محمد إسماعيل زاهر

يمكن القول إن رواية «موت صغير» لمحمد حسن علوان الفائزة بجائزة البوكر العربية في دورتها الأخيرة واحدة من أجمل الروايات العربية خلال العقد الأخير، ولا يمكن لقارئ نهم للروايات إلا أن يقول رأيه بهذه الصورة التي تبدو صادمة للكثيرين، إذ يعتبر البعض هذه الصراحة شاذة وربما ساذجة في ساحة نقدية لا يوجد بها إلا اللف والدوران والتنظير الممل، ويعتبرها البعض الآخر مصادرة لحق الآخرين في إبداء رأيهم، لا يمكن لهذا القارئ أن يصل إلى هذا الرأي إلا لقدرة الرواية على توريطك في التهامها سريعاً برغم حجمها الضخم، 600 صفحة، والأهم بقاء الكثير من مشاهدها في مخيلتك، ورغبتك أحياناً في العودة إلى قراءة جمل وفقرات مكتوبة بتلك اللغة الصافية والعذبة.
هناك مفارقة أولية في تلك الرواية تتمثل في مجموعة من العوامل التي ربما تترك انطباعات سلبية عنها قبل البدء في قراءتها. الأحداث تدور حول شخصية مفكر بوزن محيي الدين ابن عربي، أي أنها ستكون فكرية لا محالة، تمتلىء بصخب لا يتناسب مع فن الرواية، وهو صخب نجده كثيراً في قوس ممتد بين عشرات الأعمال التي تنتمي إلى هذه النوعية من الروايات، بدءاً من الرواية التاريخية وحتى ما أطلق عليه أحياناً «رواية المثقفين»، والأكثر مدعاة للقلق تلك الموضة/ التقنية الفاشلة المستخدمة في «زمن الرواية» ونعني بها توظيف الروائي لفكرة المخطوط، بكل ما تمثله من إثارة لقراء الكثير من الحواديت الصادرة في السنوات الأخيرة تحت عنوان «رواية»، بما يشعرك بأنك للوهلة الأولى أنك ستنخرط في رواية مؤدلجة، تتورط في الأفكار والنقاشات والجدل، أو تتباكى على تراث شهد فضاء من الحريات لا يتسع له واقع ثقافتنا المأزوم، وسينتابك ثانياً شعور آخر بأنك أمام رواية ممتلئة بنصوص ابن عربي الصعبة في «فصوص الحكم»، أو «الفتوحات المكية».. إلخ، كل هذا الخواطر تتوارد على ذهنك وأنت مقبل على هذه الرواية، ثم تسأل نفسك أيضاً ماذا سيكتب الروائي غير ذلك؟ خاصة أن حياة ابن عربي لم تشهد تلك التقلبات المأساوية التي ألهمت الكثيرون للكتابة عن الحلاج في الماضي القريب، وجلال الدين الرومي في الحاضر، وتبقى مسألة شكلية تحفز مشاعرك السلبية تجاه الرواية، وتتمثل في عبارة مكتوبة على غلاف الطبعة الرابعة الصادرة عن دار الساقي، تقول عن علوان: «مؤلف القندس الفائزة بجائزة الرواية العربية 2015»، وهي معلومة خاطئة ربما تجعلك تضع الرواية جانباً، فغلاف لا يحترم القارئ هو بالتأكيد عتبة كاذبة لرواية رديئة.

بين مشهدين

عندما تشرع في الصفحة الأولى ستجد محيي الدين ابن عربي يبدأ في كتابة مخطوط الرواية الذي سيقوم برحلة موازية لرحلة ابن عربي نفسه، أما الفاتحة اللافتة فبمقولة ابن عربي «كانت الأرحام أوطاننا فاغتربنا عنها بالولادة»، ثم يقول الراوي علوان/ ابن عربي:«أعطاني الله برزخين: برزخ قبل ولادتي، وآخر بعد مماتي. في الأول رأيت أمي وهي تلدني، وفي الثاني رأيت ابني وهو يدفنني»، ولن تستطيع رفع عينك عن الرواية إلا في النهاية عندما يحكي الشيخ الأكبر عن مشاهداته وهو محمول في نعشه لزوجته الثالثة، وهي تبكي ترملها وابنه سعد الدين «يرتجف مثل عصفور في ليلة مطر»، وتابعه أو مريده سودكين يطلق «صرخة حارقة».
وبين مشهد الاغتراب في العالم عن الرحم/ الوطن في البرزخ الأول، ومشهد الشيخ السبعيني الذي يعمل في أحد البساتين ليوفر قوت يومه لعياله، ويموت ويصف لك برزخه الثاني، يلمح القارئ النهم للرواية عدة ملاحظات، الأولى ذلك المفتتح أو العتبة التي نجح من خلالها علوان في توريطك في القراءة، من دون أن يجعلك تندم في أي جزء من السرد بذلك التوريط، فالكثير من الروايات/ الحواديت الراهنة تبدأ بمفتتح أخّاذ ثم لا يعرف الروائي ماذا يفعل بعد ذلك إلا الحكي والصراخ.

الملاحظة الثانية تتمثل في الرسالة أو الهدف الذي تتوقعه من تلك الرواية، خاصة إذا استحضرت ذلك الضجيج المزعج الذي يصدع الرؤوس، خلال السنوات الماضية بقدرة التصوف على إشاعة الحب والخروج من واقع معاصر تهيمن عليه قوى التشدد التي ترسم صورة لإسلام لا يعرف المحبة أو قبول الآخر، هنا يتماس علوان مع هذا الهدف من بعيد، أو يصل برسالته إليك من خلال «الخفي في الجلي» بلغة ابن عربي أو المسكوت عنه بين السطور، حيث تختفي من الرواية تلك النبرة الزاعقة التي تحيط بحواسك كلها وأنت تقرأ مثلا «أربعون قاعدة للحب» للتركية أليف شافاك والتي تجدها تصرخ في كل صفحة قائلة «التصوف هو الحب»، و«لا خلاص إلا في التصوف». علوان لا يفعل ذلك، فالحب في روايته ينساب بأسلوب ذكي، وعبر سارد يمتلك أدواته ويفهم ماذا يريد، وماذا يكتب؟

لا تناقضات مفتعلة

الرواية لا تعتمد على الحدوتة «بمفهومها السخيف»، بل وسنستبق الأحداث لنقول إن علوان نجح في «صناعة» رواية تكاد تخلو من التناقضات المنتجة ل «الصراع» العنيف بمستوياته كافة وبمساراته المختلفة، وهو صراع يتوقعه المقبل على قراءة الرواية، فعلوان يهندس معماره الروائي ويرسم ملامح لابن عربي كأي شخص عادي يعيش بيننا، وهنا ينجح في استعادة تقاليد روائية تفتقدها العشرات من الروايات الراهنة، التي تعتمد على «بهارات» الحدوتة بمعناها المسطح، والصراع الموتر للقارئ، الذي يحاصره من الجهات كافة.
لقد كانت الرواية كلها ترجمة لمقولة ابن عربي: «طريق الحق مستقيم الاستدارة»، في تلك الدائرة المستقيمة، إن جاز التعبير، لا صراع بين ابن رشد وابن عربي، والفقهاء الذين عزلوا الأول وأوغروا صدر الخليفة عليه أو طردوا الثاني من مدن ومجالس يمر عليهم الروائي بذكاء من دون بكاء كان «من المفترض» أن يورط فيه ابن عربي، في الرواية لا جدل بين الوحي والعقل والقلب، أو صراع بين البيان والبرهان والعرفان، بتعبيرات محمد عابد الجابري، ولا قوانين حاكمة فكل شيء مرهون بإرادة الله، لا نقمة على السلطة، فالسلطان الموحدي الذي يعزل ابن رشد يختفي ليقابله ابن عربي لاحقاً يعيش متصوفاً في أحد كهوف صحارى الأردن، والملك الأيوبي يوصي بدفنه في الصحراء بأسلوب بسيط ومتقشف، ولا صور منفرة للفقهاء الذين أفتوا سلبيا تجاه آراء ابن عربي، ولا تغليب لطريق على طريق، فالطريق إلى الله «بعدد أنفاس الخلائق»، هي دائرة تستوعب الجميع، لا إقصاء لأحد، أو الاعتقاد أن هناك رؤية أفضل من رؤية أو فكرة أصوب من أخرى، فالمعرفة في حالة سيولة دائمة أو شك وقلق مستمرين «الكون كله شبهة فأنت لا تعرف منه إلا أنت».

حتى شخصية ابن عربي لا نلمح بداخلها أي نوع من الصراع الزاعق، لا قلق تجاه انخراطه بقوة في التصوف، لا توجد معاناة تؤرقه، وتوترنا معه، يتزوج نتيجة لرؤى، يرتحل بين المغرب والأندلس ومصر وبلاد الشام وتركيا لرؤى مماثلة، حتى إنه يستقر في دمشق لمعرفته القلبية بأنه سيموت ويدفن فيها، يحب في مكة نظاماً بقوة، ولا يعرف لماذا ترفض الزواج به؟ حتى تخبره بعد سنوات أنها وتده الثاني ولا يجوز لها الاقتران به، وعندما يتزوج مرة ثانية أرملة أحد المجاهدين وينجب منها ثم يتضح أن زوجها على قيد الحياة، يخيرها بين البقاء معه أو العودة لزوجها الأول، وفي النهاية عندما يختلف مع قاضي دمشق ويوغر عليه قلب السلطان فتتوقف أعطياته والإنفاق على الخانقاه لا يتورع عن العمل الشاق وهو في السبعين، يعمل برضا ويستقبل الموت بسعادة، أي أن الصراع في هذه الرواية خفي، والإيديولوجيا مقنعة وعصيّة على الإمساك.
الحب في الرواية دائري، لا نهاية له ولا يمكن الإمساك به، حالة دائمة لا تتوقف فكل «شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه»، وقلب ابن عربي لا يسكن ولا يعنى إلا بذاته، نشعر بأنه مراقب للعالم وتقلباته، مهجوس بما هو أكبر منه، هو العالم الأصغر الذي يعكس إرادة العالم الأكبر، ولا يحاول فهمها بل التسليم المطلق لحكمتها الخفية حتى عندما يقابل أوتاده الأربعة، بعد بحث مضنٍ عنهم، وكلما يفشل في اللقاء بأحدهم، يستعيد مقولة مربيته «طهر قلبك»، وكان بإمكان روائي آخر أن يتورط في حوار يمتد لعشرات الصفحات بين ابن عربي وشمس الدين التبريزي، ولكن علوان تجنب ذلك بذكاء، وهو ما فعله أيضاً في لقاءين جمعا ابن عربي وابن رشد.
إذاً، الرواية متخففة من عبء الإيديولوجيا، فلا حوارات مطولة حول تناقض مفتعل بين العقل والقلب، أو العقل والوحي، ولا دفاع جاهزاً عن شطحات الصوفية، حتى إنه يسرد كشوفات ابن عربي بلغة تقريرية سريعة وبسيطة، ولا سرد لرموز الصوفية وإشاراتهم وتحولاتهم، مع الأخذ في الاعتبار بتلك الشروحات المستفيضة للغة ابن عربي الإشكالية، بل هناك دراسات وكتب مخصصة في ذلك، وحتى مفردة الحب لم يتورط علوان في استبدالها بعشرات من الكلمات الدالة عليها في قاموس التصوف، هو يكتفي بالحب أو العشق أو الشوق، والحب كمفهوم وكممارسة في تلك الرواية، حب ناعم يتسلل إلى داخلك ببطء، ولكن بقوة إذا وضعت الرواية جانباً وتأملت، ولا وجود لشخصيات متجهمة ومغلقة العقل في الرواية، أي لا يوجد نقيض يؤسس لصراع عنيف.
هذه المعطيات تؤسس لشخصية ابن عربي الروائية وكأنه أحد الجيران أو الأصدقاء، يعيش بيننا ويتكلم ويعلق على ما يحدث له من منطق «الخفي في الجلي»، وحتى لا توجد مصفوفة بقراءات ابن عربي التي أهلته لتلك المكانة، أي لا توجد تنظيرات وسفسطة، ولا تورط في حالاته وهو يعاني الكتابة، وحتى أسماء كتبه مسرودة بشكل عابر، وأفكاره المطروحة فيها تشكل خلفية باهتة في الأحداث.

لغة آسرة

ما يجعلك تشعر أيضاً أن ابن عربي يعيش الآن وهنا تلك اللغة النثرية البسيطة والشفافة والآسرة، والتي تقرب إليك لغة ابن عربي بأسلوب عصري، وذلك من دون الوقوع في فخ الشعرية، ولا تحيل ذهنك إلى ذلك الحديث الممل والمخادع الذي يملأ الساحة النقدية، والذي نسمعه كثيراً عند الإشادة بلغة رواية ما ووصفها بالشعرية، وكأننا نتوقع مسبقاً أن لغة السرد/ النثر أصبحت رديئة ومنفرة.
ولا أدري لماذا ذكرتني تلك الرواية ب «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ، فإذا كان أديب نوبل قد استطاع أن يصنع من موظف عادي بطلاً ملحمياً، تقاطع مع فاوست جوته، وجريجور سامسا لكافكا وفق قراءة لجورج طرابيشي، فإن علوان أبدع الشخصية العكسية، حيث أخرج ابن عربي من خانقاه الصوفية وجعله يتحدث إليك ليس عن الحب وحسب، وإن كان هذا هدف الرواية النهائي، وإنما عن ضعفه الإنساني وأخطائه تجاه الكثيرين من المحيطين به.

تتجلى بساطة هذه الرواية مرة أخرى في تجنبها لملمح يفتعله البعض أحياناً لإبراز عضلاتهم المعرفية، ونعني بذلك موضة حوار الثقافات أو الحضارات، ففي كثير من الأعمال المماثلة تجد أمامك كاتب يبالغ في رسم ملامح للمدن التاريخية، ويحشد كل ما يستطيعه لتصوير مناخ العصر الذي تدور فيه روايته، يقتحمك بفضاء كوزموبوليتاني، ويعصر ذهنه في حوارات ومشاهد تؤكد قدرة البطل/ المفكر/ المتصوف على استيعاب الجميع، لقد قرأنا روايات كثيرة من هذه النوعية التي يقع مؤلفها أسيراً لمكان أحداثه.
علوان يتماس أيضاً مع هذه المسألة برفق، فبخلاف عدة مشاهد عن تعرف ابن عربي في مرسية الأندلسية إلى جماعة تتكون من أديان وجنسيات مختلفة، وبخلاف صور سريعة عن الشوارع والأسواق والعملات، ندرك أن المكان في رواية علوان «زمان متجمد»، تحرر الروائي منه عبر استثمار المقطع الثاني من مقولة ابن عربي «الزمان مكان سائل»، من خلال شعور ينجح في نقله للقارئ بإحساس ابن عربي العميق بندوب الزمان في روحه، وتنقلاته التي تشعرك بالأسى من الأربعين إلى السبعين، ومراجعاته لقصص الحب التي خاضها ومواقفه تجاه الحكام، وتتأكد الفكرة نفسها من خلال تقنية المخطوط. المكان في هذه الرواية عابر، أما الزمان ففي حالة تحول مستمر.

سقطة وفكرة مسطحة

لا يمكن لقراءة موضوعية أن تترك «موت صغير» من دون الإشارة إلى فكرة المخطوط والتي تعتبر أضعف ما في الرواية، فحكاية ابن عربي المكتوبة في مخطوط قديم يتناقله محبو الشيخ الأكبر منذ حفظه تلميذه سودكين في حلب في عام 1248، وحتى تلك الأستاذة الجامعية القادمة من فرنسا لشراء المخطوط من شاب سوري في بيروت في عام 2012، لم تضف أي جمالية للمعمار الروائي.

إن هذه الفكرة تود التأكيد أولاً أن أفكار ابن عربي عابرة للزمان، وأن ما تحمله من مضامين يتجاوز تلك اللحظات المصيرية الحرجة التي مر بها المخطوط، والذي استطاع البقاء في عصر تيمور لنك، وفي عصر السلاطين العثمانيين، ونجا من مذبحة حماة في عام 1982، وإن كانت تلك التقنية تسعى لقول كل هذه الأفكار، فإنها أخذت من روح الرواية، فالأفكار التي ضمنها علوان روايته بين السطور«الخفي في الجلي»، تبدو أحياناً فجة وزاعقة من خلال سيرة المخطوط، فالحب قيمة لا تحتاج إلى هامش من الكراهية لنعرف أهميتها.
أما سقطة هذه الرواية فتتمثل في فكرة مسطحة تسعي إلى دغدغة مشاعر القارئ المسلم، أو ربما موجهة إلى الآخر الغربي، ونعني بها إشهار هذه الأستاذة لإسلامها بعد مناقشة أطروحتها الجامعية في السوربون عن ابن عربي، ويبدو ذلك المشهد غريباً عن روح السرد «أذكر جيداً ذلك الصباح الذي ناقشت فيه أطروحتي في السوربون. صباح خريفي أبرد مما توقعت، تحدثت فيه أربع ساعات متواصلة أمام سبعة محكمين فرنسيين عن الرمز والنزعة العدمية في فكر ابن عربي....ثم أدهشتهم جميعاً عندما فجرت أمامهم مفاجأتي الكبرى فور منحي الدكتوراه: أعلنت أمامهم أني أسلمت»، ثم لا يلبث المؤلف أن يحدثنا عن سبب إسلام هذه الأستاذة والتي وجدت مؤثرات مسيحية قوية في التصوف الإسلامي، جعلها تعتنق الدين الحنيف، هنا يتحول الفن الروائي إلى رسالة فجة وجدلية ودعائية ومستفزة، لم تكن هذه الرواية لتخسر أي شيء لو خلت من فكرة المخطوط، أو لم تخاطبنا مباشرة ببلاهة عن علاقة التصوف بالإسلام والمسيحية، أو تعلن بزعيق إسلام تلك الأستاذة.
وبرغم تلك السقطة، فالرواية خلابة تحتاج إلى أكثر من قراءة، وتستحق أكثر من جائزة.