تحقيق: غدير المزيني
جهاز بحجم راحة اليد أو رُبما أصغر، يجعل منك كالرحالة ابن بطوطة في مكانك، إذ ينقلك إلى شتى بقاع الأرض، عبر منصات يطول الحديث عنها ولا ينتهي، حيث تشهد الساحة العنكبوتية موقعاً تلو الآخر، وإطلاق تطبيقات لا حصر لها، وتحديث البعض الآخر منها وبشكل دوريّ، لتُمكن الأفراد من التواصل بفعاليّة أكبر وأعمق، وهي لا تدري أنها تجبر من جانب، وتدمر من جانب آخر، إذ غلب التواصل الإلكتروني هذه الأيام على سلوكيات التعامل والتواصل المباشر، ليجعل الأفراد كبيرهم وصغيرهم على حد سواء، يدمنون النظر المتواصل إلى زخم التطبيقات، التي تكتظ بها هواتفهم وأجهزتهم اللوحيّة، وبذلك ينشغل ذلك النشط إلكترونياً الغائب واقعياً بين دوامة هذه الرسائل، والإيميلات، والصور، والفيديوهات، والتدقيق بين إشعاراتها، خوفاً من أن يتوه بينها، فينسى إحداها من دون قصد .
لا يختلف اثنان على البصمة الواضحة التي خلفتها تكنولوجيا الهواتف الذكية في حياتنا، لكن كيف أثرت الهواتف الذكية في حياتنا وتعاملاتنا المجتمعية؟ هل فعلاً سرقتنا من بعضنا؟ وهل سيطرت على أوقاتنا وعقولنا إلى درجة إصابتنا بالإدمان والتفحص المتواصل لها بضرورة أو من دونها؟
"الخليج" سلطت الضوء على الأثر الذي تتركه هذه الهواتف الذكية في نفوس الناس، وتعاملاتهم الاجتماعية، ما يجعلهم يتقبلون سلوكيات كانت منذ فترة ليست بطويلة "عيباً"، ولا يُستساغ التعامل بها .
الاعتياد يُبطل الدهشة، هذا ما أكدته، شيرين التميمي، عندما اعتبرت أن مجالسة شخص يعبث طيلة الوقت بجهازه الخلوي، ويختلي به بعيداً عمن يحاوره بات أمراً طبيعياً هذه الأيام، حيث من العادي أن تكون تحدث شخصاً ما، وتغيب عيونه عنك، لتنتقل إلى منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، فيرمي تعليقاً هنا وإعجاباً هناك، بحيث يكون متصلاً معك ومع العالم الافتراضي في الوقت ذاته، وتضيف التميمي: "أتضايق من هذه السلوكيات إذا ما زادت على الحد المُحتمل، وتشعرني بأنني نكرة، ولا أشغل حيزاً أمام من أناقشه، ليوليني اهتماماً بوجودي وبحواري المفتوح معه"، لافتةً إلى أن هذا لا يمنع أن يُتاح المجال للطرف الآخر، للنظر إلى الإشعارات التي يتلقاها بين فترة وأخرى، بغيةَ الرد على المهم منها، والإجابة على الأمور الطارئة والمستعجلة التي لا تحتمل التأخير، باعتبار أن تلك التطبيقات والوسائل الاجتماعية للتواصل صارت جزءاً لا يتجزأ من واقع حياتنا اليومية، قائلة: "فتح هذا المجال لا يُبرر إهمال الطرف الآخر في طاولة الحوار، لرؤية كل شاردة وواردة ترد عبر هذه المنصات، بحيث يكون هدفه الأول هو التسلية أو الفضول لرؤية ما المتداول بين الناس في هذه الشبكات الاجتماعية وتطبيقاتها" . وتؤكد التميمي أن ما لا ترضاه لنفسها لا ترضاه لغيرها، لذلك فهي تترك الموبايل جانباً عند جلوسها مع صديقاتها وعائلتها، أو في حال اجتمع ضيوف لديها، لإشعارهم بتقديرها واهتمامها لهم قبل كل شيء .
وتؤيد بثينة علي، خبيرة في آداب وسلوكيات التعامل، رأي التميمي، في أنها تتجنب استخدام هاتفها الذكي عند اجتماعها أو ملاقاتها شخصاً ما، حتى لا تشعره بقلة الاحترام، أو التقليل من شأنه، إذ ترى أن من آداب الحوار توظيف لغة العيون للتواصل، وملامح الوجه التعبيرية كلها عند الحديث، بدءاً من العين، قبل كل شيء، للتعبير عن مصداقية الشخص المتحدث، مشيرةً إلى أن لغة العيون لها أبجدياتها الخاصة في التعامل، إذ يلاحظ دوماً أنه بإبعاد عينيك عن الشخص يتحدث إليك إليه يتوقف عن الكلام، أما اذا استمريت في النظر إليه، فإنه يواصل الحديث ويتابع حواره .
وتوضح علي أن الضرورات أحياناً ورتم الحياة التكنولوجي الذي نعايشه تفترض علينا، بخاصة في الآونة الأخيرة، استخدام هواتفنا الذكية طيلة الوقت، لكونها أصبحت الطريقة الأولى والمُثلى للتواصل مع الأفراد في مشارق الأرض ومغاربها، بل وصارت حسابتنا على المواقع الافتراضية تمثل هويتنا وتعززها ربما أكثر من الواقع، ولكن تبقى هناك حدود لهذه المسألة وضوابط تتمثل بأساسيات التعامل وأتيكيت التصرف مع الشخص الآخر، مهما كان شأنه، وتقف من دون تعديها على اعتباره، وإلغاء تواجده، أو التقليل من شأنه بأيّة صورة كانت، ويُمكننا تحقيق ذلك من خلال استخدام هواتفنا للرد على الرسائل النصية السريعة التي تردنا بصورة مختصرة وبطريقة مؤدية للغرض لا تضايق الطرف الآخر من كثرتها بطريقة غير لائقة .
ويعتبر قاسم مصطفى أبو خاص أن الهاتف الذكي والتطبيقات الذكية أصبحت تمثل كل شيء في حياتنا، لذلك فهناك ضرورة لديه، وعلى مستواه الشخصي، تلزمه بالنظر إلى هاتفه كل بضع دقائق، وسببه في ذلك انتظار رسالة من شخص ما، أو إعجابه ببعض المنشورات، بغض النظر عن موقع التواصل الذي يعرضها، معترفاً بالتأثير السلبي، الذي تسربه هذه المنصات الاجتماعية عل? علاقتنا الاجتماعية والأسرية، والتي أصبح الحاضرون في مجالسها غائبين، نظراً لانشغالهم بهواتفهم، ونظرهم المستمر إلى إشعاراتها، بما فيها من صور ومقاطع فيديوهات ورسائل، بحيث انعدم النظر إلى الأشخاص فيما بينهم، واقتصر على هواتفهم، التي يحملونها بين أيديهم وتنشغل بها أعينهم وأذهانهم .
ويصرّح أبو خاص بأنّه يتضايق من عادة استمرارية النظر إلى الهاتف التي أصبحت عند الكل، صغيراً وكبيراً، بالرغم من قيامه بها أحيانا من دون قصد، باعتبار أن الهاتف أصبح همزة الوصل، للتواصل مع الأقران والأقارب والأصدقاء حول العالم .
أما بالنسبة لاستخدام هذه الأجهزة الذكية في المناقشات التعليمية وقاعات الصفوف الجامعية، فتعلق لبنى الخميس: "استخدامي الهاتف في خضم المحاضرة، لا يعني تقليل شأن الدكتور أو المُحاضِر بشكل عام، بِقدر ما يخدم مصلحتي المعرفية، في البحث عن مفهوم معيّن، أو الاستفسار عن أصل كلمة ما، خاصة وأن في بعض المساقات الإنجليزية في تخصصي، يتم إيراد بعض الكلمات من الأساتذة الأجانب، تعتبر غريبة علينا، لذا فعملية البحث عن معناها يكمل الهدف التعليمي، ولا يقلل منه أبداً، حيث يعزز من قدرتي على فهم السياق، الذي جاءت فيه، والمشاركة بفعالية" .
وتستنكر الخميس، من جهتها، استياء الأساتذة من استخدام الهاتف الذكي والأجهزة اللوحيّة، خلال المحاضرات، وغضب بعضهم إزاء ذلك، باعتبارهم ينشغلون عن المادة التي يتم تدريسها ومناقشتها، ويشتتون بقية الطلبة من حولهم بما تحويه شاشات هذه الأجهزة اللوحيّة من صور ومواقع تصرف نظرهم وانتباههم .
بدورها لا ترى رولا كيوان، أستاذ مساعد الرياضيات، أن استخدام الطالب لهاتفه الذكي وهي تحاضر يقلل من احترامها، بِقدر ما يضيع وقت الطالب والفائدة التي يمكنه أن يجنيها من شرح المادة، إذ يتشتت تركيزه، وتتابع: "الأمر يعتمد أيضاً على درجة فهم الطالب واستيعابه للفكرة التي أحاول إيصالها، فإذا وصلته من أول مرة غالباً ما يستخدم هاتفه، لأنه يكون قد فهمها ولا يرى فائدة لاستماعها مكررة، ولكن في المقابل هناك بعض الطلاب يستسلمون لعدم فهمهم المادة، فيلجأون إلى هواتفهم للعبث فيها، وإضاعة وقت الصف" . وتلفت كيوان إلى أن تشتت الطالب في الصف لا يكون فقط بالنظر إلى الهواتف الذكية وتفحصها، إذ يمكنه أن يرسم، أو يسرح بتفكيره، وبالتالي نصل إلى النتيجة نفسها في عدم التركيز وغياب استيعابه .
وتنوه عهود خولاني إلى قدرتها على التركيز في أكثر من مهمة في الوقت نفسه، وتعودها على ذلك منذ فترة طويلة، فكتابتها في "الشات"، أو ردها على الرسائل والإيميلات التي تصلها خلال بعض صفوفها الجامعية، لا تعني أنها غير قادرة على الاستيعاب أو التركيز فيما يجري داخل الصف، إذ يمكنها المشاركة إلكترونياً والتعقيب على كلام أساتذتها في الآن نفسه، من دون تأثير أحدهما على الأخر سلباً، وهذا ينطبق أيضاً على علاقاتها الاجتماعية ولقاءاتها مع أصدقائها وأفراد عائلاتها .
يؤكد كيفن نون، أستاذ مساعد في اللغة الإنجليزية ومدير مركز تعزيز الخطط التدريسية في الجامعة الأمريكية في دبي، على أن هناك عدة أبحاث أثبتت أن الإنسان غير قادر على القيام بأكثر من مهمة في الوقت نفسه، فإذا كان الطالب، على سبيل المثال، يحادث أحداً إلكترونياً، فإنه لا يستطع سماع ما يقوله المعلم، وتسجيل ملاحظات لما يشرحه، ما يجعل تركيزه الأساسي على الهاتف ومحادثته التي يجريها، وليس محتوى المحاضرة وما تتم مناقشته وعرضه . ويشير نون إلى عدة عواقب لاستخدام الهواتف عند محادثة الأفراد من حولنا، أولاها شعور عدم الاحترام الذي يتلقونه، وأن الهاتف أهم منهم، ويضيف: عندما أتعرض شخصياً لمثل هذا الموقف، وأحاور شخصاً يعبث بهاتفه بمنأى بعيداً عني، وأنا بقربه على طاولة الحوار، أتوقف عن إكمال كلامي، لأنني لا أرغب في إضاعة وقتي، مع شخص لا يضعني في اهتماماته، وأبسطها النظر إليّ .
ويستطرد أن الجيل الحاضر بشكل عام يميل بطبيعته إلى التطلع إلى كل ما هو جديد، والبقاء متصلاً مع العالم الخارجي، ففي الوقت الذي لا يمسكون فيه هاتفهم، يشعرون وكأنهم أضاعوا كماً هائلاً من المعرفة، وهذا ما جعل الأغلبية من هذا الجيل يتقبل تلك السلوكيات، التي لم تكن يستحسن فعلها في العقود الماضية من الزمان .
ومن منظور الشخص الذي يستخدم هاتفه، تقول جوان عبدلله، استشارية شؤون نفسية وسلوكية، إنها علامة تُدلل على قلة الاحترام، وعدم تقدير الطرف الآخر الذي يجري الحوار أو الاجتماع معه، بإعطائه القدر الكافي من لغة العيون، التي تعكس علامات إيحائية تحقق غايات الحديث وتشرح ما تعجز الكلمات عن قوله، مشبهةً استخدام الهاتف أثناء الحديث والانشغال بتطبيقاته بمن يرتدي نظاراته، ويكون الأمر لا يستدعي ذلك، من مثل وجوده في مكان غير مشمس، أو عدم معاناته من اضطراب في رؤيته .
ومن جهة الطرف الآخر في الحوار تلفت عبدلله إلى أن شعوره بتقليل اعتباره واحترامه من الطرف الأول، ستجعله يتردد نفسياً بإكمال حديثه، ويتعامل بالمثل في أغلب الأحيان .
ويعتبر محمد علي دلبح أن هذه السلوكيات التي بتنا نتوارثها عبر تلك الشبكات الاجتماعية تُشكل مرضاً عصرياً، ألاّ وهو الخرس الاجتماعي، واعتياد الكثير عليه يعود إلى عدة عوامل نتاجها التربية، والفكر، ومحاولات قتل الفراغ، إلى جانب بُعد أفراد الأسرة عن بعضهم البعض، بِحكم عمل الزوج والزوجة، وإيجاد كل منهما في هذه المنصات فرصة يلبي من خلالها احتياجاته، فبلا شك أنتجت هذه المواقع وإدمان استخدامها ليس فقط سلوكيات غير لائقة مجتمعياً، بل وسعت أيضاً لفتح آفاق النميمة أمام النساء، إضافة إلى الوقوع في فخ الحب الزائف، الذي حطم للأسف العديد من البيوت . ويتابع دلبح: "بالنسبة لبيتي وأسرتي توصلنا أخيراً لحل بخصوص هذا المرض، بحيث أصبحنا نخصص وقتاً للهاتف والنظر في تطبيقاته، ونركز في الوقت المتبقي على أن نكون أسرة عربية تقليدية مترابطة تحترم محدثيها، وتعطي قيمه لكلامهم وما يشيرون إليه، حتى نورث هذه المفاهيم لصغارنا، ولا يكونوا مستقبلاً علاقات كتلك التي نشهدها في الوضع الراهن، أما في محيط الزملاء، فما زلت أعاني هذه المشكلة، لكنني لا أهتم بها كثيراً بسبب مقتضيات وظروف عملي وساعاته المكتبية" .
جهاز بحجم راحة اليد أو رُبما أصغر، يجعل منك كالرحالة ابن بطوطة في مكانك، إذ ينقلك إلى شتى بقاع الأرض، عبر منصات يطول الحديث عنها ولا ينتهي، حيث تشهد الساحة العنكبوتية موقعاً تلو الآخر، وإطلاق تطبيقات لا حصر لها، وتحديث البعض الآخر منها وبشكل دوريّ، لتُمكن الأفراد من التواصل بفعاليّة أكبر وأعمق، وهي لا تدري أنها تجبر من جانب، وتدمر من جانب آخر، إذ غلب التواصل الإلكتروني هذه الأيام على سلوكيات التعامل والتواصل المباشر، ليجعل الأفراد كبيرهم وصغيرهم على حد سواء، يدمنون النظر المتواصل إلى زخم التطبيقات، التي تكتظ بها هواتفهم وأجهزتهم اللوحيّة، وبذلك ينشغل ذلك النشط إلكترونياً الغائب واقعياً بين دوامة هذه الرسائل، والإيميلات، والصور، والفيديوهات، والتدقيق بين إشعاراتها، خوفاً من أن يتوه بينها، فينسى إحداها من دون قصد .
لا يختلف اثنان على البصمة الواضحة التي خلفتها تكنولوجيا الهواتف الذكية في حياتنا، لكن كيف أثرت الهواتف الذكية في حياتنا وتعاملاتنا المجتمعية؟ هل فعلاً سرقتنا من بعضنا؟ وهل سيطرت على أوقاتنا وعقولنا إلى درجة إصابتنا بالإدمان والتفحص المتواصل لها بضرورة أو من دونها؟
"الخليج" سلطت الضوء على الأثر الذي تتركه هذه الهواتف الذكية في نفوس الناس، وتعاملاتهم الاجتماعية، ما يجعلهم يتقبلون سلوكيات كانت منذ فترة ليست بطويلة "عيباً"، ولا يُستساغ التعامل بها .
الاعتياد يُبطل الدهشة، هذا ما أكدته، شيرين التميمي، عندما اعتبرت أن مجالسة شخص يعبث طيلة الوقت بجهازه الخلوي، ويختلي به بعيداً عمن يحاوره بات أمراً طبيعياً هذه الأيام، حيث من العادي أن تكون تحدث شخصاً ما، وتغيب عيونه عنك، لتنتقل إلى منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، فيرمي تعليقاً هنا وإعجاباً هناك، بحيث يكون متصلاً معك ومع العالم الافتراضي في الوقت ذاته، وتضيف التميمي: "أتضايق من هذه السلوكيات إذا ما زادت على الحد المُحتمل، وتشعرني بأنني نكرة، ولا أشغل حيزاً أمام من أناقشه، ليوليني اهتماماً بوجودي وبحواري المفتوح معه"، لافتةً إلى أن هذا لا يمنع أن يُتاح المجال للطرف الآخر، للنظر إلى الإشعارات التي يتلقاها بين فترة وأخرى، بغيةَ الرد على المهم منها، والإجابة على الأمور الطارئة والمستعجلة التي لا تحتمل التأخير، باعتبار أن تلك التطبيقات والوسائل الاجتماعية للتواصل صارت جزءاً لا يتجزأ من واقع حياتنا اليومية، قائلة: "فتح هذا المجال لا يُبرر إهمال الطرف الآخر في طاولة الحوار، لرؤية كل شاردة وواردة ترد عبر هذه المنصات، بحيث يكون هدفه الأول هو التسلية أو الفضول لرؤية ما المتداول بين الناس في هذه الشبكات الاجتماعية وتطبيقاتها" . وتؤكد التميمي أن ما لا ترضاه لنفسها لا ترضاه لغيرها، لذلك فهي تترك الموبايل جانباً عند جلوسها مع صديقاتها وعائلتها، أو في حال اجتمع ضيوف لديها، لإشعارهم بتقديرها واهتمامها لهم قبل كل شيء .
وتؤيد بثينة علي، خبيرة في آداب وسلوكيات التعامل، رأي التميمي، في أنها تتجنب استخدام هاتفها الذكي عند اجتماعها أو ملاقاتها شخصاً ما، حتى لا تشعره بقلة الاحترام، أو التقليل من شأنه، إذ ترى أن من آداب الحوار توظيف لغة العيون للتواصل، وملامح الوجه التعبيرية كلها عند الحديث، بدءاً من العين، قبل كل شيء، للتعبير عن مصداقية الشخص المتحدث، مشيرةً إلى أن لغة العيون لها أبجدياتها الخاصة في التعامل، إذ يلاحظ دوماً أنه بإبعاد عينيك عن الشخص يتحدث إليك إليه يتوقف عن الكلام، أما اذا استمريت في النظر إليه، فإنه يواصل الحديث ويتابع حواره .
وتوضح علي أن الضرورات أحياناً ورتم الحياة التكنولوجي الذي نعايشه تفترض علينا، بخاصة في الآونة الأخيرة، استخدام هواتفنا الذكية طيلة الوقت، لكونها أصبحت الطريقة الأولى والمُثلى للتواصل مع الأفراد في مشارق الأرض ومغاربها، بل وصارت حسابتنا على المواقع الافتراضية تمثل هويتنا وتعززها ربما أكثر من الواقع، ولكن تبقى هناك حدود لهذه المسألة وضوابط تتمثل بأساسيات التعامل وأتيكيت التصرف مع الشخص الآخر، مهما كان شأنه، وتقف من دون تعديها على اعتباره، وإلغاء تواجده، أو التقليل من شأنه بأيّة صورة كانت، ويُمكننا تحقيق ذلك من خلال استخدام هواتفنا للرد على الرسائل النصية السريعة التي تردنا بصورة مختصرة وبطريقة مؤدية للغرض لا تضايق الطرف الآخر من كثرتها بطريقة غير لائقة .
ويعتبر قاسم مصطفى أبو خاص أن الهاتف الذكي والتطبيقات الذكية أصبحت تمثل كل شيء في حياتنا، لذلك فهناك ضرورة لديه، وعلى مستواه الشخصي، تلزمه بالنظر إلى هاتفه كل بضع دقائق، وسببه في ذلك انتظار رسالة من شخص ما، أو إعجابه ببعض المنشورات، بغض النظر عن موقع التواصل الذي يعرضها، معترفاً بالتأثير السلبي، الذي تسربه هذه المنصات الاجتماعية عل? علاقتنا الاجتماعية والأسرية، والتي أصبح الحاضرون في مجالسها غائبين، نظراً لانشغالهم بهواتفهم، ونظرهم المستمر إلى إشعاراتها، بما فيها من صور ومقاطع فيديوهات ورسائل، بحيث انعدم النظر إلى الأشخاص فيما بينهم، واقتصر على هواتفهم، التي يحملونها بين أيديهم وتنشغل بها أعينهم وأذهانهم .
ويصرّح أبو خاص بأنّه يتضايق من عادة استمرارية النظر إلى الهاتف التي أصبحت عند الكل، صغيراً وكبيراً، بالرغم من قيامه بها أحيانا من دون قصد، باعتبار أن الهاتف أصبح همزة الوصل، للتواصل مع الأقران والأقارب والأصدقاء حول العالم .
أما بالنسبة لاستخدام هذه الأجهزة الذكية في المناقشات التعليمية وقاعات الصفوف الجامعية، فتعلق لبنى الخميس: "استخدامي الهاتف في خضم المحاضرة، لا يعني تقليل شأن الدكتور أو المُحاضِر بشكل عام، بِقدر ما يخدم مصلحتي المعرفية، في البحث عن مفهوم معيّن، أو الاستفسار عن أصل كلمة ما، خاصة وأن في بعض المساقات الإنجليزية في تخصصي، يتم إيراد بعض الكلمات من الأساتذة الأجانب، تعتبر غريبة علينا، لذا فعملية البحث عن معناها يكمل الهدف التعليمي، ولا يقلل منه أبداً، حيث يعزز من قدرتي على فهم السياق، الذي جاءت فيه، والمشاركة بفعالية" .
وتستنكر الخميس، من جهتها، استياء الأساتذة من استخدام الهاتف الذكي والأجهزة اللوحيّة، خلال المحاضرات، وغضب بعضهم إزاء ذلك، باعتبارهم ينشغلون عن المادة التي يتم تدريسها ومناقشتها، ويشتتون بقية الطلبة من حولهم بما تحويه شاشات هذه الأجهزة اللوحيّة من صور ومواقع تصرف نظرهم وانتباههم .
بدورها لا ترى رولا كيوان، أستاذ مساعد الرياضيات، أن استخدام الطالب لهاتفه الذكي وهي تحاضر يقلل من احترامها، بِقدر ما يضيع وقت الطالب والفائدة التي يمكنه أن يجنيها من شرح المادة، إذ يتشتت تركيزه، وتتابع: "الأمر يعتمد أيضاً على درجة فهم الطالب واستيعابه للفكرة التي أحاول إيصالها، فإذا وصلته من أول مرة غالباً ما يستخدم هاتفه، لأنه يكون قد فهمها ولا يرى فائدة لاستماعها مكررة، ولكن في المقابل هناك بعض الطلاب يستسلمون لعدم فهمهم المادة، فيلجأون إلى هواتفهم للعبث فيها، وإضاعة وقت الصف" . وتلفت كيوان إلى أن تشتت الطالب في الصف لا يكون فقط بالنظر إلى الهواتف الذكية وتفحصها، إذ يمكنه أن يرسم، أو يسرح بتفكيره، وبالتالي نصل إلى النتيجة نفسها في عدم التركيز وغياب استيعابه .
وتنوه عهود خولاني إلى قدرتها على التركيز في أكثر من مهمة في الوقت نفسه، وتعودها على ذلك منذ فترة طويلة، فكتابتها في "الشات"، أو ردها على الرسائل والإيميلات التي تصلها خلال بعض صفوفها الجامعية، لا تعني أنها غير قادرة على الاستيعاب أو التركيز فيما يجري داخل الصف، إذ يمكنها المشاركة إلكترونياً والتعقيب على كلام أساتذتها في الآن نفسه، من دون تأثير أحدهما على الأخر سلباً، وهذا ينطبق أيضاً على علاقاتها الاجتماعية ولقاءاتها مع أصدقائها وأفراد عائلاتها .
يؤكد كيفن نون، أستاذ مساعد في اللغة الإنجليزية ومدير مركز تعزيز الخطط التدريسية في الجامعة الأمريكية في دبي، على أن هناك عدة أبحاث أثبتت أن الإنسان غير قادر على القيام بأكثر من مهمة في الوقت نفسه، فإذا كان الطالب، على سبيل المثال، يحادث أحداً إلكترونياً، فإنه لا يستطع سماع ما يقوله المعلم، وتسجيل ملاحظات لما يشرحه، ما يجعل تركيزه الأساسي على الهاتف ومحادثته التي يجريها، وليس محتوى المحاضرة وما تتم مناقشته وعرضه . ويشير نون إلى عدة عواقب لاستخدام الهواتف عند محادثة الأفراد من حولنا، أولاها شعور عدم الاحترام الذي يتلقونه، وأن الهاتف أهم منهم، ويضيف: عندما أتعرض شخصياً لمثل هذا الموقف، وأحاور شخصاً يعبث بهاتفه بمنأى بعيداً عني، وأنا بقربه على طاولة الحوار، أتوقف عن إكمال كلامي، لأنني لا أرغب في إضاعة وقتي، مع شخص لا يضعني في اهتماماته، وأبسطها النظر إليّ .
ويستطرد أن الجيل الحاضر بشكل عام يميل بطبيعته إلى التطلع إلى كل ما هو جديد، والبقاء متصلاً مع العالم الخارجي، ففي الوقت الذي لا يمسكون فيه هاتفهم، يشعرون وكأنهم أضاعوا كماً هائلاً من المعرفة، وهذا ما جعل الأغلبية من هذا الجيل يتقبل تلك السلوكيات، التي لم تكن يستحسن فعلها في العقود الماضية من الزمان .
ومن منظور الشخص الذي يستخدم هاتفه، تقول جوان عبدلله، استشارية شؤون نفسية وسلوكية، إنها علامة تُدلل على قلة الاحترام، وعدم تقدير الطرف الآخر الذي يجري الحوار أو الاجتماع معه، بإعطائه القدر الكافي من لغة العيون، التي تعكس علامات إيحائية تحقق غايات الحديث وتشرح ما تعجز الكلمات عن قوله، مشبهةً استخدام الهاتف أثناء الحديث والانشغال بتطبيقاته بمن يرتدي نظاراته، ويكون الأمر لا يستدعي ذلك، من مثل وجوده في مكان غير مشمس، أو عدم معاناته من اضطراب في رؤيته .
ومن جهة الطرف الآخر في الحوار تلفت عبدلله إلى أن شعوره بتقليل اعتباره واحترامه من الطرف الأول، ستجعله يتردد نفسياً بإكمال حديثه، ويتعامل بالمثل في أغلب الأحيان .
ويعتبر محمد علي دلبح أن هذه السلوكيات التي بتنا نتوارثها عبر تلك الشبكات الاجتماعية تُشكل مرضاً عصرياً، ألاّ وهو الخرس الاجتماعي، واعتياد الكثير عليه يعود إلى عدة عوامل نتاجها التربية، والفكر، ومحاولات قتل الفراغ، إلى جانب بُعد أفراد الأسرة عن بعضهم البعض، بِحكم عمل الزوج والزوجة، وإيجاد كل منهما في هذه المنصات فرصة يلبي من خلالها احتياجاته، فبلا شك أنتجت هذه المواقع وإدمان استخدامها ليس فقط سلوكيات غير لائقة مجتمعياً، بل وسعت أيضاً لفتح آفاق النميمة أمام النساء، إضافة إلى الوقوع في فخ الحب الزائف، الذي حطم للأسف العديد من البيوت . ويتابع دلبح: "بالنسبة لبيتي وأسرتي توصلنا أخيراً لحل بخصوص هذا المرض، بحيث أصبحنا نخصص وقتاً للهاتف والنظر في تطبيقاته، ونركز في الوقت المتبقي على أن نكون أسرة عربية تقليدية مترابطة تحترم محدثيها، وتعطي قيمه لكلامهم وما يشيرون إليه، حتى نورث هذه المفاهيم لصغارنا، ولا يكونوا مستقبلاً علاقات كتلك التي نشهدها في الوضع الراهن، أما في محيط الزملاء، فما زلت أعاني هذه المشكلة، لكنني لا أهتم بها كثيراً بسبب مقتضيات وظروف عملي وساعاته المكتبية" .