قال تعالى: « الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون» (سورة البقرة الآية 22).
كلمة «السماء» جاء ذكرها في 120 آية كريمة، وقد أثبت العلم بما لا يقبل الشك أن السماء في معناها العلمي الواقعي هي كل ما يحيط بالأرض من جميع أقطارها، ابتداء من الغلاف الجوي الذي يرتفع بنحو ثلاثمئة كيلو متر فوق سطح الأرض، وكأنه بحر من الهواء حول الكرة الأرضية.
يقول الله عز وجل: « هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم» (سورة البقرة الآية 29).

جاء في تفسير علماء الفلك لهذه الآية أنه يصح أن يراد بالسموات السبع، مدارات الكواكب السيارة التي تدور حول الشمس.. ويصح أن يراد بها الطبقات المختلفة لما يحيط بالأرض؛ ذلك أن الله تعالى بعد أن أكمل تكوين الأرض، ودبت الحياة على سطحها، وجعل حولها أجواء من طبقات، أودع فيها وسائل لوقايتها من أهوال الفضاء الذي يرسل إشعاعات مهلكة، وتتهاوى فيه شهب ونيازك مدمرة. وهذه الطبقات لم تعرف خواصها إلا في العصور الحديثة.
يقول محمد كامل عبد الصمد في كتابه «الإعجاز العلمي في الإسلام»: السماء كانت دخاناً وذلك ما ذكر في قوله تعالى: « ثُمَّ اسْتَوَىٰإِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَهُن َّٰسَبْعَ سَمَوَ ٰاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰفِي كُلِّ سَمَاء ٍأَمْرَهَا جوَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُ ّنْيَا بِمَصَبِيحَٰوَحِفْظًا جذَ ََٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (سورة فصلت الآيتان 11 و12).
القرآن يصرح بأن السماء كانت في بدء خلق الكون دخاناً، والعلم يقرر بعد أبحاثه المضنية في هذا الصدد، بأن مادة الكون بدأت غازاً منتشراً خلال الفضاء بانتظام، وأن السدائم خلقت من تكاثف هذا الغاز.
السماء وزينة الكواكب
أما عن السماء وزينة الكواكب فجاء قوله عز وجل: «إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (سورة الصافات الآية 6). وقد أثبت العلم أن الكواكب السيارة أجرام سماوية غير ملتهبة. وأن هذه الكواكب تحتوى على مقادير هائلة من الصخور والمعادن، كما تحيط بمعظمها أغلفة جوية متباينة التركيب. وهي تعكس ضوء الشمس الساقط عليها، كما تعكس المرايا الضوء، ولكن بدرجات متفاوتة تتوقف على طبيعة سطحها، وتركيب أغلفتها الجوية، فتبدو مضيئة. وهذا ما يخالف الاعتقاد الذي كان سائداً إلى عهد قريب بأن للكواكب إضاءة ذاتية.
وقال تعالى: «وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً» سورة الجن الآية 8. وتعبر هذه الآية الكريمة عن بعض أهوال الفضاء التي اعترضت سبيل رواده من الجن، والتي تعترض سبيل رواده من الإنس. فالفضاء الكوني القريب ليس فراغاً تاماً كما يتبادر إلى الأذهان، ولكنه يفيض بالأسرار والغوامض، وتحفه الأهوال كالشهب التي تسبح في أسراب متتابعة، ويحمينا من شرورها غلاف الأرض الجوى إذ تحترق في أعاليه، ويرى وميضها كالنجوم الهاوية.
وعلى الرغم من أن الفضاء يعج بالشهب فإننا لا نراها إلا إذا دخلت الغلاف الجوى، قال تعالى: «وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون» سورة الأنبياء الآية32. ومعنى الآية أن السماء كالسقف المرفوع، الذي يحفظه الله من الوقوع على الأرض، وهذا ما تقرره النظرة العلمية من أن الغلاف الهوائي بمثابة حائل يحفظ أهل الأرض من كثير من أهوال الفضاء التي لا تستقيم معها الحياة بأي حال مثل الشهب والنيازك والأشعة الكونية.
وفي قوله تعالى: «اقتربت الساعة وانشق القمر» (سورة القمر الآية 1). تقرر الآية أن ذلك يعني انتهاء الحياة الدنيا، وهذا ما يقرره العلم من أن القمر إذا اقترب من الأرض يحدث زلازل عنيفة مدمرة تزداد عنفاً، وتؤدى إلى انتهاء الحياة على سطح الأرض، وباشتداد هذه الزلازل سينتهى الأمر إلى انشقاق القمر، وعندئذ تتأثر جاذبية الأجرام الأخرى التي تمسكها جاذبية القمر، ويكون ذلك إيذاناً حتمياً باختلال بقية الكواكب القريبة فتتهاوى على الأرض.
في غزو الفضاء
يقول الله تعالى: «يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران» (سورة الرحمن الآيات 33-35). وقد يتوهم البعض أن الإنسان قد حقق أعظم إنجاز علمي وعملي بالصعود إلى القمر، وأنه تمكن بفضل مخترعاته وأجهزته من أن يسير فوق سطح القمر، وأن يحضر معه في عودته عينات من صخوره وترابه لتحليلها والتعرف إلى عناصرها.
ويقرر العلم الحديث في هذه القضية أن القمر الذي وصل إليه الإنسان بقوة صواريخه إنما هو جرم صغير تابع للأرض، وكأنما هو ضاحية قريبة من ضواحيها، إذ لا يبعد عنها بأكثر من 240000 كيلومتر فأين هذا البعد من أقطار السماوات التي يبلغ بعد القريب منها عن الأرض ألف سنة ضوئية، مع العلم بأن الضوء يسير بسرعة 300000 كيلومتر في الثانية، فكم من الكيلومترات يقطع الضوء في الدقيقة، ثم في الساعة ثم في اليوم ثم في الشهر ثم في السنة؟.. إنه يقطع في السنة مسافات لا تقدر بأرقامنا الحسابية، وإنما هي أرقام فلكية خيالية!
إن تحدى الخالق عز وجل لمخلوقاته في الاختراق قد جاء باتجاهين: اتجاه أقطار السموات، واتجاه أقطار الأرض. والسموات جاءت في الآية بصيغة الجمع وتلك إشارة علمية دقيقة إلى وجود عدة أكوان سماوية في هذا الكون الواسع الأطراف كما اتضح لاكتشافات الفضاء حديثا. أما الأرض فقد جاءت بصيغة المفرد وهي إشارة واضحة إلى أن الأرض فريدة في تركيبها وصفاتها من بين جميع الكواكب الأخرى.
الضغط الجوى
يقول الله تعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء» (سورة الأنعام الآية 125). وهذه الآية تقرر أن الارتفاع إلى عنان السماء، يصحبه ضيق الصدر والشعور بالاختناق، بسبب نقص الضغط الجوي، وكميات الأكسجين المتناقصة التي تستقبلها الرئتان وهذه الحقيقة ليس من السهل تقريرها عملياً إلا إذا صعد الإنسان فعلاً في الجو.
وكان الناس حتى عهد قريب يظنون أن الهواء يمتد بكامل صفاته إلى أعماق الفضاء. وبعد أن طار الإنسان وحلق على ارتفاعات شاهقة، عرف أن الصعود قدماً في الجو يصحبه حتماً ضيق الصدر حتى يصل المرء إلى حالة الاختناق غير بعيد عن سطح الأرض، نظراً لتناقص كثافة الهواء الجوى، وتناقص كميات الأكسجين اللازم للتنفس تناقصاً سريعاً مع الارتفاع.
ومن جهة أخرى يقول الدكتور داود السعدي في كتابه «أسرار الكون في القرآن»: عن قوله تعالى: «والسماء رفعها ووضع الميزان» (سورة الرحمن الآية 7). إن المقصود بالسماء هنا غلاف الأرض الجوي. وأما قوله سبحانه: «رفعها» فإنه يدل على أنها سميكة، والغرض من ذلك هو حماية الأرض، وهي رحمة أخرى من الله تعالى لعباده، ولقد جاء وصفها في كتاب الله تارة ب«السقف المرفوع» بقوله: «والسقف المرفوع»، وأخرى ب«السقف المحفوظ» بقوله: «وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون» (سورة الأنبياء الآية 32)، ووصفها سبحانه أيضاً بالبناء: «الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء» (سورة غافر الآية 64)، وشبهها العلماء اليوم ب«الدرع الواقية للأرض».

بناء محكم

يوجد بعد الغلاف الجوي فراغ كوني تسبح ملايين الأجرام السماوية في أعماله السحيقة، وهي تتجاذب فيما بينها، وتتحرك في تماسك واتزان في طبقة بعد طبقة، وكأنها البناء المحكم، أو كأنها السقف المبني فوق الأرض.