من الزاد، وكان يقول: «قوتي على عهد رسول الله صاع من تمر، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله تعالى»، وكان يروي عن حبيبه صلى الله عليه وسلم فيقول: «أوصاني خليلي بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن من كنز تحت العرش»، وكان علي بن أبي طالب يقول عنه: «لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر، ولا نفسي»، ثم ضرب بيده على صدره.
انتقل أبو ذر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، إلى بادية الشام، فأقام إلى أن توفي أبو بكر وعمر، وولي عثمان، فسكن دمشق.
وظل يحارب اكتناز المال، ويقول: «بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة»، وكان يدافع عن الفقراء، ويطلب من الأغنياء أن يعطوهم حقهم من الزكاة فسمي محامي الفقراء.

مات وحده

جعل أبو ذر ديدنه تحريض الفقراء على مشاركة الأغنياء في أموالهم، فاضطرب هؤلاء، فشكاه معاوية (وكان والياً على الشام) إلى الخليفة عثمان، فاستقدمه عثمان إلى المدينة فقدمها، واستأنف نشر رأيه في تقبيح منع الأغنياء أموالهم عن الفقراء، ويروي الأحنف بن قيس قال: «كنت بالمدينة، فإذا أنا برجل يفر الناس منه حين يرونه، قلت: من أنت؟، قال: أنا أبو ذر صاحب رسول الله، قلت: ما يفر الناس؟، قال: إني أنهاهم عن الكنوز بالذي كان ينهاهم عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وعرض عليه عثمان بن عفان أن يبقى معه ويعطيه ما يريد، فقال له: لا حاجة لي في دنياكم، فأمره عثمان بالذهاب إلى الربذة (من قرى المدينة) فسكنها ولما حضرته الوفاة أوصى امرأته وغلامه فقال: «إذا مت فاغسلاني وكفناني وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولا هذا أبو ذر»، فلما مات فعلا به ذلك، وأتى ركب من أهل الكوفة في عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فقال: ما هذا؟ قيل: جنازة أبي ذر، فأخذ ابن مسعود يبكي، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، «يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» وتولى بنفسه دفن أبي ذر رضي الله عنه.