قال جراح العظام الألماني مارتن ماريانوفيتس إن آلام الظهر قد ترجع إلى أسباب نفسية أيضاً، مثل الضغط العصبي في العمل أو زيادة الأعباء الأسرية .
وأضاف ماريانوفيتس أنه في حال التحقق من أن آلام الظهر ترجع لأسباب نفسية وليس لأسباب عضوية، فينبغي حينئذ اللجوء إلى معالج متخصص في علاج الآلام، الذي يكون على دراية كاملة بأسباب آلام الظهر وطرق علاجها المتعددة .
أشار جراح العظام الألماني ماريانوفيتس إلى أن التدخل الجراحي في بعض الأحيان، مثل الانزلاق الغضروفي لا يكون ضرورياً إلا في حالات نادرة فقط . وفي هذه الحالة يكون من المفيد ممارسة تقنيات الاسترخاء لمدة تتراوح بين 15 و30 دقيقة يومياً .
ويعد استرخاء العضلات التدريجي من أبرز هذه التقنيات . ولهذا الغرض، يستلقي المرء على الأرض، ثم يقوم بشد كل أجزاء الجسم، التي تلامس الأرض، تباعاً بدءً من الرأس وحتى أخمص القدمين، مع مراعاة شد أجزاء الجسم أولاً لمدة 4 ثوان، ثم زيادة هذه المدة إلى نحو 7 ثوان بالتدريج، ثم يتم إرخاء جميع أجزاء الجسم تباعاً . ومع التمرس في أداء هذه التمارين يمكن بمرور الوقت ممارسة هذه التقنية في وضع الجلوس أو الوقوف .
والغريب أنه مع هذا الانتشار الهائل، والتكلفة الضخمة المصاحبة لآلام الظهر، مازالت جميع أسباب هذه الحالة غير معروفة أو مفهومة بشكل كامل .
فالبرغم من اتفاق الأطباء على قائمة طويلة من الأسباب للإصابة بآلام الظهر، إلا أن جزءاً لا يستهان به من الحالات يظل مستعصياً على الفهم .
وتضم قائمة أسباب الإصابة بآلام الظهر الحالية كلاً من الانزلاق الغضروفي، والتهابات المفاصل، وضيق القناة الشوكية، والإصابات المباشرة، والأمراض السرطانية، والعدوى، والكسور، والأمراض الإلتهابية، وغيرها كثير .
ولفترة طويلة فسر الأطباء الحالات التي لا تترافق بسبب مباشر وواضح على أنها نتيجة تقلص أو تمزق في إحدى عضلات الظهر، حيث ينتج هذا التقلص أو التمزق إما عن مجهود مفاجئ وعنيف كما هو الحال عند رفع جسم ثقيل بشكل خاطئ، أو نتيجة إصابة خفيفة، مستمرة ومتكررة، على العضلة .
ومثل هذه الإصابات الخفيفة المتكررة تحدث مثلًا نتيجة وضعية الجلوس الخاطئ، أو وضعية القيادة الخاطئة، أو الوقوف بشكل خاطئ، أو النوم على فراش غير مناسب .
وعلى الرغم من أن هذه الأسباب قد تؤدي إلى آلام في الظهر إلا أن احتمالاتها تزداد مع الأشخاص زائدي الوزن، أو من يعيشون حياة من الكسل تخلو من النشاط البدني، ما يضعف عضلات الظهر، ويجعلها أكثر عرضة للتمزق والإصابة . ومؤخراً أضيفت إلى قائمة أسباب الإصابة بآلام منطقة أسفل الظهر عيوب وراثية محددة في أحد الجينات، تؤدي بدورها إلى مشكلات في الغضاريف الواقعة بين فقرات العمود الفقري .
وتتكون هذه الغضاريف (الديسك) من مادة جيلاتينية رخوة تحيط بها طبقة من الألياف الصلبة، وتعمل مثل "ماص الصدمات" الموجود في السيارات، كي تمنع احتكاك وارتطام الفقرات ببعضها بعضاً .
وقد أظهرت دراسة أجراها علماء جامعة "كنجز كولج" بلندن على 4600 مريض، ونشرت في مجلة "سجلات الأمراض الروماتيزمية" (Annals of Rheumatic Diseases) وجود علاقة بين جين وراثي محدد (PARK2) وبين الإصابة بالحالة المعروفة بتحلل غضاريف المنطقة السفلى (القطنية) من الظهر، وهي الحالة المعروف عنها أنها تورث لدى 80 في المئة من المرضى، وتصيب غضروفاً واحداً على الأقل في ثلث النساء خلال فترة منتصف العمر .
وفي هذه الحالة، تتيبس الغضاريف القطنية، وتفقد مرونتها وسُمكها، ما يؤدي إلى احتكاك الفقرات ببعضها بعضاً، وظهور نتوءات عظمية على الفقرات تسبب آلاماً مزمنة .
ومثل هذا الاكتشاف يفتح الأبواب لابتكار وتطوير أساليب علاجية، تبطل التأثير السلبي للجين المعيب، وربما قد تريح الملايين من آلامهم المزمنة .
ومن الممكن إضافة العيوب الوراثية حسب الدراسة السابقة إلى بقية الأسباب التي أصبحت تتبدى تباعاً من خلال دراسات أخرى، لتفسير آلام الظهر المزمنة، غير معروفة السبب حالياً .
وإحدى تلك الدراسات أظهرت أن النساء الغارقات في مهامهن المنزلية أو متطلبات وظائفهن، ينتشر الشعور بآلام الظهر بينهن بمقدار الضعف، مقارنة بقريناتهن اللائي يعشن حياة أكثر استرخاء .
ويفسر العلماء هذه الظاهرة بأن التوتر المزمن يتسبب في تقلص ألياف العضلات، وهو التقلص الذي يؤدي في النهاية إلى ضعف تلك الألياف، وزيادة قابلية العضلات للتعرض للإصابة بسهولة . والعكس أيضاً صحيح، حيث يؤدي التوتر النفسي وما يصاحبه من توتر في العضلات، إلى الشعور بآلام في العضلات المصابة من الأساس .
وهذه الدراسة وإن كانت قد أجريت على النساء، وفي ظروف خاصة، إلا أنها تظهر تأثير التوتر المزمن على عضلات الظهر، وهو ما يمكن أن يطبق أيضاً على الذكور الذين يخضعون لتوتر مزمن بسبب ظروف حياتهم المهنية أو الاجتماعية، مما يؤدي لشعورهم بآلام مزمنة في الظهر، هي عبارة عن تجسيد مزمن لحالتهم النفسية المضطربة .