كان البرازيلي أوجستو بوال مؤسس مسرح المقهورين يقدم في البداية مسرحاً تحريضياً . وذات يوم وبينما كان يقدم عرضاً مسرحياً للفلاحين في قرية حيث يكثر الإقطاعيون الذين يستولون على أراضي الفلاحين قهراً، وكان الممثلون في المعرض يحملون بنادقهم مرددين: فلنسكب دماءنا دفاعاً عن أرضنا، وعقب العرض تقدم فلاح متحمس من أوجستو بوال وأبدى سعادته لأن ثمة أشخاصاً في المدينة يشعرون بمعاناتهم وعلى استعداد لمساندتهم، ثم عرض على أوجستو بوال أن ينضم فريق العمل ببنادقهم إليهم مساء ليذهبوا إلى تحرير أرض زميل لهم استولى عليها إقطاعي .
هنا كان لزاماً على بوال أن يشرح للفلاح أن تلك البنادق ليست حقيقية وأنها غير معدة لإطلاق الرصاص، وهنا تعجب الفلاح من الكيفية التي طرح بها الممثلون فكرة سكب الدماء، في حين أن بنادقهم غير حقيقية وتشكك في مدى صدقهم وقصد ما يدعون، لكن بوال أكد له نحن حقيقيون لكن بنادقنا مزيفة، وهنا وضع الفلاح بوال في مأزق حقيقي حين أخبره بأنه لا حاجة لنا لبنادقكم، أنتم أشخاص حقيقيون ونحن لدينا ما يكفي من البنادق، إذاً سنحرر معاً أرض زميلنا، هنا لم يملك بوال إلا أن يدرك تلك الازدواجية الكامنة في الفن والفنان حين يحرض على ما لا يستطيع فعله، ومن هنا جاء عمله على منهج يجعل من صاحب المشكلة فاعلاً حقيقياً في العرض المسرحي، هذا الفاعل يملك بندقيته الحقيقية التي يستطيع أن يطلق منها رصاصاً حقيقياً .
في هذه اللحظة التاريخية المفارقة في تاريخ وطننا مصر وفي تاريخ الوطن العربي التي تمثلت في ما يسمى بالربيع العربي: هل لنا أن نتساءل إلى أي مدى أسهم المسرح في تكوين هذا الوعي المفارق الذي أنتج ثورات هذا الوطن؟
انتبه النظام إلى خطورة المسرح القائم على خلق حالة من الجدل والحوار حول كل القضايا والإشكالات الاجتماعية والسياسية، هذا الجدل الطازج: حيث يصيِغ الفنان رؤيته في اللحظة المبدعة ذاتها التي يصِيغ فيها المتلقي قراءته . ومن تلك الفروق البينية ما بين رؤية المبدع وقراءة المتلقي يأتي الجدل ليراكم وعي المبدع والمتلقي الذي هو الآخر مبدع على نحو ما، هذا الوعي الذي طالما كان يخشاه النظام، ومن هنا عمد عمداً إلى تهميش المسرح خاصة بعد أن بدأ المسرح المصري بعد نكسة 1967 يتحول عن المسار الذي رسم له سلفاً كداعم لمبادئ ثورة 23 يوليو، إلى راصد لمناحي الفساد التي أدت بنا إلى النكسة، فبدأت عملية تهميش ممنهجة لتقليل فعالية هذا الفن وعزله عن جمهوره وكان مشروع مسرح التلفزيون أحد آليات نزع الدسم المسرحي . . وتحويل الفن المسرحي إلى مفهوم سياحي ترفيهي تجاري رغم أن تجارب مسرح التلفزيون لم تخلُ من بعض التجارب المسرحية المهمة . . وبمنهجية واضحة للعيان استخدمت المؤسسة الرسمية كل الآليات التي من شأنها تسطيح الفن المسرحي وتهميشه والمصادرة على دوره الأساس كساحة جدل وحوار خلاقة بتخفيض ميزانياته وتحويل الفنان إلى موظف، بإنشاء عدد من الفرق التابعة للدولة وتوظيف الفنانين، وهو ما يجعل الأمر مختلطاً على الفنان ما بين واجبه كفنان عليه أن يشعر بنبض الشارع ويكون لسان حاله، ووضعيته كموظف في الدولة يحصل على راتب إعاشته منها وعليه أن يلتزم برؤية وخطاب المؤسسة الرسمية .
بالرغم من الصورة السابقة كانت تظهر بين الحين والآخر عروض تخلخل الوعي وتعيدنا إلى الدور الجمالي والفكري الحقيقي للمسرح، فعلى سبيل المثال كان العرض المسرحي البعض يأكلونها والعة في السبعينات من القرن الماضي عن نص الكاتب الراحل نبيل بدران وإخراج هاني مطاوع الذي عرض في الجامعة وكان على مستوى التأثير الجماهيري الأكثر تأجيجاً للحركة الطلابية وقتها، حتى إنه صار مفرقاً تاريخياً يؤرخ به بالجامعة فيقال ما قبل الوالعة وما بعد الوالعة، كما أنه فنياً، وحسب رأي العديد من النقاد، يعد تدشيناً لما سمي بمسرح الكباريه السياسي . ومن بعده تبارى المخرجون في تقديم سيل من الأعمال المماثلة بغزارة مثل كلام فارغ، عالم علي بابا، باي باي عرب، عفواً أيها الأجداد علينا السلام، جحا باع حماره، كاسك يا وطن، العسل عسل والبصل بصل، اللعبة، مساء الخير يا مصر، لامؤاخذة يا مستر ريختر، وغيرها .
لم يقتصر إسهام المسرح في بناء الوعي على تلك العروض المتناثرة، ولكن ثمة أحداثاً تتعلق بالمسرح ساعدت على نحو كبير في بلورة هذا الوعي المفارق مثل مهرجان المسرح التجريبي الذي عرّف الفنانين والجمهور بالعديد من التيارات المسرحية الحديثة على رأسها مسرح التعبير الجسدي، مسرح الشمس، مسرح المقهورين . . كما أثر المسرح التجريبي في لغة النقاد حيث واجهوا عروضاً مسرحية غير تقليدية لم يتمكنوا من تحليلها باللغة النقدية التقليدية، وهو ما طوّر لغة النقد المسرحي ومناهجها، بل وواجهوا عروضاً إشكالية تكسر التابوهات وكم أربك هذا الكسر وعي المتلقين حيث فتح للحوار قضايا إشكالية عن ماهية الفن والفكر وحدود التجريب .
ظهر في أواخر الثمانينات من القرن الماضي تيار مسرحي خلخل المنظومة المسرحية وطرح نفسه مسرحاً بديلاً عن مسرح الموظفين التابع للدولة وازداد ازدهاره في أوائل التسعينات . كان هذا المسرح اعتراضاً على آليات الإنتاج التي تحول الفنان إلى موظف، وتحول العمل الفني إلى عملية إدارية، وتصادر حرية رأيه وفكره، بدعوى كيف تأتي إلى مسرح الدولة لتعلن خطاباً لا يتفق معها .
خرجت معظم فرق هذا التيار من مسرح الجامعة، ومع أول مهرجان للمسرح الحر المستقل طرح بياناً قوياً كان تدشيناً لحركة المسرح المستقل .
أثار تعريف المسرح المستقل العديد من الإشكالات في الوسط الثقافي في مصر، والجذر اللغوي لكلمة مستقل (قل) من الفعل استقل أي ارتفع فيقال: استقل الطائر في طيرانه . واستقل فلان: أي انفرد بتدبير أمره، إذن فالمستقل هو هذا المنفرد بتدبير أمره .
تاريخياً فرض مصطلح المسرح المستقل نفسه إقليمياً (مسمى لتلك الفرق التي تنفرد بتدبيرها لأمورها) في منتصف التسعينات من القرن الماضي، فيما كان مصطلح المسرح الحر هو الشائع عند الحديث عن تلك الفرق . وأظن السبب نمو التواصل مع الفرق المستقلة في الخارج، سواء من خلال مهرجان المسرح التجريبي، أو عبر التبادل الثقافي بمشاركة تلك الفرق في مهرجانات دولية . وكذلك عبر الإنتاج المشترك الذي قامت به بعض جهات الدعم الأجنبي (ورش فنية وعروض لفرق مسرحية مستقلة)، ورافد آخر لا يقل أهمية حقق هذا التواصل مع العالم الافتراضي الإلكتروني (النت) .
نشأت صيغة المسرح الحر المعاصر في أواخر الثمانينات من القرن العشرين بظهور عدد قليل من الفرق، ثم جاء الميلاد الرسمي لهذا التيار في المهرجان الأول للمسرح الحر ،1990 الذي ملأ ثغرة إلغاء مهرجان المسرح التجريبي حينها بعد غزو العراق للكويت . ولقد أسست هذه الفرقة بواسطة مجموعة من الفنانين الذين لم تستوعبهم حركة المسرح المصري حينها متمثلة في مسرح الدولة ومسرح القطاع الخاص، سواء لأنهم كانوا حملة رؤى فكرية جريئة (سياسية أو اجتماعية) وأفرز احتياجهم المغاير للإفلات من الرقابة صيغة مغايرة، أو لأنهم فنانون شباب لم يجدوا ثغرة لدخول مؤسستي الدولة والقطاع الخاص نظراً لاقتصار العمل فيهما على أشخاص بعينهم .
إلا أن الضرورة التي أفرزت هذا التيار، وأياً كان نوعها، يجب ألا تكون معياراً من معايير تعريف المسرح المستقل، لأنها، وأياً كانت، لا تنفي وجود فنان يبحث عن تحققه وفن يحتاج إلى دعم حتى ينمو ويتطور ويطور منتجيه .
إن الكثير من اللبس في مهوم المسرح المستقل يتعلق بمعناه ومشروعيته وحقوقه في الحصول على دعم من الدولة من عدمه، وهناك لبس أكثر جوهرية في رؤية الدولة لوظيفة المسرح جعل مؤسسات الدولة تنظر إلى هذه الفرق مثلما تنظر الحكومة إلى أحزاب المعارضة، وأسهم في دعم تلك الصورة البيان الأول الذي صدر مع المهرجان الأول للمسرح الحر 1991 والحركة النقدية التي دعمته حيث ربطت هذه الحركة بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية التي صاحبت ظهورها ومنحتها أبعاداً نضالية لم تكن أصيلة فيها، إلا أن العلاقة الجدلية المعهودة بين المقولات النقدية والأعمال الفنية جعلت أفراد الحركة يعيدون إنتاج هذه المقولات في مسرحهم وفنهم ومنهم تلك المجموعة التي لم يكن اختيارها تلك الصيغة خياراً فكرياً في الأساس، مما دعا مؤسسات الدولة تعبّر عن مخاوفها من هذا التيار المسرحي ونقده للنظام والمجتمع . ودعاها للنظر له في كثير من الأحيان بوصفه حركة سياسية معارضة، كما سمح بتوجيه أصابع الاتهام له طوال الوقت، فمرة يتهم بالتخلي عن استقلاله والدخول تحت عباءة الدولة، ومرة يتهم بتفصيل الأعمال والمشاريع من أجل الحصول على الدعم الأجنبي ما يعد نوعاً آخر من التخلي عن الاستقلال، ويعده المغالون نوعاً من العمالة الأجنبية .
لا يسعنا إنكار البعد السياسي لحركة المسرح المستقل، لكن هذا المعيار رغم ما ينتج عنه من تداخل في فهم المسرح المستقل لا يصلح كحد من حدود التعريف . فالبعد السياسي في المسرح المستقل ليس توجهاً ولا يمكن تعميه على كل الفرق .
شغل سؤال: هل المسرح المستقل هو صيغة إنتاجية أم فنية؟ العديد من المنظرين لحركة المسرح المستقل، بل ومنتجيه، وقد سبب عدم وضوح الإجابة الكثير من اللبس في تعريف المسرح المستقل، وفي رأيي أن المسرح المستقل صيغة فنية أولاً، لكن تلك الصيغة الفنية الحرة تستلزم بالضرورة صيغة إنتاجية حرة، لأن الفرق المستقلة لا تعمل ولا تنتج فنها على النحو المألوف، فهي تنتج مشاريع نوعية متباينة بصيغة معملية تقتضي البحث والتقصي . وهذا هو ما يميزها فنياً وفكرياً ويميز مسرحها عن المسرح الذي تنتجه المؤسسة الرسمية والقطاع الخاص، فلكل من تلك الفرق مشروع فني تنميه وتطوره، ومن هنا فقد اجتذبت كل فرقة الجمهور المعني باللون المسرحي الذي تقدمه .
أنتج المسرح المستقل العديد من العروض التي نجحت جماهيرياً، وكانت تعمل على موضوعات شائكة سياسياً واجتماعياً يذكر منها حالة طوارئ لفرقة أتيليه المسرح، والمادة 76 لفرقة حالة، وصحراوية لفرقة القافلة، وحكاوى الحرملك لفرقة المسحراتي، وفتافيت الماس لفرقة الضوء، ونوبة صحيان لفرقة الورشة . . إلخ، وجميعها عروض تتناول موضوعات السلطة والفساد وقانون الطوارئ والتزوير في الانتخابات، وتهز بيد غير مرتجفة جميع التابوهات .
أكثر ما يميز المسرح المستقل هو هذا الثراء والتعدد الفني في تياراته وتوجهاته الفنية، إلا أن رصداً سريعاً للتيارات الفنية السائدة في المسرح المستقل سيضع أيدينا بطريقة غير مباشرة على أساس وجوده، حيث معظمها تنتمي لأنواع فنية غير مرحب بها في خطط إنتاج مسرح المؤسسة الرسمية إلا بشكل موسمي في مهرجان المسرح التجريبي .
فرقة أتيليه المسرح التي تأسست في كلية الفنون الجميلة عبر مجموعة من الطلبة والتي يرأسها حالياً محمد عبدالخالق، هي فرقة معنية بالأساس بإعادة قراءة التاريخ المعاصر، ونقد الواقع من خلال كشف التباسات المقولات التاريخية وزيفها في صيغة فنية أقرب إلى المسرح التسجيلي مستخدمة شهادات المهمشين عن التاريخ .
فرقة الحركة وهي فرقة أسسها مجموعة من الفنانين ومديرها حالياً سيد فؤاد، معنية بالنقد السياسي، مستخدمة الشكل الفني المسمى الكباريه السياسي في سخريته، والكوميديا ديلارتي بشكلها الكرنفالي .
فرقة المسحراتي التي أسستها مخرجة الفرقة عبير علي، وهي معنية بالبحث الشعبي واستقراء التاريخ من مصادره الشعبية مثل، حكايات البيوت المصرية، محققة في هموم المواطن الصغيرة الناتجة عن الاضطرابات الاجتماعية والسياسية وسوء الأوضاع الاقتصادية، وذلك في شكل فني يعتمد على دمج العديد من صيغ التعبير الشعبي من حكي وغناء ونكات .
فرقة القافلة التي أسستها مخرجة الفرقة عفت يحيى، وهي معنية بهموم المرأة وقضاياها، ووضعها الاجتماعي، إلا أنها تركز أكثر على مشاعرها تجاه تلك المواجع والهموم، ومن هنا تأتي شعرية مسرحها الذي عادة ما يقدم في مساحات حميمة .
فرقة لاموزيكا التي أسستها بطلة ومخرجة الفرقة نورا أمين، وهي معنية في عروضها بقضايا الحرية، حرية التعبير، خاصة ما يتعلق بحرية المرأة، وترتكز في الغالب على التعبير الجسدي كشكل فني .
فرقة الغجر والمتأمل لأعمال الفرقة يجدها معنية أكثر بتقديم مسرح في شكله الكلاسيكي، لذا تلجأ في الغالب إلى تقديم نصوص كلاسيكية معنية بالرسائل الأخلاقية التي تعبّر عن فكر مؤسسة الفرقة ومخرجتها عزة الحسيني، نظراً لأنها تعطي الأولوية لدورها كممثلة فإن اختيارها للنصوص يأتي انطلاقاً من تلك الفكرة .
ذلك الحضور القوي للجسد هو ما يميز عروض الفرق المستقلة مثل، فرقة ستوديو منصور لمحمد فوزي التي تعمل على تفعيل شفرة الجسد من خلال عكس الانفعالات الداخلية، وصراع الإنسان مع ذاته في تعبيرات فيزيقية مشحونة بالمعنى الذي يسهم في إنتاجه الجسد في جدله مع مفردات العرض الأخرى .
تتردد مقولة المسرح المزدهر في الستينات ورفعة المستوى الفني وجدية الأعمال المسرحية المقدمة في ذلك الوقت، وهي مقولة حقيقية إلى حد بعيد، لكنها تتجاهل السبب الأهم لهذا الازدهار ألا وهو الجمهور - جمهور الطبقة المتوسطة - الطبقة التي كانت في أوج ازدهارها هي الأخرى في تلك الفترة، والتي كانت تنظر إلى المسرح كمكان تثقيفي مهم ومصدر قيمي تستقي منه أفكارها، ويرسخ قيمها وشعاراتها الصاعدة التي لم تخلُ منها أياً من أنواع الفنون المقدمة في تلك الفترة وعلى رأسها المسرح .
يقول برنارد شو في مقدمته لكتاب المسرحيات اللطيفة: أهمية المسرح كأداة اجتماعية دائماً في ازدياد، فالمسارح السيئة ضارة شأنها شأن الكنائس والمدارس السيئة، وذلك أن المدينة الحديثة تزيد بسرعة مذهلة من عدد تلك الطبقة التي تعتبر المسرح مدرسة وكنيسة في آن واحد، لقد طرأت تغيرات اجتماعية كثيرة في المجتمع المصري هزت قيم وأفكار تلك الطبقة هزاً عنيفاً بداية من النكسة، وحتى الانفتاح، وما استتبعه من ظهور البرجوازية الصاعدة وما أحدثته من خلل في قيم الطبقة المتوسطة التي بناء عليها ازدهر مسرح القطاع الخاص والمسرح السياحي جماهيرياً . وبدأت ثورة المعلومات والثورة التكنولوجية لتؤتي أثرها في ازدياد عزلة الفرد وتفضيله لتلقي الفن عبر وسائط تكنولوجية، كالسينما والفيديو وانحصر احتياجه للتواصل الحي الذي يحققه المسرح، خاصة مع توالي الحروب والانكسارات في المنطقة، ولذا فقد نشأت صيغة المسرح الحر المعاصرة في أواخر الثمانينات بعد حرب الخليج الأولى لتطرح صيغة مغايرة، وتقيم جسراً جديداً من الجمهور، وذلك عبر تقديمها لصيغة فنية لا يغترب عنها المتفرج ولا تشبه الصورة غير المفهومة التي روجت لها وسائل الإعلام عن مسرح الدولة، كما أنها لا تستخف بعقله وهمومه وتكتفي بالتسرية عنه، كما يحدث في مسرح القطاع الخاص .
ومن هنا فقد لبت الصيغة الفنية للمسرح الحر بتنوعها وتفردها وقربها من النبض الشعبي (همومه ولغته) احتياجاً أصيلاً لدى مفترج تلك الطبقة التي أوشكت الآن على الانقراض، وأسهمت ولو بقدر ضئيل في مراكمة الوعي المفارق الذي أفرز تلك الصحوة .
ولأن أغلب مؤسسي تلك الحركة كانوا ينتمون إلى تلك الطبقة المتداعية، ومهمومين بهمومها فقد استفادوا من دون قصد بتلك المقولة الرائعة للوركا التي اعتبرها نداء ومثالاً لكل من يعنيه المسرح والمجتمع: المسرح مدرسة الدمع والأخلاق ومنبر حر يمكن الدفاع من فوقه عن الأخلاقيات القديمة أو الأخلاقيات المبهمة، واستخلاص القوانين الخالدة لقلب الإنسان ومشاعره - كل ذلك بالأمثلة الحية - والشعب الذي لا يساعد مسرحه هو شعب محتضر إن لم يكن قد مات، وكذا المسرح الذي لا يحس بنبض الشعب الاجتماعي أو التاريخي .
من أوراق ملتقى الشارقة التاسع للمسرح العربي 2102