هل تتخيل أن كل إنسان منا يعاني شكلاً من أشكال التوحد، لكن بدرجات متفاوتة؟ كانت هذه الحقيقة هي الصدمة التي تلقتها أسرة تشيسترمان البريطانية عندما ذهبت لاستشارة اختصاصي نفسي بشأن حالة ابنتها سارة التي كانت متوسطة القدرات بمختلف مراحلها الدراسية إلى أن أبدت اهتمامها عند سن الحادية عشرة بمسرحيات شكسبير وقصائده المعقدة لتبدأ بعدها رحلة التفوق والنبوغ المدرسي، حيث أنهت دراستها الثانوية متفوقة على جميع أصدقائها .
لكن الغريب أن الأسرة لاحظت ميل ابنتها للانطواء، والعزلة، وفقدانها صديقاتها واحدة تلو الأخرى، وعندما قصدوا استشارة الطبيب اخبرهم بأن ذكاء ابنتهم ونبوغها المفاجىء ما هو إلا حالة من حالات التوحد المعروفة بمتلازمة آسبرجر .
وقبل التعرف على حالة سارة، يكون من المفيد التعرف على الحالة التي سميت بهذا الاسم نسبة إلى طبيب الأطفال النمساوي هانس آسبرجر (1906 - 1980) وهو مكتشف المتلازمة الذي لاحظ أن هناك بعض الأطفال الذين يتمتعون بذكاء ملحوظ، لكن بالمقابل لديهم صعوبات في تبادل المشاعر وتكوين الصداقات والتكلم باستطراد من دون الرغبة في الحوار المتبادل . وقد أطلق هانس على هذه النوعية من الأطفال اسم البروفيسور الصغير .
وكان لدى هانس قناعة تامة بأن هؤلاء الأولاد سوف يستخدمون مواهبهم الخاصة في رشدهم، وكان ذلك صحيحا، وأكبر دليل على ذلك هو العالم فريتزف الذي كان يعاني من المتلازمة وأصبح بروفيسورا في الفلك واستطاع تصحيح خطأ في أحد أعمال نيوتن .
وأكدت نظريات هانس أن هذه المتلازمة هي نوع من أنواع التوحد، لكن المصابين بها عكس المتوحدين، لذا تم تصنيفها على أنها متلازمة وليست إعاقة (على الرغم من أنها قد تتسبب في إعاقات اجتماعية) . لذا، فإن متلازمة آسبرجر في كثير من الأحيان لا تعدو أن تكون نمطا من أنماط الشخصية يقع بين العاديين والمتوحدين . ويعتقد أن واحداً على الأقل من بين كل 100 شخص يكون آسبرجري . ومن بين المشاهير الذين كانوا مصابين بهذه المتلازمة: ليوناردوا دافنشي وإسحاق نيوتن وألبرت اينشتاين وتوماس جيفرسون وتوماس أديسون وبيتهوفن وموتسارت وبيل جيتس .
ويعتقد الناس أن الشخص الأسبرجري غامض التفكير، أو مستحيل فهمه، لكنه في الوقت ذاته هادئ وذو شخصية جذابة، عبقري لكنه يبدو كالأحمق، صعب إرضاؤه وصعب التعايش معه، غريب الأطوار ومزاجي .
ويجب التأكيد على أن الأشخاص الأسبرجريين يعانون من صعوبات نظرا لتركيبة المخ المختلفة عن الأشخاص العاديين، مع العلم بأنهم في الغالب لا يكونون على دراية ووعي بإصابتهم بالمتلازمة، لكنهم من الذكاء لابتداع طرق للتأقلم مع هذه الصعوبات .
واللافت في حالة سارة تشيسترمان ان والديها أصيبا بالدهشة بعد ان عرضت صحيفة الديلي ميل البريطانية حالتها حيث فوجئا بحالة ابنتهما .
وقالت والدتها جاين التي تعمل مستشارة مالية لقد صدمنا تماما عندما تعرفنا على حالة ابنتنا، إنها متفوقة وذكية، لكن الشكوك بدأت تثار لدينا عندما أصبحت تمضي أوقاتا أطول بمفردها تستذكر، وعرفنا من الاختصاصي النفسي أن ما تمر به هو أحد الأعراض الطبيعية للمتلازمة التي يفضل فيها الشخص قضاء أوقات بمفرده بعيدا عن محيطه الاجتماعي، وفي مثل هذه الاوقات فانه يفقد قدراته على التواصل مع الآخرين، لا يفهم النكات، ويجد الأشخاص الآخرين محيرين، ولذلك فانهم يفضلون الانسحاب للبقاء بمفردهم . وقد قدم الطبيب شرحا مفصلا لأسرة سارة عن الصعوبات التي تواجهها ابنتهم، بعد تزايد شكواهم من المشاكل التي تتعرض لها أثناء دراستها التي تتطلب تشكيل مجموعات عمل للذهاب إلى المعمل أو كتابة دراسة أو ورقة بحثية عن شيء ما، لكنها تفضل دوما أن تقوم بذلك بمفردها .
وعلى الرغم من تميزها في إنجاز ما يعهد لها، إلا أن مدرسيها فضلوا لفت انتباه أسرتها إلى خلل ما تعانيه سارة، خاصة مع معاناتهم بإقناعها بالانضمام إلى إحدى الفرق الجماعية للعب كرة السلة، فقد كانت تفضل أداء كل شيء بمفردها، وبالفعل جاء تحليل الطبيب مطابقا لحد كبير في شرح الصعوبات التي تعانيها خاصة عندما قال لأسرتها إنها لا تشعر بالاستمتاع بصحبة الناس، وغير قادرة على تكوين علاقات صداقة تستمر لمدة طويلة، كما أنها رغم ذكائها لا تستطيع فهم المعاني المخفية بين السطور مثل الإيماءات، أو تعابير الوجه والجسم، أو التورية في الكلام .
وأشار الطبيب كذلك إلى أن تفكير سارة مثل كل المصابين بالأسبرجر، اذ انه يكون تفكيرا منطقيا أكثر منه عاطفي، وتكون متزمتة باختياراتها، كما أنها تحب الروتين، ولديها طقوس لعمل شيء محدد ولا تحب أن تغيرها، وعلى سبيل المثال، هناك بعض المصابين يحبون تناول الطعام نفسه كل يوم، أو أن يسلكوا الطريق نفسه كل يوم للوصول إلى المدرسة، كما انه من الممكن تعرضها لكدمات مختلفة نتيجة عدم وعيها بمحيطها، كأن تضرب بأطرافها بعض الأثاث بالمنزل من دون قصد وهو ما أكدته والدتها بالفعل لأن هناك جزءا مفتقدا في المخ يتحكم في الوعي بالمحيط .
اما والد سارة مالكوم (48 عاما) فقال بعد عرض حالة ابنته في الصحيفة اصابني خوف حقيقي على مستقبل ابنتي، خاصة بعد أن عرفنا أن المتلازمة وراثية، وليست مكتسبة، وبالفعل شخصت حالة شقيقها قبل ذلك بعدة سنوات على انه توحد بعد معاناته من عدم القدرة على النطق حتى بلغ الخامسة . كما رجح الأطباء بانني أنا ووالدتها ربما نعاني بدرجة أو بأخرى من المرض، لذا كان لا بد من التدخل سريعا، لأن المتلازمة عكس المرض ليس لها علاج، وكل ما يمكن أن يقدم هو علاج سلوكي فقط، خاصة إذا تطورت حالتها إلى نوع من الوسواس القهري .
وبالفعل خضع الوالدان لبعض الاختبارات التي جاءت ايجابية لتثبت إصابتهما بنوع من التوحد، وان لم يكن بشكل واضح حاد مثل ابنائهما، لتعتبر هذه الحالة نادرة للغاية، ولم يتم بعد التعرف على أسبابها التي يرجح الأطباء إنها جينية وراثية .
وعلقت لويز كوربت من الجمعية الوطنية البريطانية للتوحد على قصة العائلة قائلة بالتأكيد إنها حالة نادرة للغاية، لكننا عموما ننصح الآباء والأمهات في المرحلة العمرية مابين ال30 إلى 50 والتي شخصت حالة احد أبنائهم على أنها توحد بضرورة إجراء الاختبارات اللازمة للتأكد من عدم معاناتهم من المرض، خاصة وانه من الطبيعي أن يكون احد الوالدين مصابا بأي شكل من التوحد دون أن يدرك ذلك .
وأضافت لويز: أما بخصوص حالة سارة، فكل أعراضها طبيعية بالنسبة لمن يعانون من متلازمة أسبرجر، وأرغب في طمأنة أسرتها وكل الأشخاص الذين لديهم نفس الحالة، فعلى الرغم من انه مرض بحقيقة الأمر إلا أن له بعض الجوانب الإيجابية، فالمصابون به يمتازون بقدرتهم على التفكير المستقل، وعدم انسياقهم وراء التفسيرات المسبقة والحلول الجاهزة، وهذا معناه إعمال مزيد من العقل والبحث عن المنطق في ما يدور حولهم، وقد أثبتت الدراسات الحديثة التي أجراها معهد بحوث التوحد بجامعة كمبريدج أن ثلثي المصابين بالمتلازمة يمكن تصنيفهم بخانة العباقرة .
اما الطبيبة جوديث جولد الاستشارية النفسية فقالت: نلاحظ أن معظم الأشخاص الناجحين جدا في أعمالهم، يعانون من الأسبرجر، لديهم دوما روح خلاقة، ونظرة مختلفة للمشاكل المحيطة بهم، لكنهم يعانون من ضعف أو انعدام قدرتهم على التواصل الاجتماعي مع الآخرين، فالموظفون منهم مثلا لا يتقبلون فكرة اجتماع مباشر مع الرؤساء، وهو احدى وسائل التقييم وإعادة التوجيهات الحديثة التي تعتمد عليها معظم الشركات والمؤسسات الكبرى، كما ينعكس ذلك أيضا على العلاقات الاجتماعية، حيث صادفتنا بعض الحالات التي تعاني فيها الزوجة من عدم قدرتها على التواصل مع زوجها الذي لا يفهم احتياجاتها على الرغم من ذكائه ومركزه المرموق، ليكشف التشخيص الأولي لحالته معاناته من الأسبرجر .
وتضيف جولد إذا لم يتم تشخيص الحالة بدقة والتعامل معها قبل الوصول إلى مرحلة المراهقة، فقد يتسبب ذلك بمشاكل حقيقية بمراحل عمرية أكثر تقدما، إذ من المتوقع أن تؤدي إلى حالة العزلة، إلى الوصول لحالة من الاكتئاب، الذى يزيد بمراحل سنية متأخرة إلى مشاكل عقلية .
وعلقت جين والدة سارة قائلة بدأت الآن اعرف ما كنت أعانيه حتى وصلت إلى سن الرابعة عشرة، لكنني لم أذهب إلى طبيب ولم اعرف ما إذا كنت أعاني مرضاً أم لا، حتى وصلت إلى الحادية والعشرين وكان زوجي هو الوحيد الذي قابلته يفكر بنفس طريقتي، وله نفس رؤيتي، لا نرغب في الخروج من المنزل، لا نكترث كيف نبدو في أعين الآخرين، وقد عرفت مؤخرا السر، فكلانا مصاب بالتوحد، وكم كنت أتمنى أن نصل إلى تشخيص مبكر لحالتينا، فقد كنا سنجعل الحياة أفضل، لكن وعلى الرغم من هذه المعاناة لانزال نمتلك أسرة محبة، ووظائف جيدة .
وهناك حالة أخرى لشخص ناجح يدعى أيان روبرتس (50 عاما) يعمل مدرسا لعلم الاجتماع، تحدث قائلا: عندما تم تشخيص حالة ابني جاريث (23 عاما) على انه توحد، أدركت على الفور أنني أيضا لدي نفس الحالة، لم يكن لدي أبدا القدرة على قراءة وجوه الآخرين، أو معرفة حالتهم المزاجية، وهذا جعل الكثيرين يعتقدون أنني شخص وقح، ولم تكن لدي القدرة على استيعاب هذه النظرة، أو فهم مغزاها، حتى مع زوجتي التي طلبت مني يوما زراعة ثمار الطماطم بحديقة المنزل لأحضر لها كتابا خاصاً بالزراعة بدل من البذور، فكل شيء يجب أن يسير وفق المنطق وخطوات واضحة، لكنني بدأت تلقي علاج خاص، بكيفية التعامل مع الآخرين، تعلمت كيفية النظر إلى الآخر عندما أتحدث معه، وان استمع إلى الآخر وأتوقف عن التحدث بمفردي، وعلى الرغم من الصعوبة الكبيرة التي أمر بها، إلا أنني مصر على استكمال العلاج الذي بدأته متأخراً.