لا يزال العالم القديم وحضاراته محتفظاً بالمئات من أسراره التي لم يُكشف عنها حتى اليوم، ووقف الباحثون أمامها عاجزين عن تفسيرها، ومذهولين من تطور الحياة منذ مئات السنين. وفي الأسطر التالية نستعرض اثنين من أهم ألغاز العالم القديم، اللذين ظلا بلا تفسير واضح حتى الآن، هما «مقبرة الملكة نفرتيتي» التي لم يُعثر لها على أثرٍ حتى الآن، و«بطارية بغداد» التي تُعد إحدى فرائد ومنجزات الحضارة القديمة التي يقف الإنسان المعاصر مشدوهاً أمامها، ونسجت الأساطير كثيراً حولها، وصلت إلى حد الادعاء بأن حضارة فضائية تركتها على الأرض.
}} في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، عاشت الملكة الفرعونية نفرتيتي زوجة الملك أمنحوتب الرابع (إخناتون) فرعون الأسرة الثامنة عشر الشهير، أول الدعاة للتوحيد. وكانت تعد من أقوى النساء في مصر القديمة، كما ساعدت الملك توت عنخ آمون، على تولي عرش مملكة مصر، واشتهرت بالتمثال النصفى لوجهها المصور، والمنحوت على قطعة من الحجر الجيري في واحدة من أروع القطع الفنية من العصر القديم. ومثل ما حدث مع زوجها «إخناتون»، فقد مُحي اسمها من السجلات التاريخية كما شُوّهت صورها بعد وفاتها، وطُمس العديد من آثارها.
وعجز علماء المصريات عن تحديد موضع «مقبرة نفرتيتي» طوال سنوات من البحث، وقبل نهاية العام الماضي بأيام جذب البريطاني نيكولاس ريفز، عالم المصريات الشهير اهتمام العالم بإعلانه عن اقترابه من العثور على مكان دفن الملكة نفرتيتي، خلف جدار مقبرة توت عنخ آمون، ودعّم نظريته بمجموعة من الصور عالية الجودة من داخل المقبرة التي أظهرت عدداً من الشقوق ربما تكون غرفاً سرية مطموسة المداخل.
ونشر ريفز آراءه في ورقة علمية بعنوان «دفن نفرتيتي» أشار فيها إلى أن هناك ممراً أحادياً خلف جدار مقبرة توت عنخ آمون، يؤدي إلى غرفة تخزين وأخرى إلى مكان دفن نفرتيتي، ويبقى التحدي الأهم هو كيفية التوصل إلى تقنية يمكن من خلالها ثقب جدار مقبرة عنخ آمون، دون الإضرار بها وبالنقوش الملونة على جدرانها.
وتزامناً مع الضجة التي أحدثتها آراء ريفز، عثر الآثاريون الذين تولوا مهمة ترميم القناع الذهبي للملك توت عنخ آمون، على كشف جديد داخل تجويف اللحية وكان عبارة عن أنبوب من الذهب استخدم في تثبيت اللحية بذقن القناع. كما كشفوا استخدام المصري القديم لمادة شمع العسل، وهى نفس المادة التي عثر عليها داخل كسرة لواحدة من الأواني الفخارية حملت لقب «سيدة الحريم» داخل مقبرة توحى بأن صاحبتها كانت تحظى بمكانة مهمة مهمة أسرة الملك، ويعتقد أنها تخص «ميريت آتون» شقيقة الملك الكبرى. كل هذا دفع إلى اتجاه يؤكد أنصاره أن مقبرة الملك الصغير ما زالت تحمل ألغازاً لم يُكشف عنها حتى اليوم بالرغم من مرور عقود طويلة على اكتشافها، وأسراراً ربما تعيد كتابة فصل مهم في تاريخ مصر الفرعونية.
}} مع مطلع كل عام يتجدد الحديث عن الكنوز الأثرية النادرة التي فقدتها بغداد بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003، واحتلت «بطارية بغداد» الاهتمام الأكبر هذا العام. وتعد تلك البطارية، أحد أكثر ألغاز التاريخ إدهاشاً، إذ تعد بطارية بدائية حقيقية سبقت مثيلاتها بأكثر من 20 قرناً، وشديدة الشبه في الشكل الخارجي مع خلية العالم الإيطالي «لويجي جلفاني» المكتشفة عام 1786.
والبطارية عبارة عن جرة فخارية تتوسطها أسطوانة من رقائق النحاس مثبتة بعنق الوعاء بسبيكة من الرصاص والقصدير، ويغلف قرص نحاس بإحكام الجزء الأسفل من الأسطوانة المزودة بقضيب حديدي في وسطها، بينما أغلق قسم الأسطوانة العلوي بإحكام بمادة تشبه القطران.
وكانت بعثة أثرية عثرت على البطارية خلال عمليات تنقيب بالقرب من العاصمة بغداد بالخمسينات، وعُثر عليها بين آثار تعود للحضارة البارثية التي أقامت امبراطورية شاسعة في المنطقة (248 226 قبل الميلاد).
وقتها، تراوحت تفسيرات الآثاريين للجرة التي اعتقد البعض أنها كانت مخصصة لحفظ لفائف ورق البردى، بينما أشار آخرون إلى أنها كانت وسيلة للعلاج بالإبر، بينما ذهب فريق إلى أنها كانت جزءاً من ممارسات السحرة لطقوسهم، بعد ذلك بعقود لفتت الجرة انتباه واهتمام عشرات العلماء حول العالم، كان أهمهم عالم الآثار الألماني ويلهلم كونيغ، الذي أكد بعد دراستها عام 1940، أنها كانت خلية لتوليد الكهرباء. ولاحقاً أجرى أحد مهندسي مختبرات جنرال إلكيتريك في بتسفيلد بالولايات المتحدة، تجارب على نموذج «بطارية بغداد» بحسب رسوم توضيحية قدمها كونيغ، ومستعيناً بكبريتات النحاس لينجح في توليد كهرباء بقوة 0.5 فولت. وفي عام 1970، أجرى عالم آخر تجربة على نسخة طبق الأصل من الجرة بعد ملئها بعصير العنب الطازج ونجح في توليد طاقة كهربائية تعادل 0.7 فولت، وهنا ثارت دهشة وتساؤلات الجميع: هل عرف العالم القديم الكهرباء؟ وأين ذهبت الجرة النادرة؟ وهل يدرك من سرقها قيمتها التاريخية التي لا تعادلها أية أموال؟
}} ونقدم بعض الألغاز الغامضة التي باحت بها حضارات قديمة، ونجح الإنسان في العثور عليها، ثم الكشف عن أسرارها:
- الحيوانات المصرية القديمة: لسنوات طويلة عكف العلماء على تفسير أسرار رسوم الحيوانات المفترسة التي رسمها المصريون القدماء على جدران المعابد والمقابر مثل الأسود، والحمير الوحشية، والكلاب البرية وغيرها من الأنواع التي أشار علماء الحيوان أنها استوطنت مناطق غابات السافانا وسط إفريقيا بعد ذلك بقرون طويلة، ولم يكن مفهوماً أو محدداً على وجه الدقة ما إذا كانت هذه الحيوانات استوطنت مناطق بصعيد مصر أيام العصور المختلفة للحضارة الفرعونية أم لا، وهي الأسئلة التي عثر علماء تطور التنوع البيولوجي على أجوبة عليها، فيما بعد. وأشار العلماء إلى أنه من بين 37 نوعاً من الثدييات المختلفة التي وثقها المصريون القدماء على جدران المعابد، لم يعد موجوداً إلا 8 فقط، وأرجعوا السبب في ذلك إلى فترات الجفاف الشديدة التي شهدتها مناطق واسعة من جنوب مصر في نهاية العصر الجليدي الأخير، وتسببت في نفوق ملايين الحيوانات خاصة أكلة الأعشاب، وتطورت أنواع أخرى من الحيوانات المفترسة التي بدأت رحلات الهجرة إلى مناطق وسط إفريقيا وجنوبها حيث تنتشر الغابات المفتوحة بتنوعها البيولوجي المعروف لدينا اليوم.
- سقوط كاهوكيا: قبل أكثر من 1000 عام بنى المسيسيبيون مدينة كبيرة أسموها «كاهوكيا» وأحاطوها بعشرات الأهرام الترابية، والمجموعات الدائرية من البنى الخشبية التي تهدف لمراقبة حركة النجوم. احتلت هذه المدينة مساحة تقارب 16 كيلومتراً مربعاً، وما زالت شواهدها الأثرية في ولاية إيلينوى الأمريكية موجودة. أحيطت المدينة بنحو 100 هرم واحتوت في مركزها على ميدان واسع، وكان سكانها الذين زاد عددهم على 40 ألف وقتها، فنانين ومعماريين ومزارعين بارعين، أبدعوا فنوناً رائعة بالأصداف والمحار والنحاس والحجارة، حتى إنهم حولوا مجرى أحد أفرع نهر الميسيسيبي ليروي أراضيهم. ازدهرت المدينة لمدة 600 أو 700 عام، وفجأة اختفت هذه الحضارة، واجتهد العلماء من كل التخصصات في وضع تصورات منطقية لسبب الأفول المفاجئ لمدينة عاشت مزدهرة لسنوات طويلة. وكان التفسير الأكثر قبولاً تعرض السكان لوباء غامض راح ضحيته الآلاف منهم، بينما اضطر الآخرون للفرار من المنطقة. وطرح علماء الاجتماع تفسيرهم الخاص بدورة الحضارات التي تفترض إن لكل حضارة عمرها، وأن «كاهوكيا» قضت عليها الصراعات السياسية كعادة أغلب الحضارات التي أفلت عبر التاريخ.
وحديثاً أصدرت جامعة ولاية أريزونا، دراسة مفصّلة استمرت عدة سنوات عن أسباب أفول «كاهوكيا»، شارك فيها عشرات الباحثين من مختلف التخصصات، وبالاعتماد على أحدث التقنيات. وتوصلت الدراسة إلى أن المدينة تعرضت لسلسلة مستمرة من الفيضانات الشديدة التي قضت على مساحات زراعية واسعة، وجرفت مخازن الغلال، وتسببت في انتشار الأمراض. وهنا تجدر الإشارة إلى أن اعتماد الدراسة على تحليل بقايا متحجرة عثر عليها في المناطق التي ضمتها المدينة، والأهم كان تتبع الباحثين لتطور DNA حبوب اللقاح وانتشارها.
}} رسوم كهف «كاتالهويك»:
تمثل منطقة جنوب الأناضول قرب قونية بتركيا، جزءاً مهماً من التاريخ، فهي ترجع إلى فترة تمتد بين (7500-5700 ق.م). وأدرجت المنطقة قبل سنوات على قائمة مواقع التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو. وتعد أقدم موقع مكتشف من العصر الحجري الحديث على الإطلاق. واكتشف علماء الآثار قبل عقود منازل، وتماثيل طينية، وجداريات، وأواني فخارية وأدوات منزلية وما زالت الحفريات مستمرة.
ومنذ عقود، تحيّرَ علماء الآثار العاملون بالموقع في قراءة لوحة جدارية بأحد الكهوف، تبدو مثل سجادة من جلد النمر. وفى بداية عمليات التنقيب في مطلع ستينات القرن الماضي، اعتُقد أن اللوحة تمثل أقدم خريطة في العالم يرجع تاريخها إلى 9 آلاف عام. وبعد سنوات طويلة من البحث العلمي الجاد باستخدام أدوات علمية حديثة من ماسحات ضوئية شديدة الدقة توصل العلماء إلى أن اللوحة عبارة عن تسجيل لثوران بركاني يعتقد أنه صادر من «جبل حسن» القريب من الموقع. وفُسرت الخطوط غير المفهومة المتجه إلى عدة اتجاهات على الجدار على أنها تدفقات حمم وأعمدة من الدخان. ودعم صحة هذا التفسير العثور على بقايا جماجم بشرية أرجعت تحليلات الكربون المشع إلى أن عمرها يرجع إلى 8900 عام. كما أثبت علماء الجيولوجيا وجود بقايا صخور بركانية بالمنطقة ما يدعم نظرية اندلاع ثورات بركانية قبل آلاف الأعوام.