من أشهر الأباطيل التي رددها خصوم الإسلام في الماضي ولا يكفون عن ترديدها في كل مكان وانخدع بها السطحيون من المسلمين، الزعم بأن الإسلام دين جامد يعادي الحياة، ويقف في طريق النهضة والتقدم، والدليل على ذلك ما تعاني منه المجتمعات الإسلامية الآن من تخلف وعدم قدرتها على ملاحقة الثورة العلمية والصناعية التي يعيشها الغرب، لذلك ينصح هؤلاء المسلمين بضرورة عزل الدين عن حياتهم العلمية، والاكتفاء بالتعبد به في المساجد وفي المناسبات الدينية، مثل شهر رمضان وموسم الحج.

والواقع أن هذه التهمة التي يحرص خصوم الإسلام من المستشرقين والكتاب الغربيين على إلصاقها بالإسلام ظلماً وعدواناً لافقاد المسلمين الثقة في دينهم، وصرف النخبة من العلماء والباحثين في مختلف المجالات عن توجيهاته لضبط أبحاثهم وإنتاجهم العلمي بالقيم الأخلاقية الإسلامية. هذه التهمة لا أساس لها ولا سند، فالإسلام من خلال تعاليمه وتوجيهاته وأحكامه في مختلف مجالات الحياة دين نهضة وتقدم وحضارة، ولو رجع هؤلاء الحاقدون إلى القيم الحضارية التي جاء بها الإسلام لصمتوا وتوقفوا عن اتهاماتهم الظالمة وأدركوا أن الإسلام استطاع أن يقيم أعرق حضارة ملأت الدنيا علماً ونوراً وثقافة وحضارة في حقبة قصيرة من الزمن، وأن هذه الحضارة كانت الأساس الذي أقام عليه الغربيون حضارتهم المعاصرة.

عدوان على الحقيقة

في البداية يعترف المفكر الإسلامي، الدكتور أحمد كمال أبوالمجد، بأن المجتمعات الإسلامية تعاني فعلاً التخلف والركود الحضاري، لا ينكر ذلك أحد، لكن إسناد هذا التخلف أو إلصاقه بالإسلام خلط فاضح للأوراق، وعدوان صارخ على الحقيقة، فالمسلمون تقدموا عندما ارتبطوا بدينهم والتزموا بتعاليمه، وطبقوا أحكامه، وعملوا بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من تعاليم وتوجيهات تحث على العلم والعمل والتفكر والتدبر والإبداع واحترام الوقت والنظام وغير ذلك مما جاء به الإسلام من قيم حضارية.

والمسلمون الآن يعانون التخلف لأنهم أهملوا هذه القيم وشاعت بينهم الأوهام والخرافات وعطلوا عقولهم، وانهزموا نفسياً واستجابوا للأفكار السلبية التي أشاعها بينهم وفي مقدمتها عدم القدرة على ملاحقة الحضارة الغربية علمياً وصناعياً، فالتخلف الذي تعانيه مجتمعات المسلمين الآن لم يحدث لارتباط المسلمين بدينهم كما يروج الخصوم، ولكنه كان نتيجة طبيعية لإهمال المسلمين لدينهم وانصرافهم عن تعاليمه وتوجيهاته.

ويضيف: التعصب والأحقاد المتوارثة هي التي تدفع بعض المستشرقين والكتاب الغربيين إلى إلصاق تهمة التخلف والجمود بالإسلام والتقليل من شأن الحضارة الإسلامية التي ملأت الدنيا علماً ونوراً وحضارة، ذلك أن المنصفين من العلماء والمفكرين والباحثين الغربيين قد شهدوا بعظمة حضارتنا الإسلامية، وأكدوا في كتاباتهم وأبحاثهم أن الإسلام بقيمه الحضارية قد استطاع إقامة حضارة متميزة وأن ما يحدث الآن من تخلف في مجتمعات المسلمين هو نتيجة إهمال هذه القيم الحضارية التي جاء بها الإسلام وليس العكس.

جهل بالرسالة

ويتفق الدكتور محمد عبدالغني شامة- أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة الأزهر مع الدكتور أبوالمجد في أن اتهامات بعض الغربيين للإسلام بالتخلف لا تنطلق من معرفة حقيقية بالإسلام وقيمه الحضارية، ولكنها تكشف عن جهل الغربيين برسالتنا الإسلامية، وهي في حقيقة الأمر رسالة حضارية متميزة، وهذا ما اعترف به الغربيون المنصفون، سواء، كانوا من كبار الساسة أم المفكرين والكتاب والباحثين والمثقفين العاديين الذين تعرفوا إلى الإسلام وحضارته من المصادر الأساسية ولم يتأثروا بالمعلومات المتوارثة في الثقافة الغربية عن الإسلام، ومعظمها صاغته عقول جامدة ومتخلفة، وكان لرجال الدين المسيحي المتعصبين الدور الأكبر في ذلك ثم تبعهم المستشرقون الذين توارثوا هذا الكم الهائل من المعلومات الخاطئة عن الإسلام وأخذوا يروجون لها في كتبهم وأبحاثهم.

ويضيف: لسنا في حاجة هنا لتأكيد مكانة العلم والعلماء في الإسلام، ولسنا في حاجة إلى إبراز مدى حث الإسلام لأتباعه على إعمال عقولهم في كل شيء في هذا الكون الكبير، فالمسلم مطالب شرعاً بالاستفادة من كل منجزات العلم الحديث، ومطالب في كثير من آيات القرآن الكريم بالنظر في ملكوت الله، فالله سبحانه وتعالى يقول: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ويقول: أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ويقول: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج وانظر لا تعني الاكتفاء بكل ما أوتي الإنسان من آلات ومعدات تساعده على الكشف عن كل ما في ملكوت الله, والمسلم هنا يستخدم ما آتاه الله من عقل للتفكير في خلقه فيدخل بذلك في عداد المؤمنين الذين وصفهم الله بقوله: ويتفكرون في خلق السماوات والأرض.

ويوجه الدكتور شامة حديثه إلى الذين انخدعوا بهذه الأباطيل من المسلمين ويقول: من العار أن تسلموا بما يردده هؤلاء الجهلاء وتستسلموا لأفكارهم المسمومة.. دينكم الذي أرسى قواعد حضارة متميزة لا ينبغي السكوت عن وصفه بالجهل والتخلف.

مفهوم شامل للتطور

الدكتور بكر زكي عوض عميد كلية أصول الدين في جامعة الأزهر يؤكد أن الإسلام جاء بقيم حضارية كفيلة في حالة تطبيقها بإقامة مجتمع حضاري متميز في كل شيء، ففي القرآن الكريم تقدير كبير للعلم والعلماء، وحثّ على النظر في الكون ودراسته وعمارة الأرض، والآيات الخمس الأولى التي نزلت من الوحي الإلهي تنبه إلى أهمية العلم والقراءة والتأمل، وهذا أمر كانت له دلالة مهمة انتبه إليها المسلمون منذ البداية، وهكذا فإن انفتاح الإسلام على التطور الحضاري بمفهومه الشامل للناحيتين المادية والمعنوية لا يحتاج إلى دليل.

والقيم الحضارية الإسلامية متعددة ومتنوعة وشاملة لكل مجالات الحياة. وفي مقدمة هذه القيم قيمة العلم التي جعلها الإسلام أهم القيم التي ينبغي أن يحرص عليها الإنسان المسلم ويبذل في سبيل ترسيخ أركانها كل غالٍ ورخيص، وقد جعل الإسلام الأمية عاراً يمثل وجودها تعطيلاً لجهود التنمية والتقدم.

وإلى جانب العلم ودفع الإسلام الإنسان إليه بكل الوسائل تأتي قيمة العمل، وقد كانت النصوص الإسلامية من قرآن كريم وأحاديث نبوية صحيحة تدفع الإنسان إلى كل عمل مفيد ونافع له ولأسرته وللمجتمع الذي يعيش فيه، فالعمل في فلسفة الإسلام أحد مسؤوليات الإنسان الأساسية التي لا غنى عنها في هذه الحياة، فكل إنسان يريد أن يعيش حياة كريمة عليه أن يعمل وأن يبذل كل جهده للمساهمة في ترقية الحياة ولا يجوز في نظر الإسلام أن يكون الإنسان المسلم طفيلياً يأكل من خيرات الأرض ويستفيد من جهد الآخرين من دون عمل نافع ومفيد.

وإلى جانب العلم والعمل احترم الإسلام عقل الإنسان وحثه على إعمال عقله في كل ما يحيط به في هذا الكون لاستثمار عناصر الكون الاستثمار الأمثل، وذلك لأن الإسلام يؤمن إيماناً كاملاً بأن الإنسان بعقله ومهاراته وخبراته وإبداعاته هو الصانع الحقيقي للنهضة والتقدم.

وجاء الإسلام أيضاً بقيم حضارية متميزة لضبط سلوك الإنسان ضبطاً أخلاقياً وحضارياً، فغرس في الإنسان كل معاني الانتماء والولاء للدين والأسرة والمجتمع الذي يعيش فيه، وجعل التعاون والتكامل بين المسلمين فريضة، وغرس في المسلم قيم احترام النظام واحترام الوقت وعدم إهداره فيما لا يفيد، وزرع فيه قيمة الأمل، إذ لا عمل ولا إنتاج في حالة إصابة المسلم بالإحباط، وحث المسلم على النظافة والأمانة والوفاء والحياء والتواضع والتسامح والرحمة والبشاشة والصداقة وكلها قيم لازمة لصناعة الحضارة الراقية المتكاملة التي تحقق للإنسان كل مطالبه المادية والمعنوية.

الأطول عمراً

وحقائق التاريخ تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الإسلام بقيمه الحضارية المتميزة قد استطاع بعد فترة وجيزة أن يقيم حضارة رائعة كانت من أطول الحضارات عمراً في التاريخ، ولا تزال الشواهد على ذلك ماثلة للعيان فيما خلفه المسلمون من علم غزير في شتى مجالات العلوم والفنون، وتضم مكتبات العالم آلافاً مؤلفة من المخطوطات العربية الإسلامية تبرهن على مدى ما وصل إليه المسلمون من حضارة عريقة.. يضاف إلى ذلك الآثار الإسلامية المنتشرة في كل العالم الإسلامي التي تشهد على عظمة ما وصلت إليه الفنون الإسلامية.

وحضارة المسلمين في الأندلس وما تبقى من معالمها حتى يومنا هذا- شاهد على عظمة الحضارة الإسلامية في أوروبا نفسها، وقد قامت أوروبا بحركة ترجمة نشطة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر لعلوم المسلمين، وكان ذلك هو الأساس الذي بنت عليه أوروبا حضارتها الحديثة.